شفافية الأبيض.. حين يتحول فستان الزفاف إلى ذاكرة فلسطينية
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- ماذا لو بقي فستان الزفاف معلقاً في الخزانة، لأن العرس لم يأتِ؟
وماذا لو كانت العروس قد انتظرت طويلاً تلك اللحظة، قبل أن تحول الحرب أو التهجير أو فقدان العريس ليلة الفرح إلى ذكرى لم تكتمل؟
بالنسبة للفنانة الفلسطينية نوال عامر، لا يبدأ فستان الزفاف الأبيض من لحظة ارتدائه، ولا ينتهي بخلعه بعد ساعات من الاحتفال. خلفه حكاية امرأة، وذاكرة عائلة، وأحياناً تاريخ كامل من الفقد والاقتلاع والحرب.
من هذه المسافة بين الفرح المنتظر والحكاية التي لم تكتمل، ولدت فكرة مشروعها الفني "شفافية الأبيض"، الذي تجمع فيه بين تصميم الأزياء وفن الزجاج، لتعيد قراءة تجربة العروس الفلسطينية عبر أجيال مختلفة، من نكبة عام 1948 وصولاً إلى الحاضر.
تقول عامر إن الفستان الأبيض بالنسبة إليها ليس مجرد قطعة ملابس تُرتدى في ليلة واحدة؛ فهو يرتبط بحلم طويل، وتفاصيل تبدأ قبل موعد الزفاف بوقت طويل، وتشارك فيها الأم والجدة وأفراد العائلة. لذلك، حين يتعطل الزواج بفعل الحرب أو التهجير أو الفقد، فإن ما يضيع ليس حفل الزفاف وحده، بل لحظة كاملة كانت المرأة قد رسمت تفاصيلها في مخيلتها.
بدأت الفكرة في نهاية العام الماضي، فيما ظهرت أول قطعة من المشروع مطلع العام الحالي. ومنذ ذلك الوقت، أخذت عامر تبحث عن قصص العرائس الفلسطينيات، لا في الكتب والسجلات فقط، بل في ذاكرتها العائلية أيضاً.
كانت جدتها، وعمات والدتها، وجدتها الكبرى، وخالاتها، من بين النساء اللواتي عادت إليهن لتجمع تفاصيل الحكايات المرتبطة بالفساتين والأعراس والظروف التي أحاطت بها.
إحدى هذه الحكايات تعود إلى عمة والدتها، التي ارتبطت تجربتها بالتهجير القسري خلال نكبة عام 1948. أما جدتها، فلم يُقم لها عرس بسبب ظروف التهجير والحرب التي شهدتها القدس في تلك الفترة. وحتى والدتها، التي تزوجت خلال الانتفاضة، لم تتمكن من إقامة العرس الذي حلمت به أو ارتداء فستان الزفاف الأبيض الذي تمنته.
من كل قصة، أخذت عامر تفصيلاً أو سمة من الفستان، ثم أعادت صياغتها فنياً، مستحضرة مراحل مختلفة من تاريخ النساء الفلسطينيات، منذ ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته وخمسينياته، وما حملته تلك السنوات من تغيرات سياسية واجتماعية انعكست حتى على أكثر تفاصيل الحياة خصوصية.
المشروع لا ينظر إلى الماضي وحده.!
ففي صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر عرائس فلسطينيات وهن يترجلن من سيارات عائلاتهن عند الحواجز العسكرية، ويعبرن بفساتين الزفاف البيضاء للوصول إلى سيارات العرسان في الجهة الأخرى.
مشهد قد يبدو غريباً لمن يراه من بعيد، وربما يتحول على مواقع التواصل إلى مادة للتندر، لكنه بالنسبة لعامر يحكي شيئاً مختلفاً تماماً: كيف يمكن للقيود السياسية والعسكرية أن تمتد حتى إلى يوم يفترض أن يكون من أكثر أيام المرأة خصوصية وفرحاً.
ومن هنا، يصبح الفستان في مشروع "شفافية الأبيض" أكثر من قطعة فنية؛ إنه شاهد على واقع تتقاطع فيه الأحلام الشخصية مع الأحداث الكبرى.
ومع تطور الفكرة، توسع المشروع من قطعة واحدة إلى مجموعة من أربعة فساتين، ضمن تعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو". وفي هذه المرحلة، وجدت عامر في الشرنقة واليرقة صورة رمزية للمرأة الفلسطينية.
فاليرقة، كما تصفها، تبدو حساسة وهشة، وتتكون من خيوط دقيقة، لكنها تمر بمراحل من التكوين والتغير قبل أن تصل، في الظروف الطبيعية، إلى مرحلة الفراشة.
لا تقدم الفراشة في أعمالها !
تتوقف عند الشرنقة واليرقة، عند اللحظة التي لم يكتمل فيها التحول بعد. في تصاميمها، تظهر الفتحات والانغلاقات، والاختباء والظهور، والاحتواء والانكشاف، وكأنها تترك الحكاية في منتصف الطريق، دون أن تعلن أن الرحلة انتهت.
