
رام الله-نساء FM- في مساحة تتداخل فيها الخبرة التربوية مع التأمل الإنساني، تقدّم الدكتورة تفيدة الجرباوي قراءة مختلفة لمفهوم التعليم، تخرجه من إطاره التقليدي المرتبط بالمنهاج والصفوف، لتعيد تعريفه كمسار حياة ممتد، تُصنع ملامحه عبر تفاصيل يومية صغيرة، لكنها عميقة الأثر في تشكيل الإنسان وتكوينه.
تنطلق الجرباوي من فكرة محورية مفادها أن التعلّم لا يحدث في خط مستقيم، ولا يمكن اختزاله في مؤسسة تعليمية واحدة، بل يتكوّن عبر مسارين متوازيين: مسار رسمي داخل المدرسة، ومسار غير رسمي يتشكل في البيت والمجتمع والتجربة الحياتية بكل ما تحمله من مواقف وتحديات. وبين هذين المسارين تتبلور الشخصية، وتتراكم الخبرات، وتتكون القيم.
ولإيصال هذه الفكرة، تعتمد الكاتبة على بناء سردي يقوم على شخصيتين: "عليا" و"جود".
تمثل "عليا" صورة المتعلّم الذي يتعامل مع المعرفة كمساحة مفتوحة للتأمل وإعادة الفهم، لا كحقيقة نهائية مغلقة. بينما يأتي "جود" كشخصية متعددة الأدوار، قد تكون داعمة أو غائبة أو حتى مُربكة أحياناً، في إشارة واضحة إلى أن رحلة التعلّم لا تجري في بيئة مثالية، بل داخل واقع متغير تحكمه الظروف والعلاقات والتجارب.
في المشهد الأول، تعود الكاتبة إلى مرحلة الطفولة، حيث تعيش "عليا" انتقالها من مدرسة قروية بسيطة إلى مدرسة في المدينة. هذا الانتقال، رغم كونه تغييراً مكانياً، إلا أنه يحمل في جوهره تحوّلاً نفسياً ومعرفياً عميقاً، يرافقه شعور بالقلق والتساؤل ومحاولة التأقلم مع واقع جديد.
ويبرز في هذه المرحلة امتحان تحديد المستوى كحظة فارقة، لم يكن مجرد اختبار أكاديمي، بل تجربة مواجهة مع الذات، امتزج فيها الخوف بالتحدي، والتوتر بالسعي نحو النجاح، لتشكّل في النهاية نقطة انطلاق لبناء الثقة بالنفس.
ومن خلال هذا المشهد، تؤكد الجرباوي على فكرة أساسية: أن التجارب الأولى، مهما بدت بسيطة أو عابرة، قد تتحول إلى لحظات تأسيسية في حياة الإنسان، تُبنى عليها لاحقاً ملامح شخصيته واتجاهاته.
ولا تقف الحكاية عند حدود الطالب، بل تمتد لتسلط الضوء على دور المعلم، من خلال نموذج معلمة اللغة الإنجليزية التي قدّمت تجربة تعليمية مختلفة، تقوم على التفاعل والحيوية، بعيداً عن التلقين التقليدي. استخدمت الغناء والحركة وخلقت بيئة صفية تفاعلية، جعلت من التعلم تجربة حية وممتعة، لا مجرد واجب دراسي.
وتتوقف الكاتبة عند جملة قصيرة قالتها المعلمة، لكنها تركت أثراً طويل الأمد في وعي الطالبة: أن التعلم ليس حفظاً فقط، بل فهم وإحساس وتجربة. ومن هنا تبرز قيمة الكلمة التربوية، وكيف يمكن لموقف بسيط أن يصنع تحولاً عميقاً في مسار طالب كامل.
كما يفتح النص مساحة للنقاش حول دور الأسرة في العملية التعليمية، حيث لا ينفصل النجاح المدرسي عن الحوار داخل البيت، ولا عن طبيعة الدعم أو الأسئلة التي تطرح حول القدرات والجهد والبيئة المحيطة، في إشارة إلى تكامل الأدوار في بناء وعي الطفل.
في المحصلة، يمكن قراءة هذا النص بوصفه دعوة لإعادة التفكير في معنى التعليم ذاته؛ فهو ليس مجرد اكتساب معرفة، بل عملية بناء إنسان، تتداخل فيها العاطفة مع الفكر، والخبرة مع الفهم، والتجربة مع القيم.
ويحمل النص رسائل واضحة وإن كانت غير مباشرة، أبرزها أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق، وأن المعلم الملهم قد يترك أثراً يتجاوز المنهج، وأن الثقة بالنفس قد تبدأ من تجربة واحدة ناجحة، وأن التعلم الحقيقي يحدث عندما يلتقي التعليم بالحياة.
وبهذا الطرح، لا تقدم الكاتبة إجابات جاهزة، بل تفتح باب التأمل أمام القارئ، ليعيد النظر في تجربته التعليمية، ويتأمل كيف تشكل وعيه عبر السنوات، ومن أين بدأت ملامح فهمه للعالم من حوله.
