
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-في فلسطين، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية مع واقع اجتماعي مثقل بالضغوط، لم يعد العنف الأسري ظاهرة هامشية، بل تحوّل إلى أزمة صامتة تتسلل إلى البيوت وتستهدف النساء بشكل خاص. ففي ظل الاحتلال، وتراجع الأمان الاجتماعي، وازدياد الأعباء المعيشية، تتفاقم أشكال العنف داخل الأسرة، بينما يبقى الصمت المجتمعي أحد أخطر العوامل التي تسمح باستمراره.
هذا الواقع المعقّد تناولته دارين صالحية، رئيسة نيابة حماية الأسرة من العنف، خلال حديثها لإذاعة نساء إف إم، مقدّمة قراءة معمّقة لمشهد تتداخل فيه الأزمات العامة مع عنف قائم على النوع الاجتماعي، تكون المرأة في مركزه الطرف الأكثر هشاشة.
وأوضحت صالحية أن المجتمع الفلسطيني بأسره يعيش تحت ضغط عنيف ومتواصل، إلا أن المرأة تتحمّل عبئًا مضاعفًا، فهي تتأثر بالعنف العام كفرد في المجتمع، وتواجه في الوقت ذاته عنفًا أسريًا ونوعيًا داخل المنزل وخارجه. وأضافت أن أنماط العنف لم تعد محصورة في الأشكال التقليدية، بل تطورت بوتيرة أسرع من تطور المنظومة القانونية، ما أوجد فجوة واضحة بين الواقع المعيشي والنصوص القانونية الناظمة.
وتطرقت صالحية إلى أشكال عنف واسعة الانتشار لا تزال خارج نطاق التجريم الواضح، أبرزها العنف النفسي، الذي يُعد الأخطر والأكثر شيوعًا، إلى جانب العنف الاقتصادي الذي يحرم النساء من حقهن في العمل والدخل والميراث، والعنف الإلكتروني الذي يشهد تصاعدًا ملحوظًا ويستهدف النساء على نحو خاص، فضلًا عن العنف القانوني الناتج عن التمييز أو سوء تطبيق القوانين. وأكدت أن خطورة هذه الأنماط تكمن في آثارها العميقة والممتدة نفسيًا واجتماعيًا، حتى وإن غابت عنها العقوبة المباشرة.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه نيابة حماية الأسرة، أشارت صالحية إلى معوّقات متشابكة، في مقدمتها عدم مواءمة القوانين لتطور الجريمة، إلى جانب العوامل الاجتماعية، مثل الخوف من الوصمة ونظرة المجتمع، ما يدفع كثيرًا من النساء إلى الصمت والتردد في طلب المساعدة. كما لفتت إلى التحديات الإجرائية، كطول أمد التقاضي وصعوبة توفير حماية فورية في بعض الحالات، فضلًا عن التحديات التي يفرضها الاحتلال، وما يخلّفه من فجوات أمنية تعيق الوصول إلى حماية شاملة في جميع المناطق.
وعن عبارة “الصمت الخطر الأكبر”، شددت صالحية على أن الصمت لا يوفّر الحماية، بل يطيل عمر العنف ويعمّقه. وبيّنت أن ارتفاع أعداد القضايا المُبلّغ عنها لا يُقرأ بالضرورة كزيادة في العنف، بل كمؤشر إيجابي على تنامي وعي النساء بحقوقهن وارتفاع مستوى الثقة بالمؤسسات، رغم استمرار القوالب النمطية وفجوة الثقة المجتمعية.
وأكدت أن التصدي للعنف الأسري لا يمكن أن يقتصر على إجراءات الحماية وحدها، بل يتطلب استثمارًا جادًا في برامج التأهيل والعلاج، ليس فقط للنساء المعنّفات، بل أيضًا للمعنِّفين، وللأطفال الذين يُعدّون ضحايا غير مباشرين لهذا العنف. فغياب هذه البرامج يعني إعادة إنتاج العنف جيلاً بعد جيل، والاكتفاء بمعالجات مؤقتة وغير مستدامة.
وفي رسالتها المباشرة للنساء، دعت صالحية إلى كسر الصمت، مؤكدة أن التبليغ ليس فضيحة، بل خطوة أساسية نحو الحماية واستعادة الأمان وإعادة بناء الأسرة على أسس سليمة. كما شددت على مفهوم المواطنة الإيجابية، وعلى مسؤولية المجتمع بأكمله في الإبلاغ وعدم التواطؤ بالصمت.
وختمت بالتأكيد على أن نيابة حماية الأسرة من العنف تعمل كنيابة متخصصة تضم طواقم مدرّبة، وتعتمد على شراكات واسعة مع مؤسسات حكومية وأهلية وصحية واجتماعية وأمنية، في محاولة لبناء منظومة حماية متكاملة رغم التحديات الكبيرة.
في المحصلة، العنف الأسري في فلسطين ليس شأنًا خاصًا يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل قضية كرامة وحق ومسؤولية جماعية. كل امرأة تكسر صمتها لا تطلب امتيازًا، بل تطالب بحقها في حياة آمنة بلا خوف. فالصمت لا يحمي أحدًا… بينما الكلمة قد تنقذ حياة.
الاستماع الى اللقاء :
