الرئيسية » تقارير نسوية »  

في "نساء نحو إعلام ذكي".. د.صالح مشارقة: الذكاء الاصطناعي يسرّع الصحافة الاستقصائية لكنه يضع دقة المعلومات تحت الاختبار
11 حزيران 2026

 

رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- شهدت السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في بيئة العمل الإعلامي بفعل التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أدوات مساندة للصحفيين، بل أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة إنتاج المحتوى وتحليل البيانات والوصول إلى المعلومات.

 وقد امتد تأثير هذه التقنيات إلى مجال الصحافة الاستقصائية، الذي يعد من أكثر مجالات العمل الصحفي تعقيداً وحساسية، لاعتماده على البحث المعمق وتحليل الوثائق والبيانات وتتبع الأنماط والعلاقات الخفية المرتبطة بالقضايا العامة.

 وفي الوقت الذي تتيح فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصاً غير مسبوقة للصحفيين لمعالجة كميات هائلة من البيانات خلال وقت قياسي واكتشاف مؤشرات قد يصعب رصدها بالطرق التقليدية، فإنها تطرح في المقابل تحديات مهنية وأخلاقية وقانونية تتعلق بدقة المعلومات وموثوقية المخرجات وحماية المصادر الصحفية والخصوصية.

تم إنتاج هذه الحلقة ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي" الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، بهدف تسليط الضوء على التحولات الرقمية المتسارعة وتأثيرها على العمل الإعلامي والصحفي، وتعزيز المعرفة بالاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية الفلسطينية.

وأكد أستاذ الإعلام ومنسق الأبحاث والسياسات في مركز تطوير الإعلام الدكتور صالح مشارقة أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع الإعلام يمثل تطوراً إيجابياً ساهم في تسهيل وتبسيط عمليات البحث وجمع المعلومات التي كانت تستغرق أياماً وأسابيع من العمل المتواصل.

وأوضح أن هذه التقنيات قادرة على مساعدة الصحفيين في تطوير فرضيات التحقيقات الاستقصائية، وربط المعلومات ببعضها البعض، واكتشاف زوايا جديدة للقضايا المطروحة، إضافة إلى دعم مراحل إعداد التحقيق وتنفيذه وتحريره والتدقيق فيه والترويج له بعد النشر.

وأشار مشارقة إلى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنظر إليه باعتباره أداة مساعدة للصحفي وليس بديلاً عنه، مؤكداً أن جوهر العمل الصحفي لم يتغير، وأن التحقيق الصحفي والقصة الصحفية لا يزالان يعتمدان على المهارات البشرية الأساسية في البحث والتحليل والتواصل مع المصادر. وأضاف أن ما قدمته هذه التقنيات يتمثل في تسريع الوصول إلى المعلومات واختصار الوقت والجهد، حيث بات بإمكان الصحفي الوصول إلى ملخصات وتحليلات ومراجع متعددة خلال دقائق بدلاً من ساعات طويلة من البحث التقليدي.

وبيّن أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصحافة الاستقصائية تتطلب مهارات متقدمة في صياغة الأوامر والأسئلة، بحيث يتمكن الصحفي من توجيه الأداة نحو إنتاج نتائج أكثر دقة وارتباطاً بموضوع التحقيق. كما يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في مقارنة الوثائق والبيانات والتقارير المالية أو الرقابية، واكتشاف العلاقات والأنماط التي قد تكون غير واضحة للوهلة الأولى، الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة أمام الصحفيين للوصول إلى فرضيات وتحقيقات أكثر عمقاً.

وفيما يتعلق بحماية المصادر والبيانات الحساسة، أوضح مشارقة أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه بمفرده كشف قضايا الفساد أو انتهاك خصوصية الأفراد بالشكل الذي يخشاه البعض، مشيراً إلى أن الدور الأساسي في كشف الحقائق ما زال يعتمد على الصحفي وقدرته على جمع المعلومات والتواصل مع المصادر وتحليل الوقائع. ومع ذلك، شدد على أهمية الوعي بسياسات الخصوصية المستخدمة في التطبيقات المختلفة، خاصة في ظل تفاوت التشريعات المتعلقة بحماية البيانات بين الدول.

