مكملات النساء بعد الأربعين.. هل تعيد الشباب بعد انقطاع الطمث؟
تغيير مطلوب في المفاهيم ولكن بثمن
لم تعد مرحلة انقطاع الطمث من المحرمات التي نادرا ما يُتحدث عنها مثلما كان الوضع قبل عقود طويلة، بل أصبحت حديثا متجددا عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وحتى في حملات إعلانية للكثير من المشاهير.
وقد ساهم هذا الانفتاح بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، في ظهور سوق عالمية لمكملات انقطاع الطمث تُقدّر قيمتها بنحو 17 مليار دولار في عام 2024 وحده، مع توقعات بوصولها إلى نحو 23 مليارا بحلول عام 2030.
ولا تقتصر المنافسة على المكملات الغذائية. فبحسب مجلة "وومنز هيلث" (Women’s Health) الأمريكية لصحة المرأة، امتد التوسع إلى مستحضرات الشعر والبشرة والملابس المخصصة للهبات الساخنة وبرامج اللياقة والخلوات الصحية الباهظة.
ومن بين مئات المنتجات الجديدة التي حملت كلمة انقطاع الطمث بين عامي 2020 و2023، صُنّف 86% ضمن مستحضرات التجميل والعناية الشخصية.
وترى الطبيبة ستيفاني فوبيون، المديرة الطبية للجمعية الأمريكية لانقطاع الطمث، أن الشركات أدركت امتلاك النساء في منتصف العمر قدرة شرائية كبيرة، بالتزامن مع وجود احتياجات لم تحظ باهتمام كاف.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالاهتمام المتأخر بصحة النساء أتاح الاعتراف بمعاناة جرى تجاهلها طويلا، لكنه "فتح الباب أيضا أمام صناعة تبيع حلولا سريعة لمشكلات أكثر تعقيدا"، بحسب وصفها.

تركيبة هذه المكملات لا تختلف جذريا عن محتويات الفيتامينات التقليدية (غيتي إيميجز)
ماذا يوجد في هذه العبوات
على سبيل المثال، أخضعت مجلة "ويتش" (Which) البريطانية المتخصصة في حماية المستهلك 26 مكملا مخصصا لانقطاع الطمث والنساء اللاتي تجاوزن 45 عاما، لمراجعة شملت أكثر من 80 مكونا نشطا؛ وكانت المفاجأة أنه لم يستوف أي منتج معاييرها ليُوصى به بوصفه خيارا متخصصا لهذه المرحلة.
والأكثر إثارة للانتباه أن كثيرا من التركيبات لم تختلف جذريا عن الفيتامينات التقليدية، باستثناء إضافة مستخلصات نباتية فيها قد توجد بكميات ضئيلة أيضا.
حتى الحلوى المطاطية، التي تبدو بديلا جذابا للأقراص، قد تخفي تكلفة إضافية. فقد وجدت المجلة أن الجرعة اليومية لأحد المنتجات المعروفة في سوق مكملات الفيتامينات لنساء منتصف العمر تتطلب تناول ست قطع في الجرعة الواحدة.
وهذا يعني أن المرأة قد تدفع أكثر من 20 ضعف السعر لقاء منتج يحمل وصفا مرتبطا بمرحلتها العمرية، دون ضمان حصولها على فائدة إضافية تتناسب مع فارق التكلفة.
ومع ذلك، فإن الفيتامينات التقليدية ليست بديلا مناسبا لجميع النساء، كما أن المنتج الأرخص ليس أكثر فعالية بالضرورة؛ لكن تلك المقارنات تطرح سؤالا أساسيا عن القيمة الحقيقية لما يُباع تحت مزاعم "صحة المرأة بعد الأربعين".
مكونات مفيدة وأخرى ذات سمعة تسويقية
ليست جميع المكونات بلا قيمة، لكن المشكلة تبدأ حين تُسوّق فوائد غذائية عامة باعتبارها حلولا مثبتة وفعّالة للهبات الساخنة أو الأرق أو تغير المزاج وإجهاد الجسم.
الكالسيوم وفيتامين "د" مهمان للحفاظ على صحة العظام، لكنهما لا يعالجان انقطاع الطمث نفسه وأعراضه الأكثر شيوعا.
