عضو مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية إلياس الجلدة لـ"نساء إف إم": الحرب تهدد الوجود المسيحي في غزة وسط بقاء نحو 540 مسيحياً
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- في ظل استمرار تداعيات الحرب والنزوح والدمار في قطاع غزة، يواجه المجتمع المسيحي تحديات غير مسبوقة تهدد وجوده التاريخي وحضوره الديني والثقافي والاجتماعي، وسط تقديرات تشير إلى بقاء نحو 540 مسيحياً فقط في القطاع، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل هذا المكوّن الأصيل من النسيج الفلسطيني.
وقال إلياس الجلدة، عضو مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية العربية في قطاع غزة، خلال حديثه لنساء إف إم، إن واقع المجتمع المسيحي لا يختلف عن واقع بقية أبناء الشعب الفلسطيني، في ظل أجواء الحرب والخوف والرعب والدمار، والاستهدافات التي تطال الشوارع والمباني والمنازل، مؤكداً أن المسيحيين يعيشون الظروف الإنسانية الصعبة ذاتها التي يواجهها جميع سكان القطاع.
وأوضح الجلدة أن الاحتلال وممارساته يمثلان السبب الرئيسي وراء هجرة المسيحيين وغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني، في ظل استهداف المدنيين والأطفال والمباني السكنية، وما يرافق ذلك من تدهور في الأوضاع الإنسانية والمعيشية، مشيراً إلى أن المسيحيين كانوا جزءاً من الخسائر البشرية التي تكبدها القطاع خلال الحرب.
وأضاف أن نحو 27 مسيحياً استشهدوا خلال الحرب، فيما توفي أكثر من 30 شخصاً نتيجة نقص الدواء، وأصيب العشرات، إلى جانب تدمير منازلهم، الأمر الذي دفع بعض العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أماناً، حفاظاً على حياتها وحياة أبنائها.
وأشار الجلدة إلى أن جزءاً من المسيحيين الذين غادروا القطاع توجهوا إلى مصر، فيما هاجر آخرون إلى دول مختلفة، مؤكداً أن مغادرة السكان جاءت في ظل الظروف القاسية ومحاولات النجاة من الاستهدافات المتواصلة، باعتبار أن البحث عن مكان آمن حق طبيعي لكل إنسان يسعى إلى حماية نفسه وأسرته.
وبيّن أن الفلسطينيين الذين بقوا في غزة يواجهون مخاطر مستمرة، بعدما نجوا في مرات عديدة من استهدافات طالت الشوارع والمنازل ومناطق وجودهم، لافتاً إلى أن بعض العائلات تتمسك بالبقاء ارتباطاً بأرضها وتراثها وهويتها، فيما ينتظر آخرون أن تسهم الضغوط الدولية في وقف الحرب وإنهاء المعاناة، بما يتيح لهم مواصلة حياتهم على الأرض التي ولدوا ونشأوا فيها.
وأكد الجلدة أن الحفاظ على الوجود المسيحي في غزة لا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية منفصلة عن القضية الفلسطينية، أو مسألة تتعلق بمجرد الحفاظ على عدد محدود من السكان، بل هو جزء من حماية مكونات المجتمع الفلسطيني وحق أبنائه في البقاء على أرضهم.
وشدد على أن المسيحيين الفلسطينيين أبناء أصيلون لهذه الأرض، كما أن المسلمين شركاؤهم في التاريخ والانتماء، وأن الجميع يمتلك الحق في الحياة والبقاء دون تهجير أو استهداف.
ولفت إلى أن ممارسات الاحتلال تدفع السكان إلى الهجرة، الأمر الذي يفرض مسؤولية على المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية والكنائس حول العالم للتحرك من أجل تعزيز صمود الفلسطينيين وتوفير الدعم اللازم لهم، مؤكداً أن تقديم المساعدات المادية وحده لا يكفي في ظل غياب الحماية الفعلية من القتل والاستهداف.