وحذر من الاعتماد الكلي على مخرجات الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن هذه الأنظمة قد تقع في أخطاء أو ما يعرف بـ"الهلوسة"، فتنتج معلومات أو أرقاماً أو أسماء غير دقيقة. ورغم التطور الملحوظ الذي شهدته هذه التقنيات خلال الفترة الأخيرة، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة للتحقق البشري من جميع المعلومات قبل نشرها، خاصة في القضايا الاستقصائية التي تتطلب أعلى درجات الدقة والمصداقية.

وأكد أن اللمسة البشرية ستبقى العامل الحاسم في نجاح التحقيقات الصحفية، لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات المتاحة له ولا يمتلك القدرة على فهم السياقات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية كما يفعل الإنسان. فالصحفي هو من يحدد أهمية القضية، ويقيّم المصلحة العامة، ويتخذ القرارات التحريرية والأخلاقية المتعلقة بالنشر، بينما يظل دور الذكاء الاصطناعي محصوراً في الدعم والمساندة التقنية.

ولفت مشارقة إلى أن التطور الكبير في أدوات الذكاء الاصطناعي أوجد تحديات جديدة تتعلق بانتشار المحتوى المضلل وتقنيات التزييف العميق، التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات يصعب أحياناً التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. وأكد أن هذه التطورات تفرض على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية مضاعفة جهود التحقق والتدقيق للحفاظ على مصداقية المعلومات ومنع انتشار الأخبار الكاذبة.

وعن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار الفلسطينية والعربية، أوضح أن المؤسسات الإعلامية المهنية أظهرت مستوى متقدماً من الوعي في التعامل مع هذه الأدوات، حيث يتم استخدامها في الترجمة والتحرير وإنتاج المحتوى البصري والترويج الرقمي، مع استمرار وجود عمليات مراجعة وتدقيق بشرية لضمان جودة المنتج الإعلامي.

 كما أشار إلى أن العديد من المؤسسات الإعلامية ومراكز التدريب والجامعات الفلسطينية سارعت خلال العامين الماضيين إلى تطوير برامج تدريبية متخصصة لتعزيز قدرات الصحفيين في هذا المجال.

ولفت الى أن مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت عمل على إدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي في البرامج الأكاديمية والتدريبية، إلى جانب تنفيذ برامج تستهدف تعريف الصحفيين بأفضل التطبيقات المتاحة في مجالات التصميم والإنتاج الرقمي وصناعة المحتوى والترويج للتحقيقات الصحفية. كما شهدت المؤسسات الإعلامية الفلسطينية توسعاً ملحوظاً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج الفيديوهات القصيرة والملخصات التفاعلية التي تساعد على إيصال التحقيقات الاستقصائية إلى جمهور أوسع عبر المنصات الرقمية.

وحول مستقبل الصحافة الاستقصائية، توقع مشارقة أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة في تقليص الوقت اللازم لإعداد التحقيقات الصحفية، وتسريع عمليات جمع المعلومات وتحليلها والترويج للمخرجات النهائية. إلا أنه أكد في الوقت ذاته أن نجاح أي تحقيق سيظل مرهوناً بقدرة الصحفي على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات والحفاظ على المعايير المهنية والأخلاقية التي تشكل جوهر العمل الصحفي.

واكد مشاريقة على أن المهارات المطلوبة من الصحفيين الشباب لم تعد تقتصر على مهارات الكتابة والتحرير فقط، بل أصبحت تشمل فهماً عميقاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي وآليات عملها وحدودها وانحيازاتها المحتملة، إلى جانب الحفاظ على المهارات الصحفية التقليدية المرتبطة بالتقصي والتحقق والاستقصاء.

 وشدد على أن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتطوير الصحافة الاستقصائية وتعزيز قدرتها على خدمة الجمهور وكشف القضايا التي تهم المجتمع، شريطة أن يبقى الإنسان هو صاحب القرار النهائي في كل ما يتعلق بالمحتوى والمعلومة والحقيقة.