أما المغنيسيوم، فتشير مراجعة نشرتها صحيفة "إندبندنت" البريطانية إلى احتمال فائدته لبعض مشكلات النوم، مع غياب دليل موثوق به على تخفيفه الهبات الساخنة أو زيادة الوزن المرتبطة بهذه المرحلة.
ومكونات مثل إيزوفلافونات الصويا والبرسيم الأحمر تُعد من أبرز المكونات المستخدمة فيما يُعرف بمكملات الإستروجين النباتي. وهي مركبات تشبه هرمون الإستروجين في بعض خصائصها، مما يجعلها جذابة للنساء الباحثات عن بدائل غير هرمونية.
لكن بحسب مجلة "إيه إيه آر بي" (AARP) الأمريكية، جاءت نتائج الدراسات بشأن قدرتها على تقليل الهبات الساخنة متباينة، ولا توجد أدلة كافية تجعلها بديلا مثبت الفعالية للعلاجات المعتمدة.
أما الكوهوش الأسود، الذي يدخل في مكملات تستهدف التعرق الليلي واضطرابات النوم، فقد أظهرت بعض الدراسات فائدة محتملة لمستخلصات محددة منه، بينما لم تجد دراسات أخرى تأثيرا يُعتد به. وتشير مجلة "هارفارد الصحية" (Harvard Health) إلى أن وجود هذه الأعشاب في تركيبات تجارية لا يعني ثبوت قدرتها على تخفيف الأعراض.
كذلك يحظى زيت زهرة الربيع المسائية بحضور ملحوظ في كبسولات صحة المرأة، بفضل احتوائه على أحماض دهنية تُسوّق لدعم البشرة والتوازن الهرموني. لكن مجلة "ويتش" البريطانية توضح أن الأدلة على فائدته لأعراض انقطاع الطمث ضعيفة ومتضاربة، ولا توجد جرعة مثبتة لعلاجها.
وتوضح مجلة "غود هاوسكيبينغ" (Good Housekeeping) للمرأة، نقلا عن اختصاصيات تغذية وأطباء نساء، أن المكملات تكون أكثر فائدة عندما تعالج نقصا غذائيا حقيقيا، لا عندما تُستخدم عشوائيا لمحاولة تصحيح كل تغير يصاحب العمر.

المشكلة تبدأ حين تُسوّق فوائد غذائية عامة باعتبارها حلولا مثبتة للهبات الساخنة أو الأرق (غيتي)
"استعيدي شبابك".. تحويل القلق لفرصة تجارية
لا تبيع صناعة المكملات مكونات غذائية فحسب، بل تبيع أيضا تصورات عن المرأة التي ينبغي أن تحافظ على طاقتها ورشاقتها وصفاء ذهنها مهما تقدمت في العمر ومرّت بتغيرات جسدية.
وفي تحقيق نشره موقع "ذا كات" (The Cut) التابع لمجلة "نيويورك" (New York)، سلطت الصحفية جيسيكا بينيت الضوء على انتشار منتجات تستخدم عبارات مثل "مدعوم بالأبحاث السريرية"، رغم استناد بعض الادعاءات إلى استطلاعات وتجارب ذاتية أو دراسات مرتبطة بالشركات المصنّعة.
وتزيد الإعلانات الموجهة والمؤثرات من جاذبية هذه الرسائل، خصوصا عندما تقدم الحلول باعتبارها وسيلة لاستعادة السيطرة على الجسد كليا.
وليست المشكلة نظرية؛ فقد أفادت صحيفة إندبندنت بأن هيئة معايير الإعلان البريطانية حظرت في مارس/آذار 2026 إعلانات لمكملات نسبت إلى منتجاتها القدرة على "الوقاية" من أعراض انقطاع الطمث أو "علاجها".
ومن ثم وللحصول على الفائدة ولكن دون دفع "ضريبة انقطاع الطمث" الإضافية، تقترح اختصاصية التغذية إيما باردويل، في حديثها للصحيفة، العودة إلى الأساسيات: الغذاء الجيد، وتمارين المقاومة، والنوم، بدلا من افتراض أن انقطاع الطمث يفرض شراء خزانة كاملة من المكملات.
وتظل الأطعمة الغنية بالكالسيوم والبروتين، والنشاط البدني المنتظم، والعناية بالنوم استثمارات مفيدة في الصحة على المدى الطويل. أما الأعراض التي تعطل الحياة اليومية فتستحق استشارة مختص، بدلا من الاستمرار في تجربة منتجات متتالية بلا نتيجة واضحة.