في أحد الفساتين، يغطي القماش شكل يشبه اليرقة، وتتوزع عليه أربع فتحات تحتوي كل واحدة منها على قطعتين من الزجاج. وفي تصميم آخر، يظهر جمبسوت تعلوه طبقة من الشيفون المغطى بالزجاج، تخفي ما تحتها وتكشفه في الوقت نفسه.
أما فستان آخر، فيستعيد هيئة فساتين العرائس التقليدية ذات التنورة الواسعة، مستلهماً بدرجة أكبر فستان إحدى عرائس العائلة، مع حضور واضح للون الأخضر.
وتتنوع الألوان بين الأخضر والليلكي والزهري والبيج، فيما يبقى الأبيض والشفاف من الألوان الأساسية للمشروع، مع لمسات من الزهري تمنح التصاميم حيوية إضافية دون أن تفقد طبيعتها الناعمة.
" الزجاج هنا ليس مجرد زينة"
فالشفافية والإخفاء، والانفتاح والانغلاق، وتداخل المواد والألوان، كلها تتحول إلى لغة بصرية تحاول عامر من خلالها التعبير عن قصص النساء اللواتي تقف وراء كل تصميم.
ولهذا، فهي لا تريد أن يتوقف المتلقي عند جمال الفستان أو غرابة تفاصيله. ما يهمها هو أن يسأل: ما الحكاية الموجودة خلفه؟
تقول عامر إن لكل مشروع تعمل عليه فكرة ومفهوماً، وإنها تحاول من خلال أعمالها تسليط الضوء على موضوعات ترى أنها تستحق نقاشاً أوسع. وبالنسبة إليها، فإن قصص النساء الفلسطينيات ليست تفاصيل هامشية، بل تجارب إنسانية تستحق أن تُروى، خصوصاً أنها ترى نفسها قريبة من هذه الحكايات، وتحاول أن تضع نفسها مكان النساء اللواتي تتناول تجاربهن.
حملت أعمالها الحكاية إلى خارج فلسطين
خلال مشاركتها في افتتاح معرضين فنيين في إيطاليا، ارتدت قطعتين من فساتين المشروع، رغبة منها في أن تتحدث عن القصص التي تقف وراءهما، وأن تصل هذه الحكايات إلى جمهور لا يعرف بالضرورة ما الذي يمكن أن يخفيه فستان أبيض خلف مظهره الهادئ.
غير أن نقل الحكاية إلى الجمهور ليس التحدي الوحيد أمام الفنانة.
فخلف الأعمال المعروضة، هناك معركة أخرى تتعلق بالإنتاج نفسه. تعمل عامر على بناء استوديو خاص بها، وتحاول توفير المكان والأدوات والمواد التي تحتاج إليها، فيما يفرض عليها العمل بالزجاج متطلبات تقنية ومعدات متخصصة.
درست عامر فن الزجاج لمدة أربع سنوات، وتطمح إلى تقديم هذا الفن في فلسطين بأساليب واتجاهات أكثر معاصرة، مختلفة عما هو مألوف، وقريبة من جيلها والقضايا التي يعيشها.
ولهذا، فإن الاستوديو الذي تعمل على بنائه ليس مجرد مكان للعمل، بل مساحة تريد من خلالها أن تحول أفكارها إلى أعمال، وأن تطور تجربتها الفنية وتفتح لنفسها مجالاً للاستمرار.
ورغم الصعوبات، تقول إنها لم تصل إلى التفكير في التوقف عن العمل أو التخلي عن مشاريعها.
فهي تريد أن تجمع في أعمالها بين الجمال والفكرة؛ أن يرى الجمهور قطعة فنية جميلة، ثم يكتشف أن وراء هذا الجمال قصة أخرى، ربما أكثر تعقيداً وألماً مما يبدو للوهلة الأولى.
وتطمح عامر إلى تطوير خط من القطع الزجاجية بأساليب مختلفة عما هو سائد في فن الزجاج الفلسطيني، مع الحفاظ على صلتها بالهوية الفلسطينية، ومنح المادة الفنية مساحة جديدة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والإنسانية.
في النهاية، لا تعيد نوال عامر تصميم فستان الزفاف في "شفافية الأبيض" بقدر ما تعيد النظر في الحكاية التي يمكن أن يحملها.
من فساتين جداتها ونساء عائلتها، إلى صور العرائس اللواتي يعبرن الحواجز بفساتينهن البيضاء، تمتد خيوط المشروع بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية.
وبين بياض الفستان وشفافية الزجاج، تترك عامر الشرنقة بلا فراشة مكتملة؛ وكأنها تقول إن التحول لم ينتهِ بعد، وإن وراء كل فستان أبيض قصة تستحق أن تُروى، لا بوصفها تفصيلاً عابراً من تفاصيل الزواج، بل جزءاً من حكاية المرأة الفلسطينية وذاكرتها.
تم انتاج هذا التقرير ضمن مشروع "الحقائق أولا"، الذي تنفذه اذاعة نساء اف ام وحاضنة نساء الاعلامية بالتعاون مع تنمية وإعلام المرأة/تام بدعم من Canal France International(CFI)
إن الآراء الواردة في هذا التقرير تعبّر عن وجهة نظر المؤلف، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو (Expertise France)او CFI