تدمير المنظومة القضائية في غزة يهدد حقوق النساء في الميراث والملكية والنفقة
غزة-نساء FM-آية عبد الرحمن- في غزة، لا تتوقف آثار الحرب عند تدمير المنازل وفقدان الأحبة ومصادر الرزق، بل تمتد لتطال الحقوق القانونية للنساء، في ظل تدمير المحاكم وتعطل المنظومة القضائية وفقدان آلاف الملفات والسجلات الرسمية، ما يضع الأرامل والمطلقات أمام تحديات متزايدة لإثبات حقوقهن في الميراث والنفقة والطلاق وحضانة الأطفال واسترداد ممتلكاتهن.
وبين غياب المؤسسات القضائية والعقبات الاقتصادية والاجتماعية، تجد نساء كثيرات أنفسهن أمام فراغ قانوني يصعّب عليهن إثبات حقوقهن والوصول إلى العدالة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والمعيشية في القطاع.
وفي تقرير نشر عبر موقع "بروبا سايت نيوز"، سلطت الصحفية والكاتبة رشا أبو جلالة الضوء على واقع النساء في غزة بعد تدمير المنظومة القضائية، وما ترتب عليه من ضياع الوثائق والسجلات وتعثر القضايا القانونية، خصوصًا المتعلقة بالميراث وحقوق الملكية والنفقة والحضانة. وتناولت قصص نساء وجدن أنفسهن أمام نزاعات قانونية ممتدة، دون وجود منظومة قضائية قادرة على إنصافهن أو جهة بديلة تضمن لهن استعادة حقوقهن.
وخلال حديثها لبرنامج "المنتصف في نساء" عبر إذاعة نساء إف إم، أوضحت أبو جلالة أن قطاع غزة مرّ بكوارث متعددة، بعضها ظاهر للعيان وبعضها الآخر غير مرئي، وكان من أبرز آثارها تدمير المنظومة القضائية، وهو ما شكل كارثة انعكست على المباني والمؤسسات والحياة اليومية للسكان.
وبيّنت أن تدمير المباني القضائية أدى إلى توقف عدد كبير من مقار المحاكم النظامية والشرعية والنيابة عن العمل، الأمر الذي تسبب في فقدان آلاف الملفات والوثائق المتعلقة بقضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة وحصر الإرث، إلى جانب سجلات الأراضي والعقارات وغيرها من السجلات التي تثبت الملكيات والحقوق القانونية للمواطنين.
وأكدت أبو جلالة أن فقدان هذه الوثائق لا يمثل مجرد خسارة لأوراق رسمية، بل ينعكس بصورة مباشرة على قدرة النساء على المطالبة بحقوقهن وإثباتها، لا سيما في قضايا الميراث والملكية. فالمرأة التي كانت تملك حقًا في أرض أو عقار قد تجد نفسها اليوم عاجزة عن إثبات ملكيتها، أو إثبات أن والدها كان يمتلك أرضًا أو عقارًا يحق لها أن ترث جزءًا منه، في ظل ضياع السجلات التي كانت توثق هذه الحقوق.
وأضافت أن المشكلة لا تتوقف عند تدمير المحاكم وفقدان الوثائق، بل تتفاقم بسبب غياب جهة بديلة قادرة على القيام بدور المؤسسات القضائية المتعطلة، الأمر الذي يجعل النساء والأطفال من الفئات الأكثر تضررًا، ويضعهم أمام صعوبات كبيرة في إثبات ما يملكونه أو الحصول على حقوقهم القانونية.
عوائق اجتماعية تضغط على النساء للتنازل عن حقوقهن
وفيما يتعلق بتأثير غياب الحماية القانونية على النساء، أوضحت أبو جلالة أن المرأة في غزة تواجه عائقين أساسيين، أولهما اجتماعي والآخر قانوني. فعلى الصعيد الاجتماعي، لا تزال بعض النساء يواجهن ضغوطًا مرتبطة بثقافة العيب، التي تجعل مطالبة المرأة بحقها في الميراث أمرًا مرفوضًا في بعض البيئات العائلية، وقد يؤدي إصرارها على المطالبة بحقوقها إلى خلافات حادة مع أفراد أسرتها، أو إلى القطيعة وقطع صلة الرحم.
وأشارت إلى أن بعض النساء قد يتعرضن للضغط من أجل التنازل عن حصصهن في الميراث، خشية الدخول في نزاعات مع عائلاتهن أو خسارة علاقاتهن الاجتماعية. كما لفتت إلى أن بعض العائلات قد تلجأ إلى ممارسات تهدف إلى إبقاء الملكية داخل العائلة، ومنها الامتناع عن تزويج الفتاة أو تأخير زواجها حتى لا تنتقل ملكية ما ترثه إلى عائلة الزوج بعد الزواج، وهو ما ينعكس سلبًا على حياة المرأة واستقلالها وحقها في التصرف بممتلكاتها.
وشددت أبو جلالة على أن هذه الممارسات، إلى جانب غياب المؤسسات التي تحمي الحقوق، تزيد من هشاشة النساء وتجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والضغط والتنازل عن حقوقهن، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.
