وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية: احتجاز أموال المقاصة وتراجع الدعم العربي يفاقمان أعباء المواطنين

رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن

اية عبد الرحمن : تتواصل  الأزمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية في ظل استمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وتراجع الدعم المالي العربي والدولي، الأمر الذي ينعكس على رواتب الموظفين العموميين وقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، تتزايد التساؤلات حول أسباب تراجع الدعم العربي، ومدى ارتباطه بالأولويات السياسية وشروط الجهات المانحة، والخيارات المتاحة أمام الحكومة الفلسطينية لتجاوز الأزمة وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

وخلال حديثه لبرنامج «المنتصف في نساء» عبر إذاعة نساء إف إم، تناول المستشار الاقتصادي والمالي الدكتور سعيد صبري أبعاد الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وانعكاساتها على الموظفين والمواطنين والمؤسسات الحكومية، إلى جانب سبل التعامل معها في ظل محدودية الموارد وتراجع المساعدات.

وأكد صبري أن الأزمة المالية تتعمق نتيجة استمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة وتراجع الدعم المالي الدولي، وتحديداً الدعم العربي المباشر للخزينة الفلسطينية، موضحاً أن هذه العوامل تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المؤسسات والقطاعات المختلفة.

وأشار إلى أن تداعيات الأزمة أصبحت واضحة في انتظام صرف الرواتب وقدرة المؤسسات الحكومية على تقديم خدماتها، لافتاً إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير الأموال اللازمة للموظفين، بل تشمل أيضاً الالتزامات التشغيلية والخدمات الأساسية التي تقدمها الحكومة للمواطنين.

وفيما يتعلق بأسباب تراجع الدعم العربي، أوضح صبري أن المسألة، وفق تقديره، ترتبط بدرجة كبيرة بالاعتبارات والشروط السياسية، معتبراً أن الدعم المالي أصبح إحدى أدوات الضغط على الحكومة الفلسطينية، في ظل مجموعة من المواقف والاشتراطات الدولية والإقليمية التي تؤثر على تحويل الأموال إلى الخزينة.

وبيّن أن بيانات وزارة المالية الفلسطينية، وفق ما ذكره خلال اللقاء، لم تسجل أي دعم عربي مباشر للخزينة خلال الأشهر السبعة الماضية، من آذار وحتى موعد المقابلة في تشرين الأول. واعتبر أن ذلك يعكس فجوة بين الالتزامات المالية التي تعلنها الدول العربية خلال اجتماعات جامعة الدول العربية، وبين الأموال التي تصل فعلياً إلى الحكومة الفلسطينية.

وأضاف أن الدول العربية تمتلك، بحسب رأيه، الإمكانات الاقتصادية التي تتيح لها المساهمة في تلبية احتياجات الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن تراجع الدعم لا يرتبط بالضرورة بعدم القدرة الاقتصادية، وإنما يتأثر بحسابات سياسية وأولويات مختلفة.

ودعا صبري الدول العربية إلى الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه فلسطين، وتقديم الدعم اللازم للخزينة الفلسطينية، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تعاني من نقص الموارد، وعلى رأسها الصحة والتعليم، لما لذلك من أثر مباشر على حياة المواطنين وقدرة المؤسسات على الاستمرار في تقديم خدماتها.

وتطرق صبري إلى الضغوط الدولية المرتبطة بتقديم المساعدات، موضحاً أن السلطة الفلسطينية تواجه مطالب تتعلق بالإصلاحات السياسية والإدارية، تشمل الإصلاح الديمقراطي المرتبط بالانتخابات، والإصلاح الإداري المتعلق بإدارة المال العام وتطوير أداء المؤسسات الحكومية.

