
غزة-نساء FM- على مرّ الأزمنة، مثلت الأمهات رمزًا للتضحية والحماية. في أوقات الحرب، قد تأخذ هذه التضحية أشكالًا مختلفة، وقد تضطر الأمهات إلى اتخاذ قرارات قاسية لم تكن لتُتخذ في الظروف العادية، بدافع البقاء وحماية أطفالهن. بالنسبة لجميلة- وهي أمّ معيلة ل ثلاث اطفال في غزة، كان البحث عن الأمان يعني الاحتماء بين القبور.
اختارت جميلة، ذات الـ 37 عامًا، الفرار مع أطفالها من وضع يُهدد حياتهم، وذلك في ظل محدودية خيارات السكن الآمن في غزة نتيجة الدمار الواسع وتمدّد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي يحاصر قرابة مليوني شخص في مساحة ساحلية تتقلص باستمرار. مع تساقط الأمطار الغزيرة على غزة، تحولت الأرض الرملية إلى طين، ما جعل المشي والنوم على أرض مبللة أمرًا بالغ الصعوبة. اعتقدت جميلة أن الممرات الحجرية في المقبرة قد توفر أرضًا أكثر جفافًا نسبيًا، ولذلك اختارت البقاء هناك. ففي نهاية المطاف، لم تجد جميلة سوى المقبرة كملاذ آمن لها ولأطفالها
"في الليلة الأولى، كانو الاْولاد خايفيين" تستذكر جميلة. "أما في الليلة التالية، فلم يكن يشغل بالهم سوى الألم في ظهورهم وخوفهم من نوم ليلة اخرى على الحجار. كما كانوا يخشون الكلاب الضالة اْو المسعورة كما يسميها سكان غزة - أيضًا."
تعيل جميلة أطفالها الذين تتراوح أعمارهم بين المراهقة والطفولة المبكرة. وعندما اضطرت إلى الفرار، لم تحمل سوى ما يستطيعه قلبها، فأمسكت بأيدي أولادها متشبثة بهم. حاولت البحث عن مساعدة، لكن معظم الأسر في غزة نازحة وتعاني نقصًا حادًا في الموارد، ويكافح الجميع لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
تقول جميلة أن الحرب لا تخلّف الدمار والخسارة فقط، بل تغيّر الناس وتدفعهم إلى العيش في حالة من الصراع من أجل البقاء. وتضيف: "نبذل كل ما بوسعنا لنصمد يومًيا. الجميع هنا في غزة يكافح."
أمضت جميلة وأطفالها عدة ليالٍ في المقبرة. برأيها، كان أطفالها أكثر أمانًا بين القبور مما قد يكونون عليه في أي مكان آخر.
لاحقًا، أُحيلت حالة جميلة إلى جمعية تطوير بيت لاهيا، التي ساعدتها على الانتقال إلى موقع نزوح تديره بالشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة وبدعم من الاتحاد الأوروبي؛ مما وفر لها ولأطفالها مكانًا آمنًا للسكن. حيث حصلت جميلة على خيمة وبطانيات ومستلزمات منزلية أساسية، زودتها الجمعية لجميلة من خلال برنامج الإمداد العام التابع للمنظمة الدولية للهجرة.
للمرة الأولى منذ عدة أيام، نام أطفالها على فراش، تناولوا الطعام، شعروا بدفء أكبر، وكانوا في مأمن من الكلاب الضالة ومن الظروف الجوية القاسية.
تقول جميلة: "اكتر اشي بحبه بالمخيم انه اولادي بلعبو مع اولاد تانيين." أثّر الانتقال من المقبرة إلى موقع النزوح إيجابًا على أولاد جميلة، حيث ساعدهم التفاعل مع الأطفال الآخرين والعيش في بيئة آمنة على تحسين نفسيتهم، لا سيما ابنها المصاب بالتوحد، وتضيف جميلة: "كتير تحسن وضعه."
تقول جميلة: "أشعر براحة اكبر في المخيم، فأطفالي أصبحوا أكثر هدوءًا، وأصبحنا نحصل على كوبونات (قسائم) طعام، وهذا كافِ بالنسبة لي."
حلم جميلة بسيط مثلها: أن تخبز لأطفالها. لكن حتى هذا الحلم الصغير صعب التحقيق في غزة، حيث يحتاج الْخَبْزُ إلى مكان آمن للعيش، وفرن، واستقرار مادي يمكنها من شراء المكونات — وهي أمور ما تزال غير مؤكدة بالنسبة لها، كما هو حال آلاف العائلات في غزة.
تقول رفا، وهي منسقة ميدانية في جمعية تطوير بيت لاهيا، أن مستوى الحماية في غزة لا يزال هشًا. لذلك، فإنها تعمل على تنظيم جلسات مجتمعية وجلسات نقاش مركزة مع النساء لفهم مخاوفهن بصورة أفضل وربطهن بمصادر الدعم المتوفر، بما في ذلك الإحالة إلى المنظمات التي تقدم خدمات في مجالات الصحة والدعم النفسي وتعليم الأطفال ودعم حالات الحماية.
تقول رفا: "تسعى النساء هنا إلى الأمان والكرامة، وإلى القدرة على حماية أطفالهن، أكثر من سعيهن للمطالبة بالمساواة أو البحث عن فرص عمل، في ظل هشاشة منظومة الحماية التي خلّفتها سنتان من الحرب."
وأضافت أن الوصول إلى الحماية القانونية والخدمات المتاحة أصبح محدودًا للغاية خلال العامين الماضيين، مما يترك العديد من النساء في حالة مستمرة من القلق والخوف من المستقبل.
إلى جانب حلقات النقاش المركزة ومسارات الإحالة، يواصل الشركاء في مواقع النزوح، مثل جمعية تطوير بيت لاهيا، إدارة هذه المواقع يوميًا لتحسين ظروف المعيشة للمجتمعات النازحة. وتشمل جهودهم تحسين البنية التحتية، مثل تركيب وحدات إنارة تعمل بالطاقة الشمسية لتعزيز السلامة الليلية، وإنشاء أنظمة لتصريف المياه للحد من مخاطر الفيضانات والظروف الجوية السيئة، بالإضافة إلى تسوية الطرق داخل المواقع لضمان قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على الوصول إلى جميع أجزاء الموقع بسهولة أكبر.
تضم مواقع النزوح في كثير من الأحيان أشخاصًا نزحوا من مناطق مختلفة في غزة؛ ما يتطلب العمل على دمج هذه المجتمعات معًا. ولذلك ينظم شركاء إدارة المواقع أنشطة لتعزيز التماسك الاجتماعي وفعاليات للأطفال، بما في ذلك توفير مساحات آمنة للعب.
تُعد جمعية تطوير بيت لاهيا شريكًا في برنامج الإمداد العام التابع للمنظمة الدولية للهجرة في غزة، والذي يوفّر مواد إغاثة أساسية للمنظمات العاملة في غزة، كما تقدم الجمعية خدمات إدارة مواقع النزوح في 10 مواقع نزوح بالشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة وبدعم من مكتب المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية. أُعدّ هذا المستند بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي، ولا تعكس الآراء الواردة فيه، بأي حال من الأحوال، الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي.
*تم تغيير الاسم للحفاظ على الخصوصية
المصدر : اخبار الأمم المتحدة




