الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية »  

صوت| دراسة دولية: واحد من كل ثلاثة أشخاص تعرضوا للتحرش الجنسي داخل غرف الأخبار وسط ضعف الإبلاغ وفجوة الحماية
25 أيار 2026

 

 

رام الله –نساء FM-آية عبد الرحمن- أصدرت مؤسسة وان-ايفرا دراسة جديدة تكشف واقع التحرش الجنسي داخل غرف الأخبار على مستوى العالم، حيث أظهرت النتائج أن التحرش ما زال ظاهرة مستمرة في أماكن العمل الإعلامية رغم كل النقاشات والسياسات التي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية. ووفقاً للدراسة، فإن واحداً من كل ثلاثة أشخاص شملهم الاستطلاع أفاد بتعرضه لشكل من أشكال التحرش الجنسي داخل المؤسسات الإعلامية، في واحدة من أكبر قواعد البيانات التي تم جمعها حول هذه القضية حتى الآن.

واعتمدت الدراسة على أكثر من 1800 موظف وموظفة في وسائل الإعلام، من مختلف التخصصات داخل غرف الأخبار، بما في ذلك الصحافة، والإدارة، والموارد البشرية، والإنتاج، والتسويق، والإدارة العليا، ما أتاح صورة شاملة عن كيفية حدوث التحرش داخل المؤسسات الإعلامية، وكيف أنه لا يقتصر على فئة معينة أو مستوى وظيفي محدد، بل يمتد ليشمل مختلف مواقع العمل داخل المؤسسة الإعلامية.

وخلال الحديث عن نتائج هذه الدراسة، قالت فرح وائل، مديرة الدعم والتشبيك في برنامج "النساء في الأخبار" التابع لمؤسسة وان-إيفرا، في لقاء مع  "نساء إف إم"، إن أبرز رسالة خرجت بها الدراسة الأخيرة هي أن التحرش الجنسي لا يزال مستمراً داخل المؤسسات الإعلامية رغم مرور سنوات على إطلاق برامج تدريب وسياسات داخل هذه المؤسسات.

وأوضحت أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إجراء دراسة حول هذا الموضوع، إذ تم إجراء دراسة سابقة عام 2020، ثم تقرر إعادة الدراسة بعد خمس سنوات من التدريب والعمل على السياسات داخل المؤسسات الإعلامية، بهدف معرفة ما الذي تغير وما الذي لم يتغير. لكن النتيجة الأساسية، كما قالت، هي أن التحرش لا يزال موجوداً وبنسبة واضحة داخل غرف الأخبار، رغم كل الجهود المبذولة خلال السنوات الماضية.

وأضافت أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بمؤسسة واحدة أو دولة واحدة أو حالة فردية، بل هي مشكلة أوسع وأعمق داخل بيئة العمل الإعلامي بشكل عام، وهي مرتبطة بثقافة المؤسسات وبطريقة عملها وبعلاقات القوة داخلها، وبكيفية إدارة هذه العلاقات.

وأشارت إلى أنه رغم أن النقاش حول موضوع التحرش أصبح أكبر، ورغم أن الوعي حول هذه القضية أصبح أعلى من السابق، إلا أن هذا الوعي لم يتحول بشكل كافٍ إلى تغيير حقيقي وملموس داخل غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية، وهو ما يزال يمثل فجوة كبيرة بين المعرفة والتطبيق.

وعند الحديث عن سبب استمرار ارتفاع نسبة التحرش رغم وجود سياسات داخل بعض المؤسسات الإعلامية، أوضحت فرح وائل أن وجود سياسة مكتوبة وحده لا يكفي، لأن المشكلة ليست في غياب السياسات فقط، بل في تطبيق هذه السياسات. وقالت إن كثيراً من المؤسسات لديها سياسات موجودة لكنها تبقى مجرد نصوص على الورق دون تنفيذ فعلي أو إجراءات واضحة.

وأضافت أن التحدي الحقيقي يكمن في وجود آليات قانونية وإجرائية واضحة لتطبيق هذه السياسات، إضافة إلى وجود محاسبة فعلية عند حدوث أي تجاوزات. وأكدت أن التحرش مرتبط بثقافة المؤسسة بشكل عام، وبعلاقات القوة داخلها، وبمدى شعور الموظفين بالأمان عند التبليغ.

وأشارت إلى أن جزءاً كبيراً من العاملين والعاملات في الإعلام لا يشعرون بالأمان الكافي للتبليغ عن حالات التحرش، سواء بسبب الخوف من تأثير ذلك على مستقبلهم المهني، أو الخوف من الانتقام، أو الاعتقاد بأن التبليغ لن يؤدي إلى أي نتيجة.

