الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

كيف تتغير حياة المرأة عندما تصبح فجأة "أرملة شابة"؟
28 حزيران 2026

 

 

رام الله-نساء FM- في 23 يونيو/حزيران من كل عام تعيد الأمم المتحدة التذكير باليوم العالمي للأرامل، وبما تواجهه كثير منهن من فقر وظلم وانتهاكات تطالهن وتطال أبناءهن وعائلاتهن أيضا، في واقع لا يختلف كثيرا بين دول العالم.

فجأة، ومن دون مقدمات حقيقية، تجد نساء كثيرات أنفسهن في مواجهة عالم جديد تماما، لا تشبه تفاصيله ما عرفنه قبل رحيل الزوج، لا ماديا ولا نفسيا ولا اجتماعيا.

فقد مفاجئ وأزمات بلا مقدمات

لم تتوقع أمل محمود أن وفاة زوجها قبل 3 أعوام ستفتح أمامها هذا القدر من المتاعب داخل بيت عائلته في أحد الأحياء الشعبية بمحافظة الجيزة. السيدة الخمسينية تزوجت بعد قصة حب طويلة، وأنجبت 5 أبناء أصغرهم في المرحلة الابتدائية.

تقول للجزيرة نت: "مرض فجأة بالمرض الخبيث في القولون، وخضنا رحلة علاج صعبة، ورغم كل شيء لم أتصور لحظة أنه قد يموت. كان عندي أمل مع كل جرعة من العلاج الكيميائي أنه سيعيش، ثم استيقظت ذات صباح على مكالمة من المستشفى تخبرني بوفاته، تاركا لي 5 أبناء، بينهم فتاتان في سن الزواج".

لكن قسوة الفقد لم تكن الأصعب بالنسبة إليها، تضيف: "لم أتخيل أننا سنصبح هدفا لعائلته. كان للراحل شقة يملكها في البيت غير تلك التي نقيم فيها، استولوا عليها عنوة ليتزوج فيها أحد أبناء أخيه، ثم بدأوا يضيّقون الخناق علي وعلى بناتي بشكل غير مسبوق، ووجدتني مضطرة للاحتكاك بشقيقاته شبه يوميا لأسباب تافهة. أدركت لاحقا أنهم يريدون إخراجنا من شقتنا أيضا والاستيلاء عليها".

اضطرت أمل -التي لم تعمل من قبل- إلى افتتاح مشروع صغير أسفل المنزل تبيع فيه بعض الحلوى، لكن العائد لم يكن كافيا. تقول: "كان زوجي كهربائيا يعمل باليومية، ولي معاش ضئيل من الدولة، وأحصل أحيانا على إعانات من أسرتي وبعض الجهات الخيرية، ومع ذلك تبقى الحياة صعبة للغاية".

A woman in traditional attire prays amidst gravestones in a peaceful cemetery.
يقدر عدد الأرامل حول العالم بنحو 258 مليون امرأة (بيكسلز)

أرقام قاسية خلف باب مغلق

تشير بيانات مؤسسة "لوومبا" الدولية المعنية بقضايا الأرامل إلى أن عدد الأرامل حول العالم يقدر بنحو 258 مليون امرأة، يعلن أو يشاركن في إعالة أكثر من 585 مليون طفل، فيما تعيش قرابة 38 مليون أرملة في فقر مدقع.

ويذكر البنك الدولي أن الأرامل يواجهن في الغالب صعوبات اقتصادية حادة بعد وفاة الزوج، وغالبا ما يفقدن جزءا من حقوقهن الاقتصادية أو أصولهن وممتلكاتهن بعد الترمّل، الأمر الذي يرفع خطر السقوط في الفقر. كما تظهر دراسات استعرضها البنك أن الأسر التي تعيلها أرامل تسجل مستويات معيشة أدنى من الأسر التي يعيلها رجل، وأن التمييز في الميراث وملكية الأراضي ضد النساء من العوامل التي تزيد هشاشة الأرامل اقتصاديا.

"أرملة شابة".. وضع اجتماعي مقلق للآخرين

لم تكد الروائية والقاصة المصرية سهى زكي تبدأ حياتها الزوجية حتى فقدت زوجها بعد أقل من عامين، لتودعه بعد ولادة طفلتها الأولى وهي في الـ29 من عمرها. لم يكن يخطر لها أن تختبر كلمة "أرملة" بهذه السرعة.

تقول للجزيرة نت: "ظللت وقتا طويلا عاجزة عن استيعاب مصطلح أرملة. أصبحت زوجة وأما وأرملة في عامين فقط. لم يكن هناك وقت للفهم، كنت مجبرة على أن أكون قوية بعد صدمة الفقد لأن لدي طفلة. لكنني لم أدرك فعلا ماذا يعني أن أكون أرملة إلا حين طلبت مني صديقة التوقف عن زيارتها لأن لديها أشقاء ذكور. هنا فهمت أن وضعي صار مقلقا للآخرين".

