
رام الله-نساء FM- أكد أستاذ الإعلام والسينما في جامعة فلسطين التقنية – خضوري، د. نياز ضيف الله، أن العالم يعيش ثورة رقمية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي بات جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في مختلف المجالات، من التعليم والإعلام والصحة إلى الاقتصاد والصناعات الإبداعية، موضحًا أن هذه التكنولوجيا أحدثت تحولات عميقة في إنتاج المعرفة وتداول المعلومات وصناعة المحتوى، وفتحت آفاقًا واسعة للابتكار وتسريع الإنجاز وتحسين كفاءة الخدمات.
وجاء حديث ضيف الله خلال مشاركته في حلقة إذاعية ضمن مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"، الذي تنفذه إذاعة "نساء إف إم" بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، حيث ناقش أبرز التحديات التقنية والأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتأثيراته على الإعلام وصناعة المحتوى ومستقبل المهن الإبداعية.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية جديدة بالكامل، بل هو امتداد لتطورات سابقة في مجال الحوسبة والمعلوماتية، مشيرًا إلى أن الجديد يتمثل في دخوله الواسع والسريع إلى الإعلام والمعلوماتية والاتصال، في حين أن جذوره التقنية مرتبطة بتطور علوم الحاسوب منذ عقود، مع حضوره أيضًا في مجالات الصناعة والإنتاج.
وبيّن أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في معظم القطاعات مثل الزراعة والطب والصناعة والإعلام والتعليم والبحث العلمي، وأن استخدامه يختلف بحسب أهداف المطورين والجهات المنتجة للتطبيقات، سواء في تطوير أدوات أو حلول أو أنظمة تشغيل تعتمد على البيانات.
وأشار ضيف الله إلى أن العالم اليوم يعيش مرحلة "بداية الذروة" في دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية، حيث أصبح جزءًا من استخدامات الناس اليومية، خصوصًا لدى المتخصصين والمهنيين الذين استطاعوا توظيفه لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة وتقليل الوقت والتكاليف وزيادة الكفاءة، في حين أن الجمهور العام ما زال بحاجة إلى وعي أكبر بكيفية استخدام هذه الأدوات بشكل صحيح لتجنب الأخطاء وسوء الاستخدام أو الاستغلال.
وفي حديثه عن التحديات التقنية، أوضح أن الذكاء الاصطناعي ما يزال في حالة تطور متسارع، حيث تظهر أدوات جديدة بشكل يومي، ما يجعل من الصعب ضبط هذا التطور أو مواكبته بشكل كامل، معتبرًا أن العالم يعيش "داخل العاصفة" ولم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار التكنولوجي.
وأضاف أن الشركات المطورة لهذه التقنيات تحمل في خلفيتها رؤى وأيديولوجيات ومصالح مختلفة، سواء كانت تجارية أو سياسية أو فكرية أو دينية، وهو ما ينعكس على شكل الأنظمة الذكية وطريقة عملها والنتائج التي تقدمها، حيث لا يمكن فصل التكنولوجيا عن الفكر الذي يقف خلفها.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا بالكامل، بل يتأثر بالبيانات التي يتم تدريبه عليها، ما يؤدي إلى وجود تحيزات خوارزمية قد تنعكس في النتائج، سواء من خلال إظهار معلومات وإخفاء أخرى أو توجيه المستخدم نحو إجابات معينة، الأمر الذي يؤثر على الفهم العام واتخاذ القرار.
وأشار إلى أن هذا التحيز يظهر بشكل أوضح في القضايا السياسية والحقوقية، وخاصة ما يتعلق بالنزاعات الدولية والقضية الفلسطينية، بينما قد يكون أقل وضوحًا في المجالات العلمية أو التقنية البحتة، مؤكدًا أن البيانات ليست مكتملة دائمًا وأن ما يدخل إلى هذه الأنظمة هو ما يحدد مخرجاتها.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كامل على المدخلات البشرية، وبالتالي فإن أي نقص أو تحيز في البيانات سينعكس مباشرة على النتائج، مشيرًا إلى أن بعض الأنظمة قد تقدم أحيانًا إجابات غير دقيقة أو “تخترع” معلومات نتيجة ضغط الاستخدام أو نقص البيانات أو تكرار الأسئلة عالميًا.
وفيما يتعلق بالإعلام، أكد ضيف الله أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في صناعة الأخبار وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى وإدارة المنصات الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات جدية حول مستقبل المهنة الإعلامية وحدود تدخل الآلة في صياغة الرسالة الإعلامية وتأثير ذلك على القيم المهنية والأخلاقية.
