بيروت-نساء FM-أنقذت ريما شرارة الأرشيف الرقمي للمكتبة العامة في بنت جبيل، محافظةً على سنوات من التاريخ المحلي والذكريات وقصص المجتمع.

عندما اضطرت ريما شرارة إلى مغادرة بنت جبيل في جنوب لبنان خلال حرب عام 2026، لم يكن لديها متسع كبير في سيارتها لحمل أغراضها. 

لكن من بين الأشياء القليلة التي حرصت على أخذها، كان حاسوب مكتبة بنت جبيل العامة وبعض من الأقراص الصلبة. فقد كانت تحتوي على صور وسجلات ووثائق توثّق سنوات من الأنشطة الثقافية والمجتمعية للمكتبة، بالإضافة إلى أرشيف للتاريخ الشفوي يحفظ قصصا من مختلف أنحاء المنطقة.

تقول شرارة، التي تدير المكتبة منذ عام 2004: "كان الحفاظ على الأرشيف أولوية بالنسبة لي. الملابس يمكن تعويضها، أما هذا الأرشيف فهو تاريخ المكتبة. ولو تركته خلفي، لكان من الممكن أن يأتي أحد بعد خمسين عاما ويقول: لم تكن هناك مكتبة هنا أصلا".

اليوم، دُمّرت المكتبة بالكامل بسبب الحرب. وفُقدت آلاف الكتب والمعدّات، إلى جانب مساحة فعلية خدمت أجيالا من السكان. لكن جزءا من تاريخها نجا لأن ريما حملته معها.

ومن بين المواد التي أنقذتها 24 تسجيلا للتاريخ الشفوي، جُمعت من نساء ورجال مسنّين من 24 بلدة وقرية في قضاء بنت جبيل. وأدت النساء دورا مفصليا في توثيقها والحفاظ عليها. وهي توثّق قصصا وأغاني وتجارب محلية تناقلتها الأجيال، مما يساهم في الحفاظ على التراث الجماعي للمنطقة.

تقول ريما: "يمكن تدمير الحجر، لكنهم لا يستطيعون محو ذاكرتنا. إنقاذ هذه المواد هو فعل من أفعال المقاومة الثقافية ووسيلة لحماية تاريخنا".

مكتبة أصبحت جزءا من المجتمع

تأسست مكتبة بنت جبيل العامة عام 2001، في وقت كانت فيه المجتمعات المحلية في جنوب لبنان تعيد بناء حياتها بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي عام 2000.

كانت وفاء شرارة في الحادية والعشرين من عمرها عندما انضمت إلى الفريق الذي أسس المكتبة. تقول: "كانت المكتبة بالنسبة لي مثل طفل. أسسناها وربّيناها، وكلما رأيتها تكبر وتنجح، كنت أرى جزءا مني فيها".

وفاء شرارة، عضوة في لجنة أمينات المكتبات النسائية في مكتبة بنت جبيل، ترتدي الحجاب والقميص الأزرق أمام رفوف الكتب في المكتبة.

© Ahmad Abu Salem/UN Women Lebanon وفاء شرارة، عضوة في اللجنة النسائية لمكتبة بنت جبيل.

على مرّ السنوات، نمت المكتبة لتضم نحو 15,000 كتاب مفهرس، إلى جانب آلاف الكتب الأخرى التي كانت تنتظر التصنيف، بما في ذلك كتب قديمة ونادرة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وموسوعات ووثائق ودوريات ومجموعات ثقافية.

كما تطورت من مكان لاستعارة الكتب إلى مساحة مجتمعية تخدم بنت جبيل والبلدات والقرى المحيطة بها. وقد ساهمت كافة البلديات المحيطة بها ومغتربي بنت جبيل وعدد من الشركاء المحليين والدوليين في دعمها و تطويرها، بالإضافة إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (الـيونيفيل)، التي قدمت دعما عينيا، وساعدت في تنظيم الأنشطة، وشاركت بانتظام في فعاليات المكتبة.

يقول وزير الثقافة غسان سلامة: "المكتبة العامة هي واحدة من الأماكن القليلة في المجتمع التي تنتمي حقا إلى الجميع. فهي تتيح الوصول المجاني إلى المعرفة والمعلومات، وتوفر أيضا بالقدر نفسه من الأهمية: مساحة مشتركة تلتقي فيها الأجيال والأشخاص من مختلف خلفياتها. ولهذا، فإن تدمير مكتبة لا يعني أبدا مجرد تدمير مبنى، بل يعني فقدان مساحة للتعلّم والتلاقي والذاكرة الجماعية. وفي المجتمعات التي عانت من النزاع والنزوح، يشكّل الحفاظ على هذه المساحات وما تمثله أمرا أساسيا للحفاظ على الروابط التي تمكّن المجتمع من الصمود وإعادة البناء".

