
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- انتشر مؤخرا هاشتاغ "لأطفال التوحد" على منصات التواصل الاجتماعي، مثيراً موجة واسعة من التساؤلات حول واقع خدمات التشخيص والعلاج والتأهيل والدمج المقدمة للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد في فلسطين، في ظل تزايد الوعي المجتمعي بهذه الفئة من جهة، واستمرار الشكاوى المرتبطة بنقص الخدمات وارتفاع تكاليفها من جهة أخرى.
وأعاد النقاش الدائر حول "الهاشتاغ" تسليط الضوء على حقوق الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد وضرورة توفير بيئة داعمة تضمن حصولهم على الخدمات اللازمة وفق أسس علمية ومهنية.
وأوضحت الباحثة في العلاج السلوكي ودمج اضطراب طيف التوحد الدكتورة مجد ملحم، خلال حديثها لـ "نساء إف إم"، أن اضطراب طيف التوحد يعد اضطراباً نمائياً يؤثر بشكل رئيسي على التواصل والتفاعل الاجتماعي والسلوك، مؤكدة أن معدلات انتشاره تشهد ارتفاعاً ملحوظاً على مستوى العالم.
وأشارت إلى أن التقديرات الحالية تفيد بوجود حالة واحدة تقريباً بين كل 127 طفلاً، فيما قد تصل النسبة في الواقع إلى طفل واحد من كل 100 طفل، ما يجعل من التوحد قضية مجتمعية تستدعي اهتماماً أكبر وتطويراً مستمراً للخدمات المقدمة لهذه الفئة.
وأكدت ملحم أن عودة النقاش حول أطفال التوحد تزامنت مع ظهور تقارير دولية وتحذيرات متزايدة من استغلال بعض الأسر الباحثة عن الأمل في تحسين حالة أبنائها، من خلال الترويج لعلاجات باهظة الثمن تفتقر إلى الأدلة العلمية الكافية.
وأوضحت أن بعض الجهات والمراكز في عدد من الدول تستغل حاجة الأهالي وتقدم وعوداً بعلاجات سريعة أو نهائية للتوحد مقابل مبالغ مالية كبيرة، رغم غياب الدراسات التي تثبت فعاليتها.
وتابعت، أن من بين الممارسات التي يتم الترويج لها استخدام غرف الأكسجين المضغوط أو بعض الأدوية والمكملات الغذائية باهظة الثمن أو برامج إزالة المعادن الثقيلة من الجسم، مشيرة إلى أن الأبحاث العلمية المتوفرة حتى الآن لا تثبت قدرة هذه الأساليب على علاج اضطراب طيف التوحد أو إنهائه.
وشددت على ضرورة عدم الانسياق وراء الإعلانات المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي دون التحقق من مصداقيتها، خاصة أن بعضها قد يحمل آثاراً سلبية على الأطفال ويشكل عبئاً نفسياً واقتصادياً على أسرهم.
ولفتت إلى أن الضغوط المالية الناتجة عن السعي وراء هذه العلاجات قد تزيد من معاناة العائلات، خصوصاً عندما يتم تسويق أدوية أو برامج علاجية بأسعار مرتفعة توحي للأهل بأنها تمثل الحل الوحيد أو الأفضل لأبنائهم.
الاستماع الى اللقاء :
وأكدت أن شعور الأهل بالعجز عن توفير هذه الخدمات المكلفة قد يفاقم الضغوط النفسية لديهم، رغم أن كثيراً من هذه العلاجات لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة.
ودعت ملحم الأهالي إلى الاعتماد على المصادر العلمية المعترف بها عالمياً قبل اتخاذ أي قرار علاجي، والرجوع إلى الدراسات المنشورة في المجلات الطبية المحكمة أو إلى توصيات منظمة الصحة العالمية، مشددة على أهمية التأكد من وجود أبحاث علمية موثقة تدعم أي علاج يتم الترويج له، وعدم تحويل الأطفال إلى حقل تجارب لأساليب غير مثبتة الفاعلية.
وشددت على أن التدخلات الأكثر فاعلية والمثبتة علمياً للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد تتمثل في التدخل المبكر، والعلاج السلوكي، وعلاج النطق واللغة، والعلاج الوظيفي، وتنمية مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية، إضافة إلى توفير برامج الدعم المناسبة التي تساعد الطفل على تطوير قدراته وتحسين جودة حياته على المدى الطويل.
كما شددت على أهمية الدمج الأكاديمي باعتباره أحد أبرز التدخلات الناجحة، موضحة أن المقصود به إشراك الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد في البيئة المدرسية إلى جانب أقرانهم من الأطفال الآخرين وفق خطط مدروسة ودعم متخصص عند الحاجة.
وأشارت إلى أن الدمج يتيح للأطفال فرصاً أكبر للتعلم والتفاعل الاجتماعي واكتساب المهارات من خلال التقليد والمشاركة اليومية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تطورهم وقدرتهم على الاندماج في المجتمع.
ولفتت الى أن بعض الأطفال الذين يتم عزلهم بشكل كامل في مراكز متخصصة قد يفقدون فرصاً مهمة للتفاعل مع أقرانهم، مؤكدة أن الدمج يجب أن يكون جزءاً أساسياً من حياة الطفل وفقاً لقدراته واحتياجاته الفردية، سواء من خلال الالتحاق الكامل بالمدرسة أو الدمج الجزئي بين المدرسة العادية والمراكز المتخصصة.
ودعت ملحم الأهالي إلى التمسك بالعلاجات المعتمدة علمياً حتى وإن بدت نتائجها أبطأ، وعدم الانجراف وراء الوعود السريعة أو العلاجات التي يتم الترويج لها عبر الإنترنت دون أدلة موثوقة.
وأكدت أن دعم الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد مسؤولية مشتركة تتطلب تعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير خدمات التشخيص والعلاج والتأهيل والدمج، بما يضمن لهم فرصاً أفضل للتعلم والمشاركة الفاعلة في المجتمع، ويوفر لأسرهم الدعم الذي تستحقه في رحلة الرعاية والمتابعة.
