نساء FM | "قبل أن تكبر تُزف": زواج القاصرات في اليمن يسرق الطفولة باسم "السترة" والفقر"

26 كانون الثاني 2026
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن - قبل أن تكبر تُزف. عبارة تحولت إلى هاشتاغ، لكنها في اليمن واقع يومي يختصر طفولة آلاف الفتيات ويعيد إنتاج العنف باسم العُرف و«السترة». فبينما يُفترض أن يكون الزواج خيارًا واعيًا وخطوة نحو الاستقرار والشراكة،
يتحول في حالات الزواج المبكر إلى قرار قسري يُتخذ نيابة عن طفلة لم تكتمل قدرتها الجسدية أو النفسية أو العقلية على الاختيار، لتُلقى فجأة في أدوار ومسؤوليات تفوق طاقتها وتسرق منها حقها الأساسي في الطفولة والتعليم والحلم.
تقرير «نساء إف إم» حول هاشتاغ زواج القاصرات يسلّط الضوء على هذه الظاهرة بوصفها ممارسة ما تزال راسخة في اليمن، بل وتتفاقم في ظل الحرب والفقر وانهيار منظومات الحماية الاجتماعية والقانونية. فالأوضاع السياسية غير المستقرة، واتساع رقعة الفقر، والنزوح، وتراجع التعليم، كلها عوامل تغذي هذه الممارسة وتُلبسها غطاءً اجتماعيًا يُبررها باعتبارها «حلًا» لأزمات اقتصادية أو أمنية، بينما هي في الحقيقة أزمة مُركّبة تُدفع الفتيات وحدهن ثمنها.
وفي حديثها لـ«نساء إف إم»، أوضحت ساما عويضة، مديرة مركز الدراسات النسوية في القدس، أن تزويج القاصرات ليس ظاهرة محصورة في اليمن فقط، بل موجودة في أكثر من بلد عربي، إلا أن خطورتها في اليمن تتضاعف بسبب غياب القوانين الرادعة، ووجود أطراف رسمية وغير رسمية تدافع عن هذه الممارسة وتعتبرها «حقًا» للأهالي. عويضة شددت على أن زواج الطفلات مرفوض منطقيًا وحقوقيًا، لأنه يعرّض الفتاة لسلسلة من المخاطر الصحية الجسيمة، أبرزها الحمل والولادة في سن مبكرة، في وقت يكون فيه الجهاز التناسلي غير مكتمل النمو، ما يرفع احتمالات الوفاة أثناء الولادة أو الإصابة بمضاعفات دائمة قد تصل إلى العقم، وهي مخاطر موثقة طبيًا ولا خلاف عليها في الأوساط الصحية.
ولا تقف الأضرار عند حدود الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية. فالطفلة التي تُزف مبكرًا تُجبر غالبًا على ترك المدرسة، ما يعني تسربًا تعليميًا مباشرًا، وقطعًا لأي فرصة مستقبلية للمشاركة في سوق العمل أو تحقيق استقلال اقتصادي. ومع الوقت، تجد نفسها داخل أسرة تعتمد على معيل واحد، في سياق اقتصادي لا يكفي فيه دخل فرد واحد لتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يكرّس دوائر الفقر وسوء التغذية والحرمان، ليس فقط للطفلة، بل لأطفالها لاحقًا.
وترى عويضة أن الأعراف والتقاليد الاجتماعية تلعب دورًا حاسمًا في فرض هذا النوع من الزواج، لكنها لا تنفصل عن الفقر والنزاع، بل تتشابك معها في معادلة ضغط معقدة، تدفع الأسر لاتخاذ قرارات قاسية بحق بناتها. ورغم ذلك، تؤكد أن زواج القاصرات يُعد شكلًا واضحًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، لأنه يقوم على سلب الفتاة حقها في الاختيار، ويفرض عليها أدوارًا قسرية تُلحق بها أذىً طويل الأمد.
وعلى مستوى المجتمع المدني، تشير عويضة إلى أن المنظمات النسوية وحقوق الإنسان تحاول كسر الصمت حول هذه القضية وتحويلها من «عرف اجتماعي» إلى قضية حقوق إنسان. ففي فلسطين، عمل مركز الدراسات النسوية لسنوات على مناهضة تزويج الصغيرات، من خلال حملات توعوية استهدفت الطلبة والمرشدين الاجتماعيين وأولياء الأمور، ونجحت في بناء وعي ملموس لدى الفتيات والفتيان حول مخاطر الزواج المبكر. إلا أن هذه الجهود واجهت هجمات من جهات دينية متطرفة، أدت إلى وقف بعض البرامج التوعوية، رغم الإقرار الرسمي بأهميتها ونتائجها الإيجابية.
وتحذر عويضة من أن استمرار مصادرة الطفولة باسم «السترة» ينذر بمستقبل قاتم لجيل كامل من الفتيات في اليمن، على المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية. فطفلة تُجبر على الانتقال المفاجئ من عالم اللعب والدراسة إلى عالم الزواج والأمومة، دون نضج كافٍ، تكون أكثر عرضة للمشكلات الزوجية، والعنف، والانهيار النفسي، ما ينعكس سلبًا عليها وعلى الأسرة والمجتمع ككل.
ليس كل فستان أبيض يعني اختيارًا حرًا، ولا كل زفاف بداية حلم. بعض الفتيات يُزففن قبل أن يعرفن معنى القرار، وقبل أن تُغلق دفاتر المدرسة الأخيرة. وفي زواج القاصرات، لا تُسلب الطفولة فقط، بل تُختصر الحياة في أدوار مفروضة وصمت طويل. إن حماية الفتيات في اليمن ليست ترفًا قانونيًا ولا شأنًا اجتماعيًا مؤجلًا، بل حق إنساني عاجل. فكل طفلة تُنقذ من زواج مبكر، تُمنح فرصة لتكبر، لتتعلم، ولتحيا حياة تستحقها، لا حياة فُرضت عليها قبل الأوان.
