وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
مستشار التنمية البشرية الدكتور أكرم عثمان : تعزيز الثقة بالنفس يبدأ باحترام الذات والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة

 

رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- في ظل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والمقارنات المستمرة مع الآخرين، تبرز تحديات تتعلق بتقدير الذات والثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة بعيداً عن ضغوط المجتمع والخوف من الرفض. وبين الرغبة في الحصول على القبول الاجتماعي وصعوبة التعبير عن الرأي، يجد بعض الأشخاص أنفسهم أمام تحدي الحفاظ على قناعاتهم وحدودهم الشخصية، ما يجعل تعزيز القوة النفسية وتقدير الذات من العوامل المهمة في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.

وقال المستشار والمدرب الدولي في التنمية البشرية الدكتور أكرم عثمان، في حديث مع "نساء إف إم"إن هناك أسباباً نفسية واجتماعية تدفع كثيراً من الأشخاص إلى الانسياق وراء رغبات الآخرين على حساب قناعاتهم واحتياجاتهم، موضحاً أن الخوف من الرفض والرغبة في الحصول على القبول الاجتماعي من أبرز هذه الأسباب، إذ يخشى البعض أن يؤدي رفض طلبات الآخرين إلى إغضابهم أو خسارة علاقاتهم معهم.

وأضاف أن ضعف الثقة بالنفس يجعل الإنسان أكثر تردداً في التعبير عن رأيه أو قول "لا"، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص ينشؤون في بيئات اجتماعية تعزز الخوف من المواجهة وتدفعهم إلى تجنب الخلافات، الأمر الذي قد يؤثر في هويتهم الشخصية وقدرتهم على الدفاع عن أنفسهم وكرامتهم في المواقف المختلفة.

وأوضح عثمان أن ضغط الجماعة قد يدفع الفرد إلى الموافقة على أفكار أو مواقف لا يقتنع بها، لمجرد أن المحيطين به يتبنونها، لافتاً إلى أن ما يُعرف بتأثير القطيع قد ينعكس على القرارات والسلوكيات اليومية، خاصة عندما يفتقر الشخص إلى الثقة بقدراته وقناعاته.

وفيما يتعلق بالتمييز بين الاستفادة من آراء الآخرين والحفاظ على استقلالية القرار، أكد عثمان أن الاستقلالية لا تعني تجاهل النصائح، بل امتلاك مبادئ وقيم واضحة، والقدرة على تقييم الآراء قبل تبنيها، مع الاستناد إلى المعلومات والبيانات المتاحة عند اتخاذ القرارات.

وأشار إلى أن طبيعة القرار تحدد مدى الحاجة إلى التروي والتفكير، موضحاً أن القرارات البسيطة التي لا تترتب عليها نتائج خطيرة يمكن التراجع عنها بسهولة، في حين تحتاج القرارات المصيرية، مثل الزواج وتوقيع العقود التجارية وعقود البيع، إلى دراسة متأنية، نظراً إلى صعوبة التراجع عنها وما قد يترتب عليها من آثار على حياة الإنسان ومستقبله.

وشدد عثمان على أهمية امتلاك القدرة على الرفض عندما تتعارض مطالب الآخرين مع القيم الشخصية أو المصالح الأساسية للفرد، مؤكداً أن الحفاظ على استقلالية القرار يساعد على تجنب المشكلات التي قد تنتج عن اتخاذ قرارات تحت ضغط الآخرين.

وحول كيفية قول "لا" دون الشعور بالذنب أو الخوف من خسارة العلاقات الاجتماعية، أوضح عثمان أن الإنسان يستطيع استخدام أسلوب يجمع بين التعاطف والاحترام والوضوح، من خلال التعبير عن تقديره للطرف الآخر، ثم الاعتذار عن عدم القدرة على تلبية طلبه، وشرح الأسباب عند الحاجة، مع تقديم بديل مناسب إذا كان ذلك ممكناً.

وضرب مثالاً على ذلك بطلب أحد الأشخاص مبلغاً من المال على سبيل الاستدانة، موضحاً أن بإمكان الشخص الاعتذار بطريقة دبلوماسية ولطيفة، مع توضيح ظروفه الشخصية واقتراح المساعدة في وقت لاحق إذا توفرت الإمكانية. وأكد أن هذا الأسلوب يساعد على الحفاظ على الحدود الشخصية دون الإضرار بالعلاقات الاجتماعية، محذراً من أن الرفض المباشر والقاسي قد يؤدي إلى توتر العلاقة، حتى عندما تكون أسباب الرفض مبررة.