وأشار إلى أن هذه الإصلاحات تشكل جزءاً من الشروط التي تطرحها الجهات المانحة، وأن عدم استيفاء المتطلبات التي تحددها بعض الجهات قد يؤدي إلى تأخير المساعدات أو وقف تدفقها إلى الخزينة الفلسطينية. وأضاف أن الحكومة نفذت جزءاً من المطالب المتفق عليها مع الجهات المانحة، فيما لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب استكماله.

لكنه شدد على أن استمرار الأزمة المالية ينعكس بصورة مباشرة على المواطن الفلسطيني، الذي يجد نفسه أمام أعباء معيشية متزايدة، في ظل الرواتب المنقوصة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمحروقات، إلى جانب الالتزامات المالية المرتبطة بتعليم الأبناء في المدارس والجامعات.

وأوضح أن الموظف الذي يتقاضى جزءاً من راتبه يواجه صعوبة في تغطية احتياجات أسرته اليومية، في وقت تتزايد فيه تكاليف المعيشة مع اقتراب فصل الشتاء، وما يرافقه من ارتفاع متوقع في نفقات التدفئة والطاقة والاحتياجات الأساسية. كما أشار إلى أن الأسر التي لديها طلبة جامعات ومدارس تواجه تحديات إضافية في الوفاء بالتزاماتها التعليمية والمالية.

وأكد أن استمرار صرف الرواتب بنسب منقوصة لا يقتصر أثره على الموظفين العموميين، بل يمتد إلى الحركة الاقتصادية في الأسواق، نظراً إلى ارتباط الاستهلاك والإنفاق الأسري بمستوى الدخل المتاح. ومع تراجع القدرة الشرائية، تتأثر حركة البيع والشراء، الأمر الذي ينعكس بدوره على الأنشطة الاقتصادية ومصالح القطاع الخاص.

وفي حديثه عن الخيارات المالية المتاحة أمام السلطة الفلسطينية خلال الأشهر المقبلة، أشار صبري إلى أن الإيرادات المحلية، بما فيها الضرائب التي يدفعها القطاع الخاص والمبالغ المحصلة من الهيئات المحلية، تمثل مصدراً مهماً لتمويل الخزينة، لكنها لا تكفي لتغطية جميع الالتزامات الحكومية في ظل الظروف الراهنة.

وأوضح أن الموارد المحلية يمكن أن توفر جزءاً من احتياجات الحكومة، إلا أنها تبقى محدودة مقارنة بحجم النفقات والالتزامات المتراكمة، خصوصاً مع استمرار احتجاز أموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي. وأضاف أن الحكومة لا تستطيع الاعتماد على هذه الإيرادات وحدها لتغطية جميع النفقات، الأمر الذي يتطلب البحث عن مصادر تمويل إضافية وتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على توليد الإيرادات.

وشدد على ضرورة النظر إلى الأزمة المالية باعتبارها أزمة تمس مجمل أداء المؤسسات الحكومية، وليس فقط ملف الرواتب، موضحاً أن الحكومة مسؤولة أيضاً عن تمويل القطاع الصحي، وتوفير الأدوية للمستشفيات، وتسديد المستحقات المالية للشركات الفلسطينية والأجنبية الموردة للأدوية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين.

وأشار إلى أن عدم قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موردي الأدوية أسهم في تفاقم النقص في مخازن وزارة الصحة، ما انعكس على قدرة المستشفيات الحكومية على تلبية الاحتياجات الصحية. كما لفت إلى أن الأزمة المالية أثرت على توفير بعض المستلزمات التعليمية، مشيراً إلى عدم قدرة الحكومة على طباعة الكتب المدرسية الحكومية في ظل محدودية الموارد.

وبيّن أن هذه التداعيات تؤدي إلى إضعاف قدرة المؤسسات الحكومية على أداء مهامها، وتعرقل تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، الأمر الذي يزيد من الأعباء الواقعة على المواطنين، خصوصاً الفئات التي تعتمد بصورة أساسية على الخدمات العامة.

