
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن-في ظل تزايد الوعي المجتمعي بقضايا حماية الأطفال، تبقى قضايا التحرش من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، خاصة أن كثيراً من الأطفال لا يصرحون بما يتعرضون له بشكل مباشر، بل تظهر عليهم إشارات وسلوكيات غير واضحة قد لا ينتبه لها الأهل في البداية، ما يجعل الاكتشاف المبكر عاملاً أساسياً في الوقاية والتدخل السريع وحماية الطفل من آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.
وأوضحت الأخصائية النفسية والتربوية دعاء صلاحات خلال حديثها مع "نساء إف غم" أن ما يُعرف بـ"العلامات الصامتة" يشير إلى مجموعة من السلوكيات التي تظهر على الطفل دون أن يعبّر صراحة عن تعرضه لأي أذى أو تحرش، مشيرة إلى أن الطفل غالباً لا يمتلك القدرة أو الجرأة على الإفصاح بسبب الخوف أو التهديد أو عدم إدراكه لما يتعرض له، إضافة إلى تخوفه من ردة فعل الأهل أو المجتمع.
وأضافت أن الطفل في هذه الحالات يكون في وضع نفسي هش، وقد يتعرض للتهديد من المعتدي، أو يخشى اللوم داخل الأسرة، ما يدفعه إلى الصمت وكتمان ما يحدث معه، مؤكدة أن توفير بيئة آمنة للحوار داخل الأسرة يعد عاملاً حاسماً في كشف أي مشكلة مبكراً.
وبيّنت أن أبرز العلامات الصامتة تشمل اضطرابات النوم، مثل الأرق أو الاستيقاظ المفاجئ، وفقدان الشهية، ونوبات بكاء متكررة دون سبب واضح، إلى جانب القلق والتوتر والخوف المفاجئ. كما تشمل تغيّرات في السلوك الاجتماعي مثل الانطواء، وضعف الثقة بالنفس، والخوف من الاختلاط، أو التعلق الزائد بشخص معين.
وأشارت صلاحات إلى أن تغير أسلوب لعب الطفل أو تعبيره عبر الرسم قد يكون مؤشراً مهماً، حيث يستخدم الطفل اللعب كوسيلة غير مباشرة للتعبير عن مشاعره، ما يستدعي من الأهل الانتباه لهذا الجانب وعدم اعتباره مجرد ترفيه.
كما حذّرت من "التحرش الإلكتروني" بوصفه أحد أخطر أشكال التحرش الحديثة، خاصة مع استخدام الأطفال للألعاب والمنصات الرقمية التي قد تتضمن محادثات غير مناسبة أو تتيح التواصل مع غرباء، ما قد يعرّضهم للاستدراج أو الاستغلال دون علم الأهل.
وأكدت أن خطورة هذا النوع تكمن في صعوبة اكتشافه مقارنة بالتحرش المباشر، ما يستدعي رقابة أبوية واعية على استخدام الأطفال للأجهزة الذكية، ومتابعة المحتوى والتواصل، وعدم تركهم لفترات طويلة في عزلة داخل غرفهم.
ولفتت إلى أن بعض حالات الاستغلال قد تحدث داخل بيئات تبدو آمنة، بما فيها المحيط الأسري أو القريب، مشيرة إلى أن دوافع المتحرش ترتبط غالباً بالرغبة في السيطرة وإثبات القوة على ضحية ضعيفة وهشة.
وشددت على ضرورة التعامل السريع والهادئ مع أي اشتباه بتعرض الطفل للأذى، من خلال توفير الحماية الفورية، وإبعاده عن مصدر الخطر، والاستماع إليه دون لوم أو غضب، بما يضمن الحصول على معلومات دقيقة تساعد على التدخل المناسب.
كما دعت إلى اللجوء إلى مختصين نفسيين وطبيين عند الحاجة، ومتابعة الحالة من مختلف الجوانب النفسية والصحية والقانونية، مؤكدة أن آثار هذه التجارب قد تمتد لفترات طويلة إذا لم يتم التعامل معها بشكل مهني.
وفي جانب الوقاية، شددت على أهمية التوعية المبكرة للأطفال داخل الأسرة والمدرسة، وتعليمهم مفهوم الحدود الشخصية، وتمكينهم من التمييز بين السلوك المقبول وغير المقبول، إضافة إلى تدريبهم على طلب المساعدة والإبلاغ عند التعرض لأي موقف غير مريح، مع التأكيد على حقهم في الحماية وعدم الصمت.
وختمت بالتأكيد على أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، وأن بناء بيئة قائمة على الحوار والثقة والوعي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التحرش، سواء المباشر أو الإلكتروني، ويحدّ من فرص وقوع الأطفال ضحايا لهذه الانتهاكات.
الاستماع الى اللقاء