كان طلاب من خلفيات متنوعة يقصدون المكتبة للدراسة وإجراء البحوث، ويشارك الأطفال في أنشطة سرد القصص والأنشطة الثقافية، فيما كانت النساء يشاركن في جلسات الحوار والتدريب على المهارات وأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي. والأهم من ذلك، أن المكتبة وفّرت مساحة أتاحت للناس التواصل فيما بينهم. 

تقول وفاء: "كانت (المكتبة) ملتقى للجميع. مسيحيون ومسلمون، وطلاب ومدرّسون، ونساء، وقرّاء، وفنانون، جميعهم كانوا يجتمعون في مكان واحد".

وبالنسبة للنساء، امتدت هذه الروابط أيضا بين القرى المختلفة كما تقول ريما: "التقت نساء من قرى مختلفة من خلال الأنشطة وتعرّفن إلى بعضهن البعض. كانت بالفعل مكانا يجمع النساء".

ومع مرور الوقت، نشأت من خلال هذه اللقاءات صداقات وشبكات امتدت إلى ما هو أبعد من المكتبة، وعززت الدعم المتبادل والثقة والتماسك الاجتماعي بين مجتمعات واجهت مرارا النزاع والنزوح.

من المشاركة إلى قيادة النساء

استنادا إلى الدور الذي تؤديه المكتبات العامة في المجتمعات، عقدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، من خلال صندوق المرأة للسلام والعمل الإنساني (WPHF)، شراكة مع جمعية السبيل لإنشاء ودعم لجان نسائية مرتبطة بالمكتبات العامة.

أتاحت المبادرة للنساء، وذلك بالاستفادة من الحضور المجتمعي القوي لجمعية السبيل وخبرتها في إنشاء مساحات مدنية شاملة، منصة مستدامة لتحديد الأولويات في مجتمعاتهن، وتنظيم أنشطة تقودها المجتمعات المحلية، والاستجابة للاحتياجات الناشئة. 

ومن خلال ذلك، ساهمت المبادرة في تعزيز صوت النساء وقيادتهن في الاستجابة المجتمعية والتماسك الاجتماعي وبناء السلم الأهلي، مع تعزيز دور المكتبات العامة كمساحات للمشاركة والتواصل والعمل الجماعي.

في بنت جبيل، تضم اللجنة النسائية ست نساء يتمتعن بمهارات وخبرات وشبكات مجتمعية مختلفة. ويساعد هذا التنوع عضوات اللجنة على فهم واقع النساء في بنت جبيل والقرى المحيطة بها، وتحديد الاحتياجات، وصياغة استجابات نابعة من الواقع المحلي.

تدرس الشابات المحجبات على طاولات داخل مكتبة بنت جبيل العامة، محاطات بأرفف الكتب والدفاتر.

© Rima Sharara/Bint Jbeil Library أفراد من المجتمع المحلي في مكتبة بنت جبيل العامة في 28 شباط/فبراير 2026، قبل يوم واحد من اندلاع الحرب. وكانت هذه آخر صورة التُقطت داخل المكتبة قبل تدميرها.

تقول جيلان المسيري ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان: "إنّ الاستثمار في النساء وفي المساحات المجتمعية التي يعرفنها ويثقن بها يعني الاستثمار في العلاقات والمعرفة المحلية التي تعتمد عليها المجتمعات، لا سيما في أوقات الأزمات. وعندما تتاح للنساء المساحة والموارد للقيادة، يمكنهن الاستجابة للاحتياجات المحلية وتعزيز الروابط ومساعدة المجتمعات على التعافي وإعادة البناء معا".

بالنسبة إلى وفاء، كان الانضمام إلى اللجنة يعني العودة إلى المؤسسة التي ساهمت في تأسيسها. تقول: "شعرت أنني أعود إلى المكان الذي بدأت منه، بعدما اكتسبت خبرة يمكنني الآن أن استثمرها في خدمة المكتبة والمجتمع المحلي".

ومع تزايد الضغوط التي تواجهها الأسر نتيجة النزوح والصعوبات الاقتصادية وحالة عدم اليقين، أصبحت هذه المعرفة المحلية أكثر أهمية.

توضح وفاء: "عندما تساعد النساء على التعامل مع الضغوط التي يعشنها، فإنك تساعد في الحد من التوتر الذي يمكن أن يؤثر على الأسرة والجيران والمحيطين بهن. فلا أحد يفهم المرأة أكثر من امرأة أخرى".