وأوضحت أيضاً أن هناك حالات لا يعرف فيها العاملون أصلاً كيفية التبليغ داخل المؤسسة، أو لا يكون هناك وضوح في الإجراءات، إضافة إلى وجود خوف من الوصم الاجتماعي، حيث قد يتم تحميل الضحية المسؤولية أو التشكيك بها بدلاً من دعمها.

وفيما يتعلق بنسبة 69% من الضحايا الذين لا يقومون بالإبلاغ، قالت إن هذا الرقم من أكثر النتائج صدمة في الدراسة، لأنه يعكس حجم الصمت داخل المؤسسات الإعلامية. وأضافت أن هذا الصمت في الغالب ليس خياراً حراً، بل نتيجة خوف من فقدان الوظيفة أو التأثير على المستقبل المهني، أو نتيجة قناعة بأن الإبلاغ لن يغير شيئاً.

وأكدت أن عدم الإبلاغ يرتبط أيضاً بانعدام الثقة بالأنظمة الداخلية، حيث يشعر الكثيرون بأن المؤسسة لن تحميهم أو لن تتعامل بجدية مع الشكوى، ما يخلق حالة من الصمت العام داخل بيئة العمل، ويجعل الآخرين أيضاً يترددون في الإبلاغ.

وشددت على أن هذا المناخ من الخوف يؤثر ليس فقط على الضحايا، بل على بيئة العمل بالكامل، لأنه يخلق ثقافة صمت داخل المؤسسات، ويمنع معالجة المشكلة بشكل جذري.

وقالت إن أي استجابة حقيقية لظاهرة التحرش الجنسي داخل غرف الأخبار يجب أن تكون شاملة، ولا تعتمد على جانب واحد فقط، بل يجب أن تشمل سياسات واضحة ومعلنة يفهمها الجميع داخل المؤسسة، من أعلى مستوى إداري إلى أصغر موظف.

وأضافت أنه يجب وجود آليات آمنة وسرية للإبلاغ عن حالات التحرش، بحيث يشعر الشخص الذي يبلغ أنه محمي وأن شكواه ستؤخذ بجدية وستتم معالجتها بشكل فعلي، وليس فقط تسجيلها دون متابعة.

كما أكدت على أهمية التدريب المستمر داخل المؤسسات، سواء للإدارة أو الموظفين، حول كيفية التعامل مع حالات التحرش، وكيفية التبليغ، وكيفية بناء بيئة عمل آمنة، مشيرة إلى أن بعض حالات التحرش قد تحدث بين زملاء في نفس المستوى، وليس فقط من أصحاب المناصب الأعلى.

وأضافت أيضاً أن من أهم العناصر الضرورية في أي منظومة استجابة هو توفير دعم نفسي للضحايا بعد التبليغ، لأن الكثير من الأشخاص قد يواجهون ضغطاً نفسياً كبيراً بعد تقديم الشكوى، وقد يشعرون بالرغبة في مغادرة المجال الإعلامي بالكامل، لذلك فإن الدعم النفسي يساعدهم على الاستمرار وعدم الانسحاب.

وأكدت أن حماية العاملين والعاملات في الإعلام لا تتعلق فقط بالضحية، بل تتعلق أيضاً بحماية بيئة العمل بالكامل، لأن استمرار هذه الظواهر دون معالجة يؤثر على جودة الإنتاج الإعلامي وعلى حرية الصحافة ومصداقيتها.

وفي حديثها أيضاً، شددت فرح وائل على أن خلق بيئة عمل آمنة داخل المؤسسات الإعلامية ليس رفاهية أو خياراً ثانوياً، بل هو جزء أساسي من المسؤولية المهنية والإدارية للقيادات الإعلامية.

وقالت إن المؤسسات الإعلامية التي تسعى لأن تكون قوية ومستقلة وذات جودة عالية، يجب أن تضمن بيئة عمل آمنة تحمي العاملين فيها، وتسمح لهم بالعمل دون خوف، حتى يتمكنوا من تقديم أفضل ما لديهم.

كما أشارت إلى أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على السياسات الداخلية للمؤسسات، بل تحتاج أيضاً إلى إطار قانوني وتشريعي داعم، بحيث يعمل القانون والمؤسسة معاً في حماية العاملين ومحاسبة المتجاوزين.

وقالت إن التكامل بين العمل المؤسسي والتشريعي ضروري، لأن المؤسسة وحدها لا تكفي، والقانون وحده أيضاً لا يكفي، بل يجب أن يعمل الطرفان معاً لضمان حماية حقيقية وفعالة.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن استمرار التحرش وضعف الإبلاغ والخوف من الانتقام داخل غرف الأخبار يفرض ضرورة ملحة لتعزيز ثقافة الأمان المهني، وتطوير سياسات حماية واضحة وفعالة، تقوم على الاحترام والمساءلة، لأن بيئة العمل الآمنة لا تحمي الأفراد فقط، بل تنعكس أيضاً على مصداقية الصحافة واستدامة القطاع الإعلامي ككل.

الاستماع الى اللقاء