
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن: يحلّ شهر رمضان هذا العام مثقلاً على مئات آلاف العمال الفلسطينيين في ظل بطالة ممتدة وأزمة اقتصادية خانقة تضرب مختلف القطاعات، وتُلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية. دخلٌ مفقود، فرص عمل شبه معدومة، وأعباء معيشية تتضاعف مع اقتراب الشهر الفضيل، تجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية تحديًا يوميًا لكثير من الأسر التي كانت تعتمد في معيشتها على عملٍ انقطع أو أجرٍ تآكلت قيمته.
وبين غلاء أسعار المواد الغذائية وغياب الاستقرار الوظيفي، يبدو رمضان بالنسبة لكثيرين موسم قلق إضافي، بدل أن يكون شهر الخير والطمأنينة.
رئيسة لجنة الأجور في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، عائشة حموضة، أكدت خلال حديثها لـ“نساء إف إم” أن المتأثر المباشر من هذا الواقع هم أسر العمال، باعتبارها العمود الفقري للصمود الفلسطيني. ووصفت المرحلة بأنها انتقال “من سيئ إلى أسوأ”، في ظل سياسات احتلال ممنهجة أثّرت بشكل مباشر على سوق العمل، لا سيما في ما يتعلق بتقييد التشغيل داخل الخط الأخضر، وما تبعه من فقدان عشرات آلاف فرص العمل.
وأشارت إلى أن التقديرات تتحدث عن خسارة ما بين 500 إلى 550 ألف فرصة عمل، في وقت كانت فيه نسب البطالة أصلًا من بين الأعلى عالميًا، ما فاقم الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة.
وأضافت أن تدهور سوق العمل لا يقتصر على فقدان الوظائف، بل يشمل أيضًا عدم انتظام دفع الأجور وتخفيضها بفعل فائض العرض في سوق يعاني من انكماش حاد.
وفي موازاة ذلك، ترتفع تكاليف المعيشة بشكل متسارع، دون وجود سياسات رادعة أو توازن حقيقي يحمي الفئات الأكثر هشاشة. وأوضحت أن الأسر باتت تخشى من موجات غلاء جديدة مع دخول رمضان، تطال السلع الأساسية كاللحوم والدواجن والخضروات والزيوت، في وقت اختفت فيه هذه الأصناف تدريجيًا من موائد كثير من العائلات.
وتابعت حموضة أن الأزمة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاقتصادي العام، في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية التي تقيد الوصول إلى الأراضي الزراعية وتحد من الحركة والإنتاج، في اقتصاد يفتقر أصلًا إلى الموارد الطبيعية والسيادة على المعابر والموانئ.
وأشارت إلى أن غياب استراتيجية تنموية مستدامة، والاعتماد على مشاريع مؤقتة أو إغاثية غير دائمة، يعمّق هشاشة الوضع بدل معالجته من جذوره.
وسلّطت الضوء على معاناة يومية يعيشها العمال، مستشهدة بقصص مؤلمة، من بينها عامل كان يتقاضى أجرًا جيدًا في الداخل، وأصبح اليوم يجمع الخردة والبلاستيك لتأمين قوت يومه، أو أبٍ عاجز عن شراء دفتر لابنه. وأكدت أن بعض الأسر باتت “تفرض الصيام” خارج إطار الشهر الفضيل، لعدم قدرتها على تأمين ثلاث وجبات يوميًا، ما يعكس حجم الانحدار نحو ما دون خط الفقر، ويستدعي تدخلًا عاجلًا للحفاظ على السلم الأهلي ومنع تفاقم الأوضاع الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بشبكات الحماية الاجتماعية، أشارت حموضة إلى أن المنظومة القائمة غير كافية ولا توفر مظلة أمان حقيقية، في ظل تعاقب الأزمات من جائحة كورونا إلى الاجتياحات والأحداث الأمنية، دون بناء نظام حماية مستدام. وأكدت أن المطلوب سياسة عامة متكاملة تربط بين البعد السياسي والوطني والاجتماعي، وتوزّع الأدوار بين الوزارات والمؤسسات لضمان الحد الأدنى من الاستقرار للأسر المتضررة.
وعن دور الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، أوضحت أن الجهود تتحرك على مسارات عدة، منها التواصل على المستوى الدولي للمطالبة بحقوق العمال الذين فقدوا أعمالهم في الداخل، والسعي لضمان مستحقاتهم، إضافة إلى تحركات محلية للضغط باتجاه عدم رفع الأسعار، ومتابعة قضايا العمال المتعثرين ماليًا، خاصة في ما يتعلق بالشيكات المرتجعة التي زجّت بكثيرين في أزمات قانونية. كما يجري العمل على تجميد بعض الالتزامات المرتبطة بالتأمين الصحي لعمال الداخل الذين لم يتمكنوا من السداد خلال العام الماضي، نظرًا لأولوية الحق في العلاج، في وقت ترتفع فيه كلفة إعادة الاشتراك بالتأمين.
وأكدت حموضة أن الاتحاد، رغم دوره النقابي والضاغط، ليس الجهة التنفيذية المسؤولة عن توفير الحماية، بل يطالب بسياسات إغاثية وتنموية متكاملة تضمن ثبات الناس في أماكنهم، خصوصًا في القرى والمناطق المتضررة من القيود الإسرائيلية. وشددت على أن العامل وأسرته هم الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا بالقرارات السياسية والاقتصادية، وأن أي معالجة لا بد أن تنطلق من احتياجاتهم المباشرة.
في رمضان، حيث يُفترض أن تتعالى قيم التكافل والتراحم، يكشف واقع العمال الفلسطينيين عن معاناة تتجاوز القدرة على الاحتمال. بين بطالة ممتدة، وأجور متآكلة، واحتياجات لا تنتظر، يصبح تأمين لقمة العيش أولوية يومية تثقل كاهل الأسر. ويبقى الأمل معقودًا على تحرك جاد يترجم الشعارات إلى أفعال، ويؤسس لشبكات أمان حقيقية، حتى لا يتحول الشهر الفضيل إلى موسم إضافي للقلق، بل إلى فرصة لإحياء روح التضامن بما يضمن كرامة من يحملون عبء العمل حين يتوفر، وعبء البطالة حين يُحرمون منه.