وشدد على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة مساعدة للإعلامي وليس بديلًا عنه، موضحًا أن الصحفي الواعي يمكنه رفع إنتاجيته وتحسين جودة عمله وتقليل التكاليف والوقت والجهد باستخدام هذه الأدوات، لكن دون التخلي عن دوره المهني والرقابي.
وأشار إلى أن بعض الوظائف قد تتأثر فعليًا بتطور الذكاء الاصطناعي وقد يتم تقليصها، لكن في المقابل ستظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات رقمية وتقنية متقدمة، كما أن العديد من المهن لن تختفي بالكامل بل ستتغير طبيعتها وآليات العمل فيها.
وأوضح أن أكثر القطاعات تأثرًا تشمل الإعلام، البرمجة، التصميم، والإنتاج البصري، لكنه أكد أن هذا لا يعني إلغاء هذه المهن، بل إعادة تشكيلها وفق متطلبات العصر، كما حدث سابقًا مع دخول الإنترنت إلى الحياة اليومية.
وحذر من انتشار الأخبار المضللة والتزييف العميق، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج محتوى مرئي ومكتوب يصعب تمييزه عن الحقيقي، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على المجتمع والإعلام في التحقق من المعلومات.
وأشار إلى أن مواجهة التضليل تتطلب الاعتماد على المؤسسات الإعلامية المهنية ذات السياسات التحريرية الواضحة، والعودة إلى مصادر موثوقة، وعدم نشر أي معلومة دون تدقيقها ومراجعتها، إضافة إلى تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور.
وفيما يتعلق بالمؤسسات الإعلامية، أوضح أن المؤسسات المعروفة وذات الهوية الواضحة والتي تضم فرقًا تحريرية ومهنية تبقى أكثر موثوقية في استخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بالمواقع المجهولة أو غير المنظمة التي قد تستخدمه في إنتاج محتوى غير دقيق أو مضلل.
وفي محور الخصوصية وحماية البيانات، أكد ضيف الله أن المخاطر المرتبطة بالبيانات الشخصية أصبحت أكبر في ظل الذكاء الاصطناعي، خاصة مع منح المستخدمين صلاحيات واسعة للتطبيقات دون وعي كافٍ، ما قد يؤدي إلى استغلال البيانات أو اختراق الأجهزة دون معرفة المستخدم.
وأشار إلى أن المستخدمين قد يقعون في أخطاء مثل الضغط على روابط مشبوهة أو تحميل تطبيقات غير موثوقة، ما يؤدي إلى سرقة البيانات أو استغلالها أو حتى بيعها، لافتًا إلى أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة أساسية لحماية الخصوصية.
وأوضح أن حماية البيانات أصبحت مهددة بشكل كبير، خاصة لدى الفئات الأقل وعيًا بالتقنيات الرقمية، مؤكدًا أن حتى المستخدم الواعي ليس في مأمن كامل بسبب وجود إعدادات خفية وثغرات تقنية يمكن استغلالها.
وفي ما يتعلق بالتشريعات، أوضح أن هناك أطرًا دولية عامة وضعتها منظمات مثل اليونسكو لتنظيم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لكنها تحتاج إلى تطبيق محلي من خلال تشريعات وطنية تراعي خصوصية كل دولة وثقافتها واحتياجاتها.
وأكد أن مسؤولية التنظيم تقع على عاتق الحكومات والبرلمانات، وليس على الشركات فقط، رغم أن القطاع الخاص يعد شريكًا مهمًا في تطوير التكنولوجيا وتقديم الحلول.
وفي محور التعليم، شدد على أهمية دور الجامعات في إعداد الطلبة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير التخصصات الأكاديمية وإدخال مساقات جديدة، رغم التحديات المالية والبنية التحتية التي تواجه الجامعات الفلسطينية.
وأشار إلى أن جامعة فلسطين التقنية – خضوري بدأت بالفعل بتطوير تخصصات ومساقات في الذكاء الاصطناعي، ودمج هذه التقنيات في تخصصات مثل الإعلام الرقمي والمونتاج والهندسة الصوتية، إلى جانب جهود بعض الأكاديميين في تحديث المحتوى التعليمي بشكل فردي.
وشدد ضيف الله بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة بيد الإنسان لا بديلاً عنه، وأن الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه التكنولوجيا، مع التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، هو الضمان الأساسي للاستفادة من إمكاناتها وتجنب مخاطرها.