وفيما يتعلق بالخطوات العملية لتعزيز الثقة بالنفس ومواجهة الانتقادات والضغوط الاجتماعية، قال عثمان إن الثقة بالنفس تُبنى من خلال اعتزاز الإنسان بقيمه ومبادئه والمهارات التي يمتلكها، إلى جانب تنمية المعرفة والثقافة والوعي، واكتساب مهارات جديدة تساعده على تطوير قدراته وتعزيز حضوره في المجتمع.

وأضاف أن بناء علاقات اجتماعية صحية وإيجابية يشكل عاملاً مهماً في تعزيز القوة النفسية، مشيراً إلى ضرورة الابتعاد عن العلاقات المدمرة التي تستنزف طاقة الإنسان وتؤثر سلباً في صورته عن نفسه، والتركيز على العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمنفعة الإيجابية للأطراف.

ولفت إلى أن النجاح والإنجاز يسهمان في تعزيز شعور الإنسان بالفخر والسعادة، وينعكسان إيجاباً على ثقته بنفسه وصورته عن قدراته، مؤكداً أهمية مواصلة التعلم واكتساب الخبرات وتطوير المهارات باعتبارها عناصر أساسية في بناء شخصية مستقلة وقادرة على مواجهة التحديات.

وسائل التواصل الاجتماعي والمقارنة بالآخرين

وفي معرض حديثه عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، أكد عثمان أن المحتوى المنشور عبر هذه المنصات لا يعكس بالضرورة الواقع كاملاً، إذ قد يتضمن مبالغات أو صوراً مثالية لا تعبّر عن الحياة الحقيقية للأشخاص، محذراً من أن مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين قد تكون ظالمة، في ظل اختلاف الإمكانات والظروف والفرص المتاحة لكل شخص.

وأوضح أن الانشغال بإنجازات الآخرين من خلال مشاعر الغيرة والحسد قد يؤدي إلى الإحباط واليأس، داعياً إلى تحويل المقارنات إلى فرصة للتعلم والاستفادة من تجارب الناجحين، والعمل على تطوير الذات وتحقيق الأهداف الشخصية، بدلاً من التقليل من إنجازات الآخرين أو مهاجمتهم.

كما حذر من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للسخرية من الآخرين أو التنمر عليهم أو ممارسة العنف اللفظي بحقهم، مشيراً إلى أن بعض هذه الممارسات قد تندرج ضمن الجرائم الإلكترونية التي تستوجب المساءلة القانونية، ومؤكداً أهمية التعامل المسؤول مع المحتوى الرقمي واحترام الآخرين وخصوصياتهم.

خطوات يومية لتعزيز القوة النفسية وتقدير الذات

وفيما يتعلق بالخطوات اليومية لتعزيز القوة النفسية وتقدير الذات، شدد عثمان على ضرورة الاعتراف بالمشاعر الإنسانية، بما فيها الألم والإخفاقات، وعدم تجاهلها أو التقليل من أثرها، بل التعامل معها بصورة إيجابية واستخلاص الدروس منها، بما يساعد على تجاوز التجارب الصعبة وتحويلها إلى فرص للنمو والتطور.

وأضاف أن الاعتزاز بالقيم والمبادئ والمهارات الشخصية، إلى جانب التعامل مع التحديات باعتبارها فرصاً للتعلم، يساعد الإنسان على تطوير قدرته على التكيف ومواجهة الظروف المختلفة، مشيراً إلى أن الاستغراق في الهموم والمشكلات قد يقود إلى الحزن والاكتئاب، في حين أن التعلم من التجارب يمنح الإنسان قدرة أكبر على تجاوز الصعوبات والنظر إلى المستقبل بصورة أكثر إيجابية.

وأكد عثمان أن القوة النفسية لا تعني أن يكون الإنسان محصناً من الألم أو الإخفاق، بل أن يمتلك القدرة على التعامل مع المشاعر الصعبة، والتراجع عن الأخطاء عند اكتشافها، والاستمرار في التعلم والتطور، مع الحفاظ على احترام الذات وعدم السماح لضغوط الآخرين بتحديد خياراته وقراراته.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن تقدير الذات يبدأ بمعرفة الإنسان لنفسه واحترام خياراته والتمسك بقناعاته، دون الحاجة إلى فرض رأيه على الآخرين أو السعي الدائم إلى إرضائهم، مشدداً على أن بناء شخصية قوية ومستقلة يتطلب الوعي بالذات والثقة بالقدرات الشخصية والقدرة على اتخاذ القرارات بمسؤولية والتعامل مع الآخرين باحترام ومرونة.