يعكس عملهن مبدأ أساسيا من مبادئ أجندة المرأة والسلام والأمن: فالنساء المتأثرات بالنزاع لسن مجرد متلقيات للمساعدة، بل هن قياديات يمتلكن المعرفة والشبكات والخبرة اللازمة لتحديد الاحتياجات والحد من التوترات وتعزيز العلاقات، والمساهمة في التعافي بقيادة محلية.

مساحة موثوقة في أوقات الأزمات

في أعقاب حرب عام 2024، أظهرت المكتبة مدى سرعة مساهمة مؤسسة مجتمعية موثوقة في دعم التعافي. وبعد أن بدأ السكان بالعودة إلى بنت جبيل، أُصلحت معدات المكتبة، وأُعيدت خدمات الكهرباء والإنترنت، وأعادت المكتبة فتح أبوابها في أقل من أسبوع. حيث قصدها المدرّسون والطلاب للالتحاق بصفوفهم عبر الإنترنت في وقت كانت فيه هذه الخدمات لا تزال غير متاحة في العديد من المنازل.

صورة جوية لمنطقة متضررة بشدة مع وجود أنقاض منتشرة وهياكل منهارة ومبانٍ سليمة متناثرة، تم تحديدها من خلال اسم الملف باسم بنت جبيل، لبنان.

© Image shared with the Bint Jbeil Public Library by members of the Bint Jbeil diaspora, 2026. صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية تُظهر الدمار الذي لحق بمكتبة بنت جبيل العامة خلال حرب عام 2026. وكانت المكتبة قد خدمت بنت جبيل والقرى المحيطة بها كمساحة مشتركة للتعلّم والأنشطة المجتمعية والتواصل.

عندما أعلنت ريما شرارة إعادة فتح المكتبة، بقيت ردود الفعل التي تلقتها راسخة في ذاكرتها. فتتذكر قائلة: "تلقيت تعليقات من أكثر من مئة شخص. قالوا لنا: 'عدتم قبل الجميع. أعطيتمونا الأمل'."

أصبحت إعادة فتح المكتبة إشارة إلى أن الحياة المجتمعية يمكن أن تبدأ من جديد.

أما حرب عام 2026، فقد أدت إلى فقدان المجتمع هذه المساحة الفعلية. ويمثّل تدميرها أكثر من مجرد فقدان الكتب والمبنى، إذ فقد المجتمع أيضا مكانا تشارك النساء من خلاله في الحياة المجتمعية، وتُبنى فيه العلاقات بين القرى، ويجتمع فيه الناس في الأوقات الصعبة.

تقول ريما: "فقدت النساء في بنت جبيل والجنوب جزءا مهما من أنفسهن. ساهمت المكتبة في تشكيل هويتهن، سواء من خلال القراءة أو التمكين أو تطوير المهارات أو ببساطة من خلال كونها مكانا يمكنهن أن يقصدنه".

لكن لم يُفقد كل شيء؛ فاللجنة النسائية لا تزال قائمة. وكذلك العلاقات التي بُنيت على مدى سنوات من العمل المجتمعي، والأرشيف الذي حملته ريما معها من بنت جبيل.

إن الحفاظ على هذه الذاكرة الجماعية هو جزء من التعافي. فإعادة البناء بعد النزاع لا تقتصر على ترميم الجدران والرفوف والكتب، بل تشمل أيضا الحفاظ على تاريخ المجتمع وعلاقاته وهويته.

وتؤدي نساء مثل ريما، ممن وثّقن هذه الذاكرة وحمينها وحملنها معهن خلال الأزمات المتكررة، دورا مهما في إبقائها حية للأجيال القادمة.

يقول عمران ريزا المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان: "لقد أظهر لقائي بريما والاستماع إلى قصتها بوضوح الدور القيادي الذي تؤديه النساء في الحفاظ على الذكريات والعلاقات والشعور بالانتماء الذي يحافظ على تماسك المجتمعات. وفي مواجهة الدمار، تعمل النساء على حماية الهوية وتعزيز التماسك الاجتماعي والمساهمة في رسم ملامح التعافي والسلام في مجتمعاتهن".

بعد حرب عام 2006، تتذكر ريما أنها قالت: "سنعود كالشعلة التي لا تنطفئ".

وبعد سنوات، وبعد تدمير المكتبة، لا تزال متمسكة بهذا الإيمان. تقول: " البشر دائما هم من يعيدون بناء الحجر".

المصدر : أخبار الامم المتحدة