تعطل المحاكم يعرقل إثبات الحقوق وتنفيذ الأحكام
ولفتت الكاتبة إلى أن معاناة النساء لا تنتهي عند الحصول على حكم قضائي، إذ إن تنفيذ الأحكام نفسها أصبح يواجه صعوبات كبيرة نتيجة تدمير المحاكم وفقدان السجلات والوثائق الرسمية.
وأوضحت أن إثبات هوية الورثة وتحديد حقوقهم يتطلبان وجود وثائق وسجلات يمكن الرجوع إليها، إلا أن تدمير المباني القضائية وفقدان جزء كبير من الأرشيف يجعلان هذه الإجراءات أكثر تعقيدًا.
وأضافت أن غياب المقار المناسبة لعمل المحاكم، وعدم توافر الأماكن الآمنة والجاهزة لاستئناف العمل القضائي، يشكلان عقبة أساسية أمام إعادة تشغيل المنظومة القضائية، سواء بصورة كاملة أو جزئية. وحتى في الحالات التي يمكن فيها البدء ببعض الإجراءات، تبقى مسألة استعادة الوثائق والتحقق من الملكيات والحقوق من أبرز التحديات التي تواجه النساء.
تكاليف التقاضي تضاعف معاناة الأرامل والمطلقات
وتطرقت أبو جلالة إلى الأعباء الاقتصادية التي تتحملها النساء خلال محاولتهن الوصول إلى العدالة، موضحة أن تكاليف المحاماة والرسوم القانونية تشكل عبئًا إضافيًا، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتراجع فيه مصادر الدخل، وتعيش فيه كثير من الأسر أوضاعًا اقتصادية شديدة الصعوبة.
وتساءلت عن قدرة المرأة التي فقدت مصدر رزقها أو أصبحت مسؤولة عن إعالة أطفالها على توفير تكاليف المحاماة ومتابعة الإجراءات القانونية اللازمة لاسترداد حقوقها.
وأكدت أن طول أمد التقاضي وتعطل المؤسسات القضائية قد يؤديان إلى تأخير حصول المرأة على حقها لسنوات، ما يضاعف معاناتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويجعل الوصول إلى العدالة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى الأرامل والمطلقات والنساء اللواتي يعشن أوضاعًا معيشية قاسية.
وأوضحت أبو جلالة أن استمرار هذه الظروف يخلق حلقة من العقبات المتداخلة؛ فغياب الوثائق يصعّب إثبات الحقوق، وتوقف المحاكم يعرقل البت في القضايا، والضائقة المالية تمنع بعض النساء من متابعة الإجراءات، فيما تدفع الضغوط الاجتماعية أخريات إلى التراجع عن المطالبة بحقوقهن خشية خسارة عائلاتهن أو الدخول في نزاعات قد تمتد آثارها إلى سنوات.
مطالب بإعادة تشغيل المحاكم وتوفير المساعدة القانونية المجانية
وفي حديثها عن البدائل المتاحة أمام النساء في المرحلة الحالية، أشارت أبو جلالة إلى إمكانية التوجه إلى المؤسسات والمراكز النسوية والقانونية التي يمكن أن تقدم الدعم والمساعدة، ومن بينها مركز شؤون المرأة وجمعية عائشة، للاستفسار عن الخدمات المتاحة والاستفادة من المساعدة في أرشفة الوثائق المتوافرة وتوثيق الحقوق والملكية، ومحاولة إيجاد وسائل بديلة تساعد النساء على حفظ حقوقهن إلى حين استعادة عمل المؤسسات القضائية.
وأكدت أهمية توفير خدمات الدعم القانوني للنساء، والعمل على توثيق ما تبقى من الوثائق والسجلات والمعلومات التي يمكن أن تساعد في إثبات الملكيات والحقوق، بما يحد من مخاطر ضياعها بصورة نهائية، ويساعد النساء على متابعة قضاياهن عندما تصبح الإجراءات القضائية ممكنة.
وشددت أبو جلالة على ضرورة الإسراع في إعادة تشغيل المنظومة القضائية في قطاع غزة، وتوفير مقار مناسبة وآمنة للمحاكم، والعمل على استعادة السجلات والوثائق القانونية المدمرة أو إيجاد آليات بديلة للتحقق من الحقوق والملكية. كما دعت إلى توفير عيادات قانونية مجانية تقدم المساعدة للنساء، وتخفف عنهن الأعباء المالية والنفسية المرتبطة بمتابعة القضايا والنزاعات القانونية.
وبيّنت أن وجود هذه العيادات والخدمات القانونية من شأنه أن يساعد النساء على فهم حقوقهن، ومعرفة الإجراءات المتاحة أمامهن، والحصول على الدعم اللازم لحماية ممتلكاتهن ومتابعة مطالباتهن، بدلًا من تركهن وحيدات في مواجهة النزاعات العائلية والضغوط الاجتماعية والتحديات القانونية.
ويكشف واقع النساء في غزة أن تدمير المؤسسات القضائية لا يقتصر أثره على تعطيل المحاكم أو تأجيل البت في القضايا، بل يمتد إلى تهديد الحقوق الأساسية التي تضمن للمرأة الميراث والملكية والنفقة والحضانة والقدرة على اللجوء إلى العدالة. ومع فقدان الوثائق وتعطل المؤسسات وارتفاع تكاليف التقاضي، تواجه النساء تحديات مضاعفة تتطلب تدخلًا عاجلًا لحماية حقوقهن ومنع ضياعها.