
الحديث عن العشرات المهددات بالحبس أو بتبعاته القانونية بسبب التعثّر المالي يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يعالج الحبس أزمة الدين أم يفاقمها، خصوصًا حين تكون المرأة هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟ هذا السؤال كان محور النقاش في حديث أمين سر نقابة المحامين، أمجد الشلة، خلال لقائه مع "نساء إف إم"، حيث أوضح أن قضايا التعثّر المالي باتت من أكثر الملفات إلحاحًا وحضورًا في الشارع الفلسطيني وفي أروقة المحاكم، لكنها تحتاج إلى تفكيك قانوني وإنساني أعمق.
الشلة أشار إلى أن تحوّل الدين إلى قضية حبس يمر عبر مسار قانوني واضح تحكمه نصوص قانون التنفيذ الفلسطيني، وهو الإطار الناظم لكل المطالبات المالية، سواء كانت أوراقًا تجارية أو أحكامًا صادرة عن المحاكم. لكن الإشكالية الكبرى اليوم تكمن في الارتفاع المتسارع بأعداد المحكوم عليهم في قضايا مالية، في ظل أزمة اقتصادية عامة خارجة في كثير من الأحيان عن إرادة المدينين. وبرأيه، فإن أمر الحبس لا يحقق الغاية المرجوة في تحصيل الديون، إلا في حالات استثنائية، بل يتحول إلى عقوبة لا تعالج أصل المشكلة.
ومن منظور قانوني وحقوقي، شدد الشلة على أن العهدين الدوليين أكدا عدم جواز حبس الإنسان بسبب التزامات مالية، إلا أن الواقع يفرض معضلة حقيقية، فكل قضية دين تضم طرفين: مدينًا ودائنًا، ولا يمكن تحقيق العدالة بالانحياز لطرف على حساب الآخر. فالدائن له حق مشروع في تحصيل ماله، لكن السؤال الحقيقي هو عن الأدوات والبدائل التي تضمن هذا الحق دون سحق كرامة المدين أو تدمير أسرته. وهنا، يرى الشلة أن المشكلة لا تكمن فقط في تطبيق القانون، بل في غياب بدائل تشريعية حديثة تحقق عدالة اجتماعية متوازنة، وتحمي الطرفين في آن واحد.
النساء، بحسب الشلة، يشكلن اليوم الفئة الأكثر تضررًا من أوامر الحبس على خلفية التعثّر المالي، لأسباب قانونية واجتماعية متشابكة. صحيح أن تعديلات قانون التنفيذ الأخيرة وفّرت بعض الحماية، مثل منع حبس المرأة الحامل قبل الولادة وبعدها لمدة محددة، وتقديم حماية جزئية للمرأة المعيلة، إلا أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية أمام حجم الأزمة. ففي كثير من الحالات، تدخل النساء دائرة الدين من بوابة الأسرة، حين يُسجَّل القرض باسم الزوجة، أو حين تكون شريكة أو كفيلة لزوجها في قروض سكنية أو شخصية، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع الرواتب وتعثر القطاعين العام والخاص، يصل الزوجان معًا إلى طريق مسدود.
وفي هذا السياق، أوضح الشلة أن المحاكم، في ظل غياب البدائل، تجد نفسها مضطرة لإصدار أوامر حبس، رغم أن القاضي والمحامي لا يتعاملان مع الحبس كغاية، بل كإجراء أخير يفرضه القانون. ومع أن التعديلات الأخيرة منعت حبس الزوجين معًا في الوقت ذاته، إلا أن المشكلة الجوهرية تبقى قائمة، خاصة عندما تتحول الزوجة إلى كفيلة تنفيذية بدافع إنقاذ زوجها من الحبس، لتجد نفسها لاحقًا مهددة بالحبس هي الأخرى، في ظل ضعف الوعي القانوني بخطورة التوقيع ككفيل.
الأثر الحقيقي للحبس، كما يراه الشلة، لا يُقاس فقط بالمبلغ المالي محل النزاع، بل بالتكلفة الإنسانية والاجتماعية الباهظة التي يدفعها المدين، وخصوصًا المرأة. فالحبس يعني فقدان السمعة والمكانة الاجتماعية، وأزمة نفسية عميقة، وانعكاسات قاسية على الأطفال والأسرة، ما يحول العقوبة من إجراء قانوني إلى عقاب جماعي يطال دائرة أوسع بكثير من الشخص المحكوم عليه.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي العام، وتراجع فرص العمل، وتآكل الرواتب، يؤكد الشلة أن الحل لا يمكن أن يكون قانونيًا صرفًا، بل يتطلب تدخلًا تشريعيًا عاجلًا من الدولة، يهدف إلى إيجاد توازن حقيقي بين حماية حق الدائن وصون كرامة المدين، مع ضرورة التمييز الواضح بين المتعثر الحقيقي والمحتال. فليس من العدالة معاملة شخص تعثر بسبب ظرف قاهر كمن راكم ديونًا متعددة نتيجة سلوك احتيالي.
بين نصوص القانون وقسوة الواقع، تقف مئات النساء عالقات بين دين لم يخترنه دائمًا، وعقوبة لا تعالج أصل الأزمة بل تعمق جراحها. فتحويل التعثّر المالي إلى حبس لا يهدد حرية المرأة فحسب، بل يزعزع استقرار أسرة كاملة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول معنى العدالة في زمن الأزمات. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل آن الأوان للانتقال من منطق العقوبة إلى منطق الحماية والإنصاف، وكسر هذه الحلقة قبل أن تتحول الديون إلى حكم جماعي على النساء الأكثر هشاشة؟
