
غزة -نساء FM- (خاص) في ساحة ترابية تملؤها الأنقاض في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، تركض أقدام صغيرة وراء إطار سيارة قديم، تصنع من اللاشيء فرحًا مؤقتًا. الطفلة "ملاك"، ذات السبعة أعوام، تلهو بجوار ركام منزلها، بينما تحذّرها والدتها: "إياك أن تقتربي من الزاوية الشرقية، هناك شظايا وقذائف لم تنفجر بعد... اللعب هنا قد يكون قاتلًا".
في غزة، لم يعد اللعب حقًا بسيطًا للأطفال. فمخلفات الحرب من شظايا، وأسلحة غير منفجرة تنتشر في الأحياء المأهولة، وتحول المساحات المفتوحة إلى مصائد صامتة. ومع غياب الحدائق العامة ومرافق الترفيه، يلجأ الأطفال إلى اللهو بين الأنقاض، حيث الخطر لا يترك لهم فرصة للنمو في أمان.
"أطفالي يسألونني لماذا لا نذهب إلى الحديقة مثل باقي الأطفال في العالم. لا أملك إجابة سوى أن أقول: لأن الحرب سرقت حتى الحدائق"، تقول "أم عمر"، وهي أم لثلاثة أطفال، بينما تنظر نحو أطلال الملعب الوحيد في الحي.
تشير تقارير صادرة عن منظمات أممية إلى أن الآلاف من أطفال غزة يُحرمون من بيئة نظيفة وآمنة للعب، ما ينعكس على نموهم الجسدي، وتطورهم النفسي والعاطفي. اللعب، برأي الخبراء، ليس ترفًا، بل عنصر حيوي لنمو الأطفال، وأحد حقوقهم الأساسية التي تُنتهك يوميًا في مناطق النزاع.
"لما أسمع صوت طيارة، بروح أستخبى وما بلعب"، يقول "إياد" (10 أعوام)، ويضيف: "كنت أحب ألعب بالحديقة، بس انقصفت، هلأ كل شي صار تراب وزجاج".
أما "سجى"، 9 سنوات، فتعترف بصوت مرتجف: "لما بشوف الأطفال بالتلفزيون بيلعبوا على المراجيح، بسكر التلفزيون عشان ما أزعل".
هذه القصص ليست فردية، بل تمثل واقعًا يعاني فيه الأطفال من حرمان مزدوج: من الأمان ومن لحظات الطفولة التي لا تعوّض. تقول "أم هاني"، والدمع في عينيها: "ابني فقد جزءًا من طفولته مش بس بسبب الإصابة، بل لأنه صار يخاف يلعب. يسألني: ماما، ليه ما في مكان آمن زي باقي الدول؟".
تحليل الخبراء يشير إلى أن نمو الطفل في بيئة ملوّثة بالخوف والمخلفات الحربية يترك آثارًا نفسية عميقة، كاضطراب ما بعد الصدمة والقلق المزمن. أما النساء، وخاصة الأمهات، فيتحملن العبء الأكبر من هذا الواقع؛ ما بين خوف دائم، ومحاولات مستميتة لحماية أطفالهن في ظروف خارجة عن السيطرة.
أمام هذا المشهد الإنساني المؤلم، تطالب منظمات حقوق الإنسان بضرورة إزالة مخلفات الحرب فورًا، وتأمين مساحات آمنة وصحية للعب، وتوفير الدعم النفسي للأطفال وعائلاتهم. فالطفولة المبتورة لا تُجبر بجبر الركام، بل بإرادة سياسية وإنسانية تعيد البسمة إلى وجوه صغار نشأوا في ظلال الدخان.
