مصر-نساء FM- الخطاب الديني الشعبوي الذي يدق على أوتار الحرمان الجنسي، والفوقية الذكورية، ودونية الأنثى آخذ في الانفجار في وجوه الجميع. عقود طويلة، هي عمر "الصحوة" التي ضربت مصر في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحصد نتاج استخدامها أداة سياسية ذات أوجه اقتصادية تارة، و"أفيون" إلهاء ومسكن لآلام الصداع الذي يسببه الشعب بكثرة طلباته وتصاعد سقف طموحاته تارة أخرى، هذه الآونة.
متفائلون وأكاديميون
يظن المتفائلون أن سطوة التيارات الدينية انتهت بإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين عام 2013. ويعتقد مراقبون أن المرأة المصرية نالت حقوقها كاملة شاملة كلما أطلت الوزيرات والنائبات والعميدات والسفيرات والمديرات بمظهرهن الأنيق وطلاقة ألسنتهن وسمو مكاناتهن. ويعتمد أكاديميون على الأرقام والمعلومات التي يتم إطلاقها من المؤسسات البحثية والمراكز الاستطلاعية لتسليط الضوء على النسب المئوية التي تتبوأها المرأة في سوق العمل، ومقاعد الدراسة، وبطاقات التموين، باعتبارها أدلة وبراهين على أن المرأة تعيش أزهى عصور الحقوق والحريات.
في تلك الأثناء، تتعرض المرأة أو الفتاة أو الطفلة، في حال لم تلتزم بمعايير وقواعد التفسيرات الدينية التي يطلقها "مشايخ"، بعضهم غير تابع للمؤسسات الدينية الرسمية ولكن يحظى بقاعدة متابعين شعبية جارفة، في شؤون المظهر والملبس وألوانه، وأماكن ومواعيد التواجد، وطريقة الكلام والمشي، وأسلوب الشهيق والزفير، وتخصص الدراسة، ونوع العمل، ووسيلة الترفيه، وطريقة الجلوس وغيرها، لرفض مجتمعي وعداء كامن في الشارع. ولأن الرفض والعداء يصعب وصفهما، أو رصدهما، أو تحديدهما، أو إبلاغ الشرطة عنهما، وتشعر بهما كل أنثى لا سيما اللاتي لا يتلزمن بالكود الشعبوي السائد، فإن حوادث وأحداث متفرقة تسلط الضوء عليهما بين الحين والآخر.
أحد الرجال القلائل الذين تحدثوا عن التحرش الذي تشعر به ملايين النساء والفتيات يومياً هو الباحث في الشريعة الإسلامية ياسر محمود سلمي، الذي كتب أن التحرش ليس باللمس فقط، ولكن إمعان النظر في جسد امرأة تحرش، والتلفظ بلفظ جنسي تحرش، والتلميحات القذرة تحرش، والملاحقة في الشارع تحرش.
فتاة الأتوبيس
آخر الأحداث المنفجرة في وجوه الجميع فيديو صورته شابة تعرضت للتحرش في أتوبيس نقل عام، ونشرته على منصات التواصل الاجتماعي، وتبعته بمقاطع أخرى تشرح ما جرى من تتبع الشاب لها، وتحرشه بها في الباص على مرمى ومسمع من بقية الركاب، وتأكيدها على أن التحرش جريمة.
كل لقطة وتفصيلة من تفاصيل الفيديو كاشفة. الركاب، وأغلبهم من الرجال لم تهتز لهم شعرة، أو يبادر أحدهم بالدفاع عن الفتاة، إلا في مشهد واحد حين حاول الشاب التعدي على الفتاة جسدياً وإجبارها على التوقف عن التصوير، إذ جذبه عدد من الشباب من حوله محاولين تهدئته لا تأنيبه، وزاد طين اللامبالاة بلة ردود الفعل الكلامية التي تفوه بها بعض الركاب. بين رجل يمسك بسبحة طويلة – علامة من علامات التدين والورع - يؤنبها بقوله "يا بت أقعدي ساكتة يابت" ("بت" لفظ عامي يقال للفتاة إما في القرى أو بغرض التحقير)، وتارة أخرى يسخر منها حين أقسمت بدينها أن يعاقب الشاب على فعلته، فترددت أقاويل من قبيل "أي دين؟ وما هذه الملابس التي ترتديها؟" وغيرها كثير.
