
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- يشهد العالم اليوم تسارعاً غير مسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أحدث تحولاً جذرياً في بنية العمل الصحفي والإعلامي، سواء من حيث إنتاج المحتوى أو طرق نشره والوصول إلى الجمهور.
فقد أصبحت هذه التقنيات جزءاً أساسياً في غرف الأخبار الحديثة، حيث تُستخدم في كتابة الأخبار العاجلة، وتحليل البيانات الضخمة خلال وقت قياسي، والتحقق من المعلومات، إضافة إلى تخصيص المحتوى بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور، الأمر الذي ساهم في تحسين جودة العمل الإعلامي وتسريع الوصول إلى المعلومة.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث والمختص في تقنيات الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب من شركة أقلمة، خلال حديثه مع "نساء إف إم"، أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن اعتباره بديلاً عن الصحفي، بل هو أداة مساعدة تعزز من قدراته وتدعم عمله. ويوضح أن هذه التقنيات، شأنها شأن التطورات التكنولوجية السابقة، لم تُلغِ دور الإنسان، بل ساهمت في تطويره وتحسين أدائه، مشيراً إلى أن الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات هو ما يحدد جودة المخرجات الإعلامية، وأن الصحفي المتمكن هو من يوظفها بشكل ذكي لخدمة عمله.
ويضيف الخطيب أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الحدث ولا ينتج الإعلام بحد ذاته، بل يعزز من قدرة المؤسسات الإعلامية على تقديم محتوى أكثر دقة وسرعة، معتبراً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامها. ويرى أن القلق من استبدال الصحفيين بهذه التقنيات مبالغ فيه، موضحاً أن من قد يحل محل الصحفي هو صحفي آخر أكثر قدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، وليس التكنولوجيا نفسها.
وفيما يتعلق بانتشار الأخبار المضللة، يشير الخطيب إلى أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم في إنتاج محتوى زائف، لكنه في الوقت ذاته يُستخدم أيضاً في كشف هذا التضليل ومكافحته. ويؤكد أن المسؤولية لا تقع على عاتق التكنولوجيا وحدها، بل على المستخدمين والمؤسسات الإعلامية في التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، لافتاً إلى أهمية الوعي والمعرفة في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ومن زاوية أخرى، يتطرق الحديث إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على قضايا النوع الاجتماعي، حيث يرى الخطيب أن هذه التقنيات قد تشكل فرصة مهمة لتعزيز حضور النساء في المجال الإعلامي، خاصة في المجتمعات التي تواجه فيها النساء تحديات تتعلق بالتنقل أو المشاركة المباشرة في سوق العمل. ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي يوفر بيئة مرنة تمكّن النساء من العمل والإنتاج من أي مكان، ما يسهم في زيادة مشاركتهن وتمكينهن مهنياً.
ورغم ذلك، تبرز تحديات تتعلق بإمكانية تعزيز الصور النمطية الجندرية نتيجة تحيزات موجودة في البيانات التي تُدرّب عليها الخوارزميات، وهو ما يتطلب تطوير هذه التقنيات بشكل مسؤول، من خلال ضمان تنوع البيانات وإشراك النساء في تصميمها، إلى جانب وضع سياسات واضحة للحد من التحيز.
كما يشدد الخطيب على أهمية وجود أطر قانونية وتنظيمية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، خاصة في ظل غياب المساءلة في كثير من الأحيان، الأمر الذي يسهم في انتشار المحتوى المضلل. ويؤكد أن وجود تشريعات واضحة من شأنه أن يعزز من مصداقية المحتوى الإعلامي ويحد من الانتهاكات، داعياً إلى تنظيم عملية النشر وتعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات الإعلامية، يوضح أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي يعتمد على وضوح الأهداف والرسائل التي تسعى هذه المؤسسات إلى إيصالها، إضافة إلى الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر الصحفية على استخدام هذه التقنيات بشكل فعال. ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يفكر بدلاً عن الإنسان، بل يعمل وفق المعطيات التي يقدمها له، ما يجعل من الضروري أن يكون الصحفي واعياً ومدركاً لكيفية توجيه هذه الأدوات لتحقيق أفضل النتائج.
وفي المحصلة، يمثل الذكاء الاصطناعي سلاحاً ذا حدين في قطاع الإعلام؛ فهو قادر على إحداث نقلة نوعية في العمل الصحفي من حيث السرعة والدقة والكفاءة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات أخلاقية ومهنية تتطلب وعياً نقدياً عالياً. وبين الفرص الكبيرة التي يتيحها والمخاطر التي قد تنجم عن سوء استخدامه، يبقى الدور الأهم للصحفيين والمؤسسات الإعلامية في توظيف هذه التقنيات بما يخدم القيم المهنية والإنسانية، مع الحفاظ على التوازن بين التطور التكنولوجي والمسؤولية المجتمعية.
تم إنتاج هذه الحلقة ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"، الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، في إطار تعزيز الوعي باستخدام التقنيات الحديثة في الإعلام بشكل مسؤول وشامل.
