الرئيسية » تقارير نسوية » الرسالة الاخبارية »  

نساء FM | "الفقد الصامت" في غزة: حين يموت الأطفال بردًا خارج عدسات الأخبار
22 كانون الثاني 2026

 

غزة-نساء FM- آية عبد الرحمن- في غزة، لا يُعلن الفقد دائمًا عبر شاشات الهواتف الذكية أو شاشات الأخبار العاجلة. أحيانًا يأتي بلا صوت، بلا صور، وبلا شهود سوى أمٍ ترتجف داخل خيمة، تحاول عبثًا أن تمنح طفلها دفئًا لا تملكه. في ليالٍ قاسية البرودة، يصبح البرد قاتلًا صامتًا، وتتحول الخيمة إلى شاهدٍ على موتٍ لا يُقصف ولا يُدان، بل يُترك ليحدث.

وفي غزة ايضا لا يأتي الفقد دائمًا مع دويّ القصف أو صور الدمار المتصدّرة للأخبار العاجلة. يتسلل بصمتٍ قاتل، مع ليلة شديدة البرودة، وبطانية لا تكفي، وخيمة لا تقي رضيعًا من الارتجاف حتى يتوقف جسده الصغير عن المقاومة. هناك، يموت بعض الأطفال من البرد دون أن تُضاف أسماؤهم إلى عناوين الأخبار، ودون أن يصل صراخ أمهاتهم خارج حدود الخيام..

هذا النوع من الفقد، الذي لا تسبقه ضربة ولا يعقبه خبر عاجل، تصفه استشارية وأخصائية الصحة النفسية والأسرية رانيا أبو أصبع بـ«الفقد الصامت»؛ حين تفقد الأم طفلها لا برصاصة ولا بصاروخ، بل بعجزٍ كامل عن الحماية، في سياق قهري تُسلب فيه من أبسط مقومات الاختيار والنجاة.

وأوضحت أبو أصبع، في حديثها لـ نساء إف إم، أن هذا الفقد يخلّف أثرًا نفسيًا بالغ القسوة، إذ يترافق مع شعور مضاعف بالذنب والقهر. فالموت هنا لا يُستوعب كقضاء وقدر مجرد، بل كنتاج مباشر للفقر والحصار وانعدام الأمان، ما يضع الأم في مواجهة قاسية مع ذاتها وأسئلتها المؤلمة.

الأم، بحسب أبو أصبع، لا تفقد طفلها فقط، بل تفقد معها إحساسها بالأمان والسيطرة والمعنى، وحتى إيمانها بعدالة العالم. هذا التقاطع بين الحزن والعجز والخوف الوجودي، وانكسار الثقة بكل ما يحيط، يجعل الأثر النفسي للفقد الصامت أعمق وأطول أمدًا من الفقد في ظروف طبيعية.

وتفرّق أبو أصبع بين الحزن الطبيعي والحزن المعقّد، موضحة أن الحزن الطبيعي، رغم شدته، يبقى متحركًا؛ تبكي الأم، تشتاق، تتألم، لكنها تحاول ببطء إعادة ترتيب حياتها والبحث عن قدرة ما على الاستمرار.
أما الحزن المعقّد، فهو حزن متجمّد، تبقى فيه الأم عالقة في لحظة الفقد الأولى، ويتوقف الزمن النفسي عند صورة طفلها الراحل، لتتحول الذكرى من ألم إلى هوية كاملة تعيش داخلها، ما يجعل تفكيك هذا الحزن بالغ الصعوبة.

وتشير إلى أن فقدان طفل في سياق القهر وانعدام الأمان يشكّل صدمة مركبة، حيث تتراكم المشاعر المؤلمة دون تفريغ أو احتواء. ومن أبرز المؤشرات التي تستدعي تدخلًا نفسيًا عاجلًا: الانعزال الكامل، فقدان القدرة على أداء الوظائف اليومية الأساسية، نوبات بكاء غير مسيطر عليها، أرق شديد، قلق دائم من فقدان المزيد، خدران عاطفي طويل الأمد، فقدان الشغف والمعنى، وشعور مزمن بالذنب واللوم الذاتي، مثل: «لماذا لم أدفئه؟ لماذا لم أستطع حمايته؟». إهمال هذه الأعراض قد يقود إلى اضطرابات نفسية طويلة الأمد.

وفي ظل الانهيار شبه الكامل للخدمات الصحية والنفسية في غزة، تؤكد أبو أصبع أن الدعم النفسي الأولي يصبح مسؤولية الأسرة والمجتمع. هذا الدعم لا يعني تقديم نصائح جاهزة أو حلول سريعة، بل يبدأ بالإصغاء الحقيقي، وتوفير شخص آمن تشعر الأم بوجوده إلى جانبها، دون ضغط أو تقليل من ألمها.

وتضيف أن المشاعر ستخرج حين تكون الأم جاهزة، أما كبتها فيعني صدمات مؤجلة وتراكمات أشد قسوة. الاحتواء، والشعور النسبي بالأمان، وتلبية الاحتياجات الأساسية، وإبعاد الأم قدر الإمكان عن مصادر الخطر، خطوات بسيطة لكنها حاسمة في مسار التعافي.

وتشدد أبو أصبع على أن الرسالة الموجّهة للجهات الإنسانية والرسمية واضحة: الدعم النفسي ليس ترفًا، بل جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية. لا يكفي توفير الطعام أو الدواء أو الخيمة، بل لا بد من برامج دعم نفسي طويلة الأمد، وفرق تدخل عاجل، ومساحات آمنة للنساء، وتدريب كوادر محلية قادرة على تقديم تدخلات نفسية سريعة وفعالة.

في غزة، لا ينتهي الحزن عند لحظة الفقد، بل يبدأ منها. أمهات فقدن أطفالهن من البرد لا يحتجن إلى الشفقة أو عبارات الصبر الجاهزة، بل إلى اعتراف واضح بأن ما جرى لم يكن قدرًا عابرًا، بل نتيجة حرمان ممنهج من أبسط حقوق الحياة: الدفء والأمان. فالفقد الصامت لا يطلب كلمات كبيرة، بل أفعالًا صادقة تحمي ما تبقى من الطفولة والأمومة في مكان يُترك فيه الناس ليواجهوا الموت بصمته.