تضيف: "حاولت العثور على سكن، لأنني لم أكن قد استقررت في مكان ثابت بعد. اكتشفت أنها مأساة أخرى؛ ليس سهلا أن أسكن وحدي مع ابنتي. وحين تعاطف مالك شقة معي أخيرا، اشترط ألا يزورني أحد، لا أبي ولا شقيقي ولا صديقاتي. كان يراقبني ويضع قواعد صارمة. الأمر نفسه ينطبق على المطلقة؛ إذا كنتِ امرأة تعيشين وحدك فمن حق الجميع مراقبتك والحكم عليك".

برأي سهى، يفرض المجتمع "قانونا خاصا" على الأرملة، أول بنوده أن تتخلى عن المرح والعفوية، تقول: "الأرملة الشابة يجب أن تتجمد، وأن تكون صارمة في التعامل، وإلا وُضِعت في خانة محددة. إذا التزمت بصورة الحزن المتوقعة تحصل على التعاطف، لكنها تبقى في نظر المجتمع مسكينة تحتاج إلى رجل، ويجب أن توافق على أقرب عريس ولو كان غير مناسب".

وتحكي عن اختبار من نوع آخر: "في أحد البيوت التي سكنت بها، تكفلت 3 جارات بعرض عرسان علي، فقط ليتأكدن أنني لا أسعى وراء أزواج غيري. لم يطمئنن إلا بعد أن قلت لهن إنني لا أفكر في الزواج. عندها فقط صدّقن أنني لست امرأة لعوبا".

A woman in a cemetery expressing grief, wearing a polka dot headscarf, outdoors.
التعافي بالنسبة للأرملة هو أن تتعلم كيف تحمل الذكرى دون أن تنكسر تحت ثقلها (بيكسلز)

مع ذلك، تعترف سهى بأن نظرة المجتمع إلى الأرملة تبقى أقل قسوة من نظرته إلى المطلقة: "الأرملة فقدت زوجها بصورة قدرية لا بقرار شخصي، فيتعاطف معها المجتمع ويحترمها أكثر إذا لم تتزوج. بينما الرجل الذي يفقد زوجته يُنصح بالزواج فورا، وأحيانا يسمع ذلك أثناء العزاء، بل إن عائلة الزوجة هي من تتكفل بتزويجه في بعض الحالات".

لهذه الأسباب ترى كثير من الأرامل أن الزواج الثاني مغامرة ثقيلة، تقول سهى: "كثيرات يفضلن تحمّل المشقة على الزواج من شخص يتحكم في حياتهن وحياة أطفالهن".

وتشير دراسة صدرت عام 2022 بعنوان "الوحدة طويلة الأمد للترمّل" إلى أن الأرامل من الرجال كانوا في المتوسط أكثر شعورا بالوحدة مقارنة بالنساء الأرامل، لكنهم أكثر ميلا إلى إعادة الزواج بعد وفاة الشريكة.

ما بعد الجنازة.. كيف يبدو الحزن من الداخل؟

في عيادتها تستقبل الدكتورة رشا عبد الباري زكي، استشارية الأمراض العصبية والنفسية، حالات عديدة لنساء لم يتمكنّ من استئناف حياتهن بعد رحيل أزواجهن. تقول للجزيرة نت في تصريحات خاصة: "الأرملة لا تفقد زوجا فقط، بل تفقد جزءا كاملا من الحياة التي كانت تعرفها. الناس يرون يوم الجنازة، لكنهم لا يرون الليالي الطويلة التي تليه، ذلك الكرسي الفارغ على مائدة الطعام، والقرارات التي أصبحت تتخذها وحدها بعد أن كانت تُتخذ بالمشاركة".

تضيف: "يظن البعض أن الزمن كفيل بالشفاء، لكن التعافي ليس طريقا مستقيما. هناك أيام تبدو فيها قوية ومتماسكة، ثم تعيد ذكرى عابرة أو مناسبة عائلية كل مشاعر الفقد دفعة واحدة. الحزن لا يختفي، بل يتغير شكله مع الوقت. ولعل أصعب ما تواجهه أنها تُطالَب بالقوة قبل أن تُمنَح فرصة الضعف. الجميع ينتظر منها أن تتحمل مسؤوليات البيت والأبناء والحياة، وقليلا ما يسأل أحد: من يحمل عنها بعض هذا الحمل؟".

وتشرح رشا نوعا خاصا من الوحدة: "هي ليست غياب الناس، بل غياب الشخص الذي كان يعرف تفاصيل يومها من دون شرح، ويفهم صمتها قبل كلماتها. لذلك فالتعافي بالنسبة للأرملة ليس نسيانا، فالحب الحقيقي لا يُنسى، بل هو أن تتعلم كيف تحمل الذكرى من دون أن تنكسر تحت ثقلها، وكيف تسمح للحياة أن تستمر من دون أن تشعر أنها تخون من رحل".

وتختم: "ربما أكثر ما تحتاجه الأرملة ليس كما هائلا من النصائح، بل قلبا رحيما يدرك أن بعض الجروح لا تحتاج إلى حلول جاهزة، بل إلى من يرافقها بصبر حتى تلتئم".

المصدر: الجزيرة