وأكد صبري أن تراجع الدعم الدولي خلال الأشهر الماضية يشكل مؤشراً مقلقاً على استدامة المالية العامة، وعلى أوضاع موظفي القطاع العام وقدرة الحكومة على الاستمرار في تقديم خدماتها. ولفت إلى أن الاعتماد على الإيرادات المحلية وحدها لا يوفر حلاً شاملاً للأزمة، في ظل حجم الالتزامات المالية وتعدد القطاعات التي تحتاج إلى التمويل.

وفي هذا السياق، اعتبر أن توسيع القاعدة الاقتصادية الفلسطينية يمثل أحد الحلول الأساسية على المدى الطويل، من خلال تنشيط الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع الأنشطة الاقتصادية التي تساهم في زيادة الإيرادات المحلية والضريبية. وأوضح أن توسيع القاعدة الإنتاجية من شأنه أن يمنح الحكومة موارد إضافية تساعدها على الوفاء بالتزاماتها، ويقلل من هشاشة الوضع المالي أمام التغيرات السياسية والاقتصادية.

وشدد على أهمية وضع سياسة مالية واضحة تهدف إلى تعزيز الاعتماد على القدرات المحلية وتنويع مصادر التمويل، بالتوازي مع مواصلة المطالبة بالإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، والعمل على استعادة الدعم العربي والدولي.

وأشار إلى أن استمرار احتجاز المقاصة يشكل عائقاً أساسياً أمام معالجة الأزمة، معرباً عن اعتقاده بأن حدوث انفراجة في هذا الملف قد لا يكون قريباً، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها. لذلك، رأى ضرورة العمل على توفير الموارد المتاحة من مصادر متعددة، بما فيها القطاع الخاص والدول الداعمة، لضمان الحد الأدنى من قدرة الحكومة على تلبية احتياجاتها.

وفيما يتعلق بالدعم الأوروبي، أعرب صبري عن أمله في استمرار التزام الاتحاد الأوروبي بتقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، وألا تتأثر هذه المساعدات بالتغيرات السياسية أو الخلافات المرتبطة بتأجيل الانتخابات الفلسطينية. وأكد أهمية الحفاظ على الدعم الأوروبي في ظل الظروف المالية الصعبة التي تمر بها الحكومة، وما يترتب على تراجعه من آثار على الاستقرار المالي والخدمات العامة.

ولفت إلى أن استمرار تدفق المساعدات الخارجية، إلى جانب تعزيز الإيرادات المحلية، قد يسهم في تخفيف الضغوط على الخزينة، لكنه شدد على أن الحل المستدام يتطلب معالجة الأسباب الأساسية للأزمة، وفي مقدمتها احتجاز أموال المقاصة، ومحدودية الموارد المحلية، وعدم انتظام الدعم الخارجي.

واختتم صبري حديثه بالتأكيد على ضرورة التحرك على عدة مسارات متوازية، تشمل الإفراج عن أموال المقاصة، واستعادة الدعم العربي والدولي، وتوسيع القاعدة الاقتصادية الفلسطينية، وتعزيز الإيرادات المحلية، وتحسين إدارة المال العام، مع إعطاء الأولوية لاستمرار تمويل القطاعات الحيوية، خصوصاً الصحة والتعليم، وحماية المواطنين من تداعيات الأزمة المالية.

وتكشف الأزمة الراهنة أن تداعيات الضائقة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية تتجاوز مسألة الرواتب إلى مجمل قدرة الحكومة على إدارة المؤسسات وتوفير الخدمات الأساسية وتحريك عجلة الاقتصاد. وفي ظل محدودية الإيرادات المحلية وتراجع المساعدات الخارجية واستمرار احتجاز أموال المقاصة، تبرز الحاجة إلى حلول مالية واقتصادية متكاملة تجمع بين توفير التمويل العاجل وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل، بما يساعد على تخفيف الأعباء عن المواطنين، والحفاظ على استمرارية الخدمات العامة، وتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على مواجهة الأزمات.