
رام الله- نساء FM – آية عبد الرحمن- في خضم أزمة اقتصادية خانقة تتشابك فيها السياسة بالاجتماع، يطفو ملف مشاركة المرأة في الاقتصاد الفلسطيني كأحد أكثر الملفات إلحاحًا، ليس فقط من زاوية العدالة الاجتماعية، بل بوصفه مؤشرًا مباشرًا على قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود والنمو والتعافي. فالركود الاقتصادي، وتراجع فرص العمل، وغياب الاستقرار، لم تنعكس آثارها بالتساوي على الجميع، بل ألقت بعبء مضاعف على النساء، اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة تهميش اقتصادي متزايد داخل سوق عمل هش أصلًا.
هذا الواقع كان محور نقاش معمّق في لقاء خاص عبر نساء FM، مع الدكتورة تمام خضر، رئيسة مجلس طاقم شؤون المرأة، التي شددت على أن محدودية مشاركة النساء في الاقتصاد الفلسطيني ليست نتاج ضعف في الكفاءة أو نقص في الجدارة، بل نتيجة مباشرة لبنية أزمة اقتصادية وسياسية غير عادلة، تكرّس الإقصاء بدلًا من توسيع فرص المشاركة.
ويشهد الاقتصاد الفلسطيني اليوم تراجعًا حادًا في مؤشراته العامة، في ظل بيئة عمل غير مستقرة، وقيود سياسية واقتصادية يفرضها الاحتلال، انعكست بشكل مباشر على فرص النساء في سوق العمل. فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تقدم نسبي في مشاركة المرأة خلال السنوات الماضية، إلا أن الأرقام تكشف واقعًا مختلفًا، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء اقتصاديًا حاجز 19 إلى 20%، وهي نسبة لا تعكس حجم التعليم والكفاءات العالية التي تمتلكها النساء الفلسطينيات.
المفارقة، كما تشير د. خضر، أن الارتفاع الملحوظ في مستويات التعليم بين النساء لم يقابله تحسن في فرص العمل، بل ترافق مع ارتفاع معدلات البطالة بينهن مقارنة بالرجال، في مؤشر واضح على خلل بنيوي عميق في سوق العمل، لا يمكن تفسيره بعوامل فردية، بل بسياسات وإجراءات غير منصفة.
وتعزو د. خضر هذا الخلل إلى منظومة متداخلة من الأسباب، في مقدمتها الاحتلال وما يفرضه من قيود على الحركة والموارد، إلى جانب سياسات وقوانين لا تزال عاجزة عن حماية النساء فعليًا في سوق العمل، رغم ما تحمله من عناوين تقدمية. فالفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي لا تزال واسعة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وتظهر بوضوح في ضعف الأمان الوظيفي، وغياب الحماية الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى التمويل، إضافة إلى محدودية الفرص المتاحة لإنشاء مشاريع إنتاجية قادرة على توفير دخل مستدام.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن العوائق الاجتماعية والثقافية التي ما زالت تحد من قدرة النساء على التنقل والمشاركة الاقتصادية الفاعلة، لا سيما في المناطق المهمشة، ومناطق النزوح، والريف. هذه العوامل مجتمعة لا تؤدي بالضرورة إلى تراجع مشاركة المرأة، لكنها تُبقيها في حالة جمود، وتمنعها من التقدم بالوتيرة المطلوبة، ما يعني استمرار إهدار طاقة بشرية عالية القيمة في اقتصاد يعاني أصلًا من شحّ مقومات النمو.
ورغم قتامة المشهد، تؤكد تجربة مجلس طاقم شؤون المرأة، بحسب د. خضر، أن كسر هذا الواقع ممكن. فقد أظهرت برامج التمكين الاقتصادي التي استهدفت النساء في المناطق المهمشة ومناطق النزوح نماذج نجاح حقيقية، خاصة تلك التي ركزت على التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وربط النساء بقطاعات التكنولوجيا والصناعة. غير أن أثر هذه التجارب لا يزال محدودًا، في ظل ضعف الدعم، والحاجة إلى سياسات أكثر جرأة، وقبول مجتمعي أوسع، وأطر قانونية أكثر فاعلية تضمن استدامة هذه النجاحات.
وفي المقابل، يظل الغياب النسوي واضحًا في قطاعات استراتيجية وحيوية، مثل الصناعة، والتكنولوجيا المتقدمة، وريادة الأعمال الكبرى، والمناصب القيادية العليا، إضافة إلى ضعف تمثيل النساء في القطاع الخاص المنظم، حيث تميل الفرص بشكل تلقائي لصالح الرجال، ما يؤدي إلى تهميش النساء أو إقصائهن بصورة غير مباشرة. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول دور القطاع الخاص، والشركات الكبرى، المحلية والدولية، في تعزيز الشمول الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية.
وتفتح التحولات الرقمية والتكنولوجية، وفق د. خضر، نافذة فرص حقيقية أمام المرأة الفلسطينية، إذا ما جرى استثمارها بوعي. فالعمل عن بُعد، والتسويق الإلكتروني، والتدريب الرقمي، تمكّن النساء من تجاوز كثير من القيود الجغرافية والسياسية، والوصول إلى أسواق جديدة. غير أن هذا المسار يبقى هشًا دون شراكات فعلية بين القطاع الخاص، والمؤسسات الدولية، والجهات الداعمة، لتوفير التدريب النوعي والتمويل وبناء القدرات.
الرسالة الأساسية التي خلص إليها اللقاء، تؤكد أن المرأة الفلسطينية ليست الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية، بل عنصر قوة حقيقي لم يُستثمر بعد. فالمساواة الاقتصادية ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة تنموية واقتصادية، وأي اقتصاد يُقصي نصف طاقته البشرية محكوم بالبقاء في دائرة الأزمة.
وفي المحصلة، فإن استمرار تهميش النساء في الاقتصاد الفلسطيني لا يعني سوى تعميق الخلل القائم، واستنزاف رأس المال البشري، وإضعاف فرص التعافي. المطلوب اليوم انتقال حقيقي من خطاب التمكين إلى قرارات قابلة للتنفيذ، ومن سياسات قائمة على النوايا إلى سياسات تُقاس بالأثر، لأن تمكين المرأة اقتصاديًا لا ينعكس على النساء وحدهن، بل على المجتمع والاقتصاد بأكمله.