خلطة معالم وملامح وجوه الرجال والشباب الذين ظهروا في خلفية المشهد تقول أكثر من المشهد نفسه. ابتسامة باهتة تغطي كل الوجوه، وهي الابتسامة نفسها التي تواجه بها أي أنثى تشكو تحرشاً في الشارع أو تعترض على سوء معاملة أو تحقير. إنها الابتسامة التي تطورت إلى ضحكات حين استمرت الفتاة في التصوير والصياح والتعبير عن الغضب لأن أحداً لم يتدخل لحمايتها أو الدفاع عنها.
إجبار على التحرش
ومن الابتسام والضحك، إلى الربط المزمن في الثقافة الدينية الشعبية السائدة بين مظهر الأنثى، وملابسها وألوانها من جهة، وبين التحرش من جهة أخرى، وهو ما سلطت الحادثة الضوء عليه بشكل كبير.
الرجل "التقي" الممسك بالسبحة العملاقة هاج وماج ما إن كررت الفتاة كلمة "ديني". لماذا؟ لأنه أظهر حكماً قاطعاً بأن الدين بريء منها بسبب الملابس التي ترتديها، وهو ما كرره الشاب المتهم بالتحرش في فيديو لاحق. الطريف أن الشاب الذي أنكر تحرشه بالفتاة أكد غير مرة في فيديو آخر أن الملابس لا علاقة لها بالتحرش، ولكن حين ترتدي فتاة ملابس كتلك التي ارتدتها الفتاة، فهذا يعني بكل تأكيد أنها لا تعرف شيئاً عن الدين، وذلك قبل أن ينهي كلامه بـ"حسبي الله ونعم الوكيل". والطريف أنه بدأ كلامه بـ"إخوتي في الله"، وحرص على وضع سجادة صلاة في الخلفية للتأكيد على عنصر الإيمان والورع.
الناجون من الصحوة
أغضب كلام الشاب – الذي ألقت الشرطة القبض عليه بعد ساعات من الواقعة وانتشار الفيديو- بعض المصريين، وهم من يسمون أنفسهم على سبيل الدعابة "الناجين من الصحوة"، أي الذين لم ينجرفوا وراء نسخة التدين الشعبوي التي ظهرت في السبعينيات ويعاد إحياؤها هذه الأيام بأدوات مختلفة، لا سيما على منصات "السوشيال ميديا".
المعبرون عن غضبهم يتابعون مكون "المرأة" في الخطاب الديني الرائج، الذي يدور في حلقة مفرغة قوامها الدور الجنسي للمرأة، وملابسها، والقيود التي يجب أن تفرض عليها، تارة تحت مسمى التكريم، وأخرى من منطلق الحماية، وثالثة من باب الصون والرعاية.
قدر مذهل من الخطاب الديني بات مخصصاً للحديث عن النساء. والقدر الأكبر غارق في رجعية وتزمت وتشدد غير مسبوق، ورغبة جامحة في إعادة المرأة المصرية – عبر بوابة الدين - إلى مربع ما قبل الصفر.
السم في العسل
مشايخ ودعاة، لا سيما من الشباب، يتمتعون بقواعد شعبية عريضة وأتباع من كل الأعمار يعتبرونهم أمراء الفكر وقادة الشريعة، ومنهم من يسمي نفسه "خبير تنمية بشرية" أو "كوتش" إسلامي، ويقومون بدس سموم الرجعية في عسل الدين. واللافت أن قاعدة الأتباع والمريدين توسعت لدرجة أن قادة رأي في المجتمع ينتمون إليها، صحافيون وأساتذة جامعات وفنانون باتوا يجدون في هذا الخطاب ملاذاً لهم، ومصدراً للعلم والدين، ومنهم من يجول بيوت الأثرياء حيث يتجمع الأصدقاء والصديقات في جلسة دينية لطيفة يتحدث فيها "الداعية الوسيم" أو "الأنيق" أو "المتفتح" عن الدين بطريقة جذابة تناسب هذه الفئات.