وأضاف أن الكنائس والمؤسسات الإنسانية تحاول دعم العائلات ومساندتها في مواجهة الظروف الصعبة، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في توفير الحماية للمدنيين ووقف العمليات العسكرية التي تهدد حياتهم، مشيراً إلى أن الجهود الدولية لم تنجح حتى الآن في وضع حد لمعاناة السكان، في ظل استمرار الاستهدافات وضعف الإجراءات الرادعة.
ودعا الجلدة الكنائس والمؤسسات الدولية والجهات المؤثرة إلى تكثيف تحركاتها من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين، والعمل على توفير الظروف التي تضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، مؤكداً أن تعزيز الصمود لا يقتصر على تقديم الإغاثة، بل يتطلب أيضاً إنهاء الظروف التي تدفع السكان إلى مغادرة القطاع.
وفيما يتعلق بمستقبل المجتمع المسيحي في غزة، أعرب الجلدة عن مخاوفه من أن يؤدي استمرار الحرب وتكرار موجات النزوح والهجرة إلى مزيد من التراجع في أعداد المسيحيين، لكنه أكد في الوقت ذاته أن الأمل يبقى قائماً في وقف الحرب والحفاظ على ما تبقى من هذا المجتمع التاريخي.
وشدد على أن الوجود المسيحي لا يمكن اختزاله في عدد الأشخاص المتبقين في القطاع، بل يجب النظر إليه من خلال جذوره التاريخية ودوره في الحياة الفلسطينية، وما يقدمه من إسهامات في المجالات التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية. وأوضح أن المسيحيين يشكلون جزءاً من النسيج المجتمعي في غزة، وليسوا مكوّناً منفصلاً عن بقية أبناء الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن المؤسسات المسيحية تؤدي دوراً مهماً في خدمة المجتمع، من خلال المدارس والمؤسسات الصحية والتربوية والنوادي والأنشطة الثقافية، موضحاً أن هناك خمس مدارس وأكثر من خمس مؤسسات صحية وتربوية، إلى جانب أنشطة ومؤسسات أخرى تسهم في تعزيز الحياة الثقافية والإنسانية والاجتماعية في القطاع.
وأكد أن هذه المؤسسات لا تقتصر خدماتها على المسيحيين، بل تمثل جزءاً من البنية المجتمعية الفلسطينية، وتؤدي دوراً في التعليم والرعاية الصحية والعمل الثقافي والإنساني، ما يجعل الحفاظ على الوجود المسيحي مرتبطاً أيضاً بالحفاظ على جانب مهم من تاريخ غزة ومؤسساتها وهويتها.
وأضاف الجلدة أن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في القطاع تقوم على روابط تاريخية واجتماعية ووطنية متينة، وأن المسيحيين يشاركون أبناء شعبهم مختلف أشكال العمل الثقافي والإنساني والاجتماعي والوطني، مؤكداً أن ما يجمع الفلسطينيين هو الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك، وليس الاختلاف الديني.
وختم الجلدة بالتأكيد على أن المسيحيين الفلسطينيين لا يفكرون في وجودهم باعتباره وجود أقلية منفصلة، بل يعدون أنفسهم جزءاً أصيلاً من المجتمع الفلسطيني، يتمسكون بأرضهم التي عاش فيها أجدادهم منذ مئات السنين، ويأملون أن تتوقف الحرب ليتمكنوا من مواصلة حياتهم والحفاظ على تراثهم ومؤسساتهم.
وشدد على أن وقف الحرب وتوفير الحماية للمدنيين وتعزيز صمود السكان تمثل خطوات أساسية للحفاظ على الوجود المسيحي وسائر مكونات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، مؤكداً أن مسؤولية حماية هذا الوجود تقع على عاتق المجتمع الدولي والكنائس والمؤسسات الإنسانية، إلى جانب ضرورة ضمان حق الفلسطينيين جميعاً في الحياة والأمان والبقاء على أرضهم.