
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- كشفت دراسة حديثة نشرتها صحيفة الغارديان عن تراجع حاد وغير مسبوق في مستوى التغطية الإعلامية لقضايا العنف ضد النساء والفتيات، رغم التزايد الملحوظ في هذه الانتهاكات على مستوى العالم، وهو ما يعكس فجوة مقلقة بين حجم الظاهرة وحضورها في الخطاب الإعلامي.
وقد اعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من ملياري مادة إخبارية وتقارير منشورة عبر الإنترنت بين عامي 2017 و2025، أُجريت من قبل مرصد التغطية الإخبارية العالمية لكراهية النساء، لتخلص إلى أن نسبة الأخبار التي تتناول مصطلحات مرتبطة بالعنف القائم على كراهية النساء لم تتجاوز 1% من إجمالي المحتوى الإخباري العالمي في عام 2025، في مؤشر واضح على التراجع الكبير في الاهتمام الإعلامي بهذه القضية.
هذا التراجع لا يعكس انخفاضاً في معدلات العنف، بل على العكس، يأتي في وقت تشير فيه الوقائع إلى تصاعد أشكال متعددة من الانتهاكات، ما يطرح تساؤلات جدية حول أولويات وسائل الإعلام وطبيعة التغطية التي تقدمها.
وفي هذا السياق، أوضحت صباح سلامة، منسقة منتدى المنظمات الأهلية لمناهضة العنف ضد المرأة، خلال حديثها لإذاعة “نساء إف إم”، أن هذا التراجع يعود إلى مجموعة مركبة من العوامل، أبرزها هيمنة الأحداث السياسية الكبرى والنزاعات والحروب على الأجندة الإعلامية، ما يؤدي إلى تهميش القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها العنف ضد النساء.
وأشارت إلى أن وسائل الإعلام تميل إلى التركيز على الأخبار ذات الزخم السياسي والعسكري، مثل الحروب أو التوترات الإقليمية، على حساب قضايا تمس حياة الأفراد بشكل مباشر، رغم خطورتها واستمراريتها.
وأكدت أن هذا التهميش يصبح أكثر خطورة في أوقات النزاعات، حيث يتفاقم العنف ضد النساء وتتعدد أشكاله، لكنه في الوقت نفسه يتراجع في التغطية الإعلامية، وكأنه قضية ثانوية لا تستحق الأولوية.
ولفتت إلى أن بعض وسائل الإعلام قد تدرج هذه القضايا ضمن سياق ثانوي أو هامشي داخل الخبر، دون منحها المساحة الكافية للتحليل أو المتابعة، ما يضعف من تأثيرها على الرأي العام.
وفيما يتعلق بأشكال العنف، بيّنت سلامة أن هناك تصاعداً واضحاً في بعض الأنماط، مثل الزواج المبكر، والعنف الأسري، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والنزاعات، حيث تزداد الضغوط الاجتماعية والمعيشية، ما يؤدي إلى تفاقم هذه الظواهر. وأكدت أن هذه القضايا، رغم خطورتها، لا تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة، ما يسهم في استمرارها وتفاقمها.
كما أشارت إلى أن العوامل التي تغذي العنف ضد النساء متعددة ومترابطة، وتشمل الفقر والبطالة، وضعف المنظومة التعليمية، والخطاب الإعلامي الذكوري، إلى جانب العادات والتقاليد، والظروف السياسية مثل الاحتلال والنزاعات.
واعتبرت أن هذه العوامل تتكامل لتشكّل بيئة تساهم في تطبيع العنف وجعله مقبولاً اجتماعياً، حيث يتم تبريره أحياناً بالضغوط الاقتصادية أو النفسية التي يمر بها الأفراد، ما يعزز استمراره بدلاً من مواجهته.
وشددت على أن الثقافة الأبوية تلعب دوراً محورياً في ترسيخ هذه الظاهرة، إذ تكرّس مفاهيم الهيمنة الذكورية وتبرر أشكال العنف المختلفة، سواء كانت جسدية أو نفسية أو اقتصادية أو جنسية، ما يؤدي إلى زيادة معدلات الانتهاكات، بما في ذلك جرائم قتل النساء.
وأوضحت أن هذه الثقافة لا تكتفي بإنتاج العنف، بل تعمل أيضاً على تبريره وإعادة إنتاجه داخل المجتمع أما فيما يتعلق بالتبليغ عن العنف، فأكدت أن النساء يواجهن تحديات كبيرة، أبرزها غياب الشعور بالأمان، والخوف من الوصم الاجتماعي، والحاجة إلى دعم اقتصادي ونفسي مستمر.
وأشارت إلى أن العديد من الناجيات يترددن في طلب المساعدة بسبب الخوف من التعرض لمخاطر إضافية أو لردود فعل سلبية من المجتمع، ما يجعل عملية التبليغ معقدة وطويلة، وتتطلب منظومة دعم متكاملة تشمل الحماية القانونية والتمكين الاقتصادي والرعاية النفسية.
وتبرز هذه المعطيات مجتمعة خطورة تراجع التغطية الإعلامية، ليس فقط كمؤشر على ضعف الاهتمام، بل كعامل قد يسهم في تعميق المشكلة، من خلال تقليل الوعي المجتمعي وإضعاف أدوات المساءلة والضغط.
فالإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يمتد إلى تشكيل الوعي وتسليط الضوء على القضايا الجوهرية، وكسر الصمت المحيط بها، وإعطاء مساحة لأصوات الضحايا والناجيات. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للتغطية الإعلامية المهنية والمستمرة لقضايا العنف ضد النساء والفتيات تمثل ضرورة ملحة، لضمان مجتمع أكثر عدلاً وأماناً، لا تُهمّش فيه معاناة النساء ولا تُترك خارج دائرة الضوء.
الاستماع الى الصوت