أما القاعدة العريضة فتتبع "أمراء الفكر" أولئك عبر صفحاتهم على الـ"سوشيال ميديا"، وفيها "ما لذ وطاب" من منابع الرجعية والتشدد والتزمت، ولكن مغلفة إما بحس دعابة وسخرية جذاب، أو مصفحة بعبارات الترهيب والتخويف والدق على تأنيب الضمير لجذب المريدين.
هذه الصفحات والجلسات واللقاءات يسيطر على كثير منها حديث المرأة. ماذا ترتدي؟ ماذا تدرس؟ ماذا تعمل؟ كيف تتكلم؟ كيف تجلس؟ هل تخرج من البيت؟ هل ترفض وجود زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة؟ هل تعترض على تعرضها للعنف والإساءة والضرب من الزوج؟ هل تصوم؟ هل تفطر؟ هل تسافر؟ هل تعبر عن رأيها؟ هل تتزوج؟ هل تطلب الطلاق؟ وتأتي الإجابات منتقاة بعناية من أكثر التفسيرات تشدداً، وأكثر القراءات تعسفاً، ولكن برداء جذاب، ورسالة واضحة وصريحة: المرأة تشكل قلب الخطاب الديني بنسخته الرائجة حالياً.
جهاد "كلوها بنظراتكم"
إنها النسخة التي تعتبر حجاب الطفلة ونقابها عملاً عظيماً لدرء المعاصي وحماية المجتمع، وهي التي تحلم باليوم الذي ترتدي فيه كل نساء مصر النقاب، وتعتبر "الكتاب" الطريق إلى حل كل المشكلات الأخلاقية في المجتمع. وهي التي تعلن عن جهاد "كلوها بنظراتكم" أي امعنوا النظر إلى أجساد النساء اللاتي لا يرتدين الملابس القياسية التي يتم الترويج لها، وذلك كأداة تأديب لهن وإجبارهن على ارتداء الحجاب والنقاب. وهي التي جعلت من مشايخ ودعاة لا يبخلون بجهد أو وقت في "شيطنة" المرأة غير المطابقة لمواصفاتهم، من أجل وضع دعائم الأمة كما ينبغي أن تكون.
في عام 2017، قال المحامي المصري نبيه الوحش في لقاء تلفزيوني، إن التحرش بأية فتاة ترتدي بنطلون جينز ممزقاً واجب وطني، واغتصابها واجب قومي، مؤكداً أن حماية الأخلاق أكثر أهمية من حماية الحدود.
وعلى رغم مقاضاته بتهمة التحريض، فإن قاعدة المشاهدين والمتلقين لا تتوقف كثيراً عند مسائل التحريض أو العنف، وبينها من يعتبر ما يصدر عن الشخصيات العامة أو المؤثرة تعليمات وأوامر، حبذا لو كانت مغلفة في إطار ديني.
الخروج بملابس النوم
يشار إلى أن أحد أشهر الدعاة، الذي يتمتع بقاعدة محبين ومتابعين مليونية وهو عبدالله رشدي، أثار جدلاً قبل نحو ست سنوات حين قال إنه ليس من الطبيعي أن تخرج فتاة بملابس لا تصلح إلا للنوم ثم تشكو من التحرش". وعلى رغم الجدل الذي ثار حينها، فإنه جدل الأقلية "الناجية من الخطاب الديني الشعبوي". أما الغالبية فهي تعتنق هذا المبدأ وأكثر.
الكاتب والباحث في التاريخ والفلسفة سامح عسكر، كتب على صفحته إن الشاب الذي تحرش بفتاة في أتوبيس عام بادرها بالقول "انت تعرفي إيه عن الدين؟ شوفي اللي أنت لابساه". وتساءل عسكر إن كان الدين يجيز له التحرش بالعارية، مع الإشارة إلى أن الفتاة كانت ترتدي ملابس عادية جداً، "إلا أن المتحرش تسلح بمبرر رفعه بعض شيوخ السلفية الذين نشروا هذه الآفة بين المصريين في السنوات الأخيرة، وعلى رأسهم من برر التحرش بحجة ملابس الضحية وأصبح من المشاهير والأثرياء، ومنهم من اشتهر بفتاوى اغتصاب الصغيرات (زواج الطفلة) وجواز التحرش طالما أن الملابس غير تلك المنصوص عليها في عرفهم، ناهيك عن اغتصاب الزوجة كي لا تلعنها الملائكة، مما أدى إلى انتهاك حقوق النساء في عديد من الملفات".
وطالب عسكر بـ"تجفيف مستنقعات العنف باسم الدين، ومحاسبة المحرضين على المرأة، وعلى رأسهم الشيوخ الذين احترفوا مثل هذا الإرهاب بدعوى الدين، والذين حولوا الإسلام من رسالة رشد وأخلاق إلى مبرر لانتهاك كل المحرمات. حاسبوا المسؤول عن هذا الانقلاب الثقافي الكبير".
فتاة المترو
قبل نحو شهرين، انفجرت واقعة كاشفة شبيهة في وجوه المصريين، وعرفت بـ"فتاة المترو". انتفضت رجولة رجل صعيدي في مترو الأنفاق، وارتعدت أوصاله، وتفجرت ينابيع غيرته على الأخلاق والشرف والفضيلة لأن فتاة كانت تجلس أمامه وتضع ساقاً على ساق. هاج الرجل وماج، وأخذ يدق بعصاه على الأرض غاضباً، وغضبت الفتاة مطالبة إياه بعدم التدخل في شؤونها. مرة أخرى، لم يتدخل الرجال والشباب، اكتفت الغالبية بتهدئة الرجل لا بتأنيبه أو توبيخه أو مطالبته بالتوقف فوراً عن الاعتداء على حرية الفتاة. والأدهى من ذلك أن منصات الـ"سوشيال ميديا" تحولت إلى حفلة تأنيب وتوبيخ للفتاة، تارة لأن "البنت المؤدبة" لا تجلس واضعة ساقاً على الأخرى في مكان عام فيه رجال، وأخرى لأن "الفتاة المسلمة لا تركب عربة مواصلات عامة مختلطة"، وثالثة متهمة إياها بـ"التطاول".
حوادث وأحداث متفرقة باتت تسلط الضوء على وضع المرأة الذي يتعرض لهزات عنيفة بفعل خطاب – يسمونه دينياً - تُرِك يرتع في عقول وقلوب الملايين.
عقول وقلوب الملايين في قبضة خطاب بالغ الرجعية، والمرأة في القلب منه. وعقول وقلوب وأعينهم معلقة على طاقات أمل ضئيلة لكن موجودة. أصوات الرجال والنساء الغاضبة مما جرى لـ"فتاة الأتوبيس"، لا التحرش فقط، ولكن سكوت الرجال وابتسامهم ودفاعهم عن المتحرش والذود عنه باتهام الفتاة بأنها لا تعرف شيئاً عن الدين بسبب ملابسها (لأنها لا ترتدي الحجاب) أمر إيجابي. ومجاهرة كتاب ومثقفين بأن المجتمع في خطر جراء شيزوفرانيا التدين الشديد والتسامح مع التحرش وجهاد "كلوها بنظراتكم" أمر إيجابي أيضاً.
يشار إلى أن التحليل، وفي قول آخر التعليل، الكلاسيكي للتحرش ظل لعقود حبيس العوامل الاقتصادية الصعبة، والضغوط التي تمنع الشباب من الزواج، والحرمان الجنسي، والملابس الفاضحة للنساء والفتيات، وضعف الوازع الديني.
قال الشاب المتهم بالتحرش وهو يوجه حديثه إلى "إخوته في الله" على خلفية سجادة الصلاة، إنه "متزوج، والحمد لله متدين".
وفي سياق آخر، انتشرت صورة قبل أيام على منصات الـ"سوشيال ميديا" متلقطة من داخل أتوبيس نقل عام، وتظهر فيه فتاة واقفة في الزحام، وحولها شباب ورجال جميعهم ينظر إلى تفاصيل جسدها، والتعليق المصاحب للصورة: إذا نظرت إلى الصورة ولم تشعر أن هناك شيئاً ما بالغ السوء والخطر، فعليك أن تراجع نفسك". ظن السذج والأبرياء أن الشيء السيئ في الصورة هو التحرش بالنظر لجسد الفتاة، ولكن اتضح أن صاحب الصورة يقصد السماح للإناث بركوب وسائل المواصلات مع الذكور، لا سيما وهن غير محتشمات. الطريف أن الفتاة في الصورة ترتدي طرحة (غطاء للرأس).
المصدر :


