كيف أعادت أزمة الزي المدرسي في أذربيجان جراح الحجاب إلى تركيا؟
أنقرة-نساء FM- أعادت قيود الزي المدرسي الجديدة في أذربيجان إلى الذاكرة التركية واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث، فتحوّلت أزمة محلية في دولة جارة وحليفة إلى قضية رأي عام في تركيا، ووحّدت في انتقادها قيادات وصحفا إسلامية وعلمانية ومعارضة على حد سواء.
غير أن هذا التفاعل التركي الواسع قوبل بغضب عارم وموجة استنكار شديدة من الجانب الأذربيجاني؛ حيث اعتبر الحزب الحاكم في باكو هذه الانتقادات تدخلا سافرا في شؤون البلاد الداخلية، ومساسا بنظامها الدستوري المكرس لعلمانية الدولة.
ما الذي حدث في أذربيجان؟
بدأت الأزمة بعد صدور القرار رقم 309 يوم 21 سبتمبر/أيلول 2026، بتوقيع رئيس الوزراء علي أسدوف، لتعديل قواعد الزي في المدارس الحكومية.
ويقضي القرار بعدم السماح للطلاب باستخدام عناصر لباس "تخلّ بوحدة الزي المدرسي المعتمد، ولا تتوافق مع مبدأ علمانية التعليم العام".
ولا يأتي القرار على ذكر الحجاب أو غطاء الرأس صراحة، غير أن تطبيقه وتفسيره في بعض المدارس أفضيا، بحسب تقارير صحفية وشهادات منشورة، إلى منع طالبات محجبات من دخول مدارسهن أو حضور الدروس.
وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لطالبات في المرحلة المتوسطة يعدن إلى منازلهن باكيات، ومنهن طالبات في مدينة سومقاييت.
وفي السادس من أكتوبر/تشرين الأول، صدر القرار رقم 325 الذي أضاف قواعد تتعلق بملابس المعلمين، واشترط توافقها مع مبدأ علمانية التعليم.
وأعقبته شكاوى من معلمات محجبات قلن إنهن مُنعن من التدريس أو طُلب منهن تغيير لباسهن.
الخلفية التشريعية
يستند القرار إلى تعديل تشريعي أُقرّ في يوليو/تموز، إذ أُضيف بموجب القانون رقم "434-VIIQD" المؤرخ 7 يوليو 2026 مبدأ "الوطنية والعلمانية" إلى قانون التعليم العام.
وبات التزام الطلاب والعاملين في التعليم بقواعد الزي إلزاميا في المدارس الحكومية، كما أُلقيت على أولياء الأمور مسؤولية ضمان التزام أبنائهم.
وحين أدخل الرئيس إلهام علييف التعديل حيز التنفيذ في 22 يوليو/تموز، كلّف مجلس الوزراء بمواءمة قواعد زي الطلاب والمعلمين مع القانون الجديد، وجاء القرار 309 امتدادا لهذا التوجيه.
ومع تصاعد الغضب تجاه الخطوات الأخيرة، حذر مجلس الإعلام والبث في باكو من أن جهات تحاول تسييس القضية وتحويلها إلى خلاف ديني، متحدثا عن حسابات وهمية وتلاعب معلوماتي يُدار من خارج البلاد، بحسب تقديره، ودعا وسائل الإعلام والمواطنين إلى التحقق من المنشورات.
ويوم 12 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصا في قضية تتعلق، وفق روايتها، بالإخلال بالنظام العام وتعطيل عمل مؤسسات تعليمية خلال الخلاف على الزي الموحد.
وزادت حدة الجدل باحتجاز عالم الدين أبجول سليمانوف مساء 22 سبتمبر/أيلول المنصرم قرب منزله، وفق وسائل إعلام أذربيجانية.
وقضت المحكمة بحبسه إداريا 30 يوما، بعدما انتقد على شبكات التواصل إمكانية إبعاد الفتيات المحجبات عن المدارس، وكتب أنه يفضّل السجن على منع الصغيرات من التعليم بحجابهن.
لماذا استحضر الأتراك "28 فبراير/شباط"؟
لم يكن الصدى التركي مفاجئا لمن يعرف تاريخ البلاد، فمرحلة 28 فبراير/شباط 1997 ارتبطت بقيود صارمة على الحجاب في المؤسسات التعليمية والوظيفة العامة، جاءت امتدادا للائحة الزي في القطاع العام التي صدرت عقب انقلاب 12 سبتمبر/أيلول 1980.
وفي تلك السنوات، فُرضت القيود بدعوى "العلمانية"، ومُنعت طالبات من دخول الحرم الجامعي وقاعات الدرس والامتحان، وأُنشئت في بعض الجامعات، وفي مقدمتها جامعة إسطنبول، ما سُمّي بـ"غرف الإقناع" التي اقتيدت إليها محجبات لإخضاعهن لضغوط نفسية كي يخلعن الحجاب أو يتركن الدراسة.
وغادرت طالبات مقاعد الدراسة أو سافرن لإتمام تعليمهن في الخارج، كما فُرض نظام صعّب على خريجي مدارس "إمام خطيب" والمدارس المهنية دخول الكليات بسبب الحجاب.
وطالت التحقيقات الإدارية معلمات وأكاديميات وطبيبات وممرضات، وأُبعد آلاف النساء عن وظائفهن أو أُقِلن من الخدمة المدنية. وامتد الأثر إلى القطاع الخاص، إذ أُدرجت شركات محافظة أو موظِّفة لمحجبات في قوائم الحظر.
كيف تناولت الصحافة التركية أزمة الحجاب في أذربيجان؟
تناولت الصحافة التركية أزمة الحجاب في أذربيجان على نطاق ملحوظ، ولم تقتصر التغطية على الصحف الإسلامية والمحافظة، وإنما شملت صحفا علمانية ومعارضة ومواقع مستقلة، تناولت الأحداث بالتغطية والتحليل بالإضافة إلى مقالات رأي.
صحيفة "سوزجو" التركية ذات التوجه المعارض والعلماني، تناولت القضية تحت عنوان "حظر الحجاب في البلد الشقيق"، واكتفت صحيفة "جمهوريت" بتغطية الأحداث إخباريا.
أما "صحيفة تركيا" التي تتبع خطا مواليا للحكومة التركية، فقد ربطت الأزمة بذكريات 28 فبراير/شباط، وتناولت مشاهد لطالبات محجبات أُعدن من المدارس.
ونشرت صحيفة "قرار" تقريرا بعنوان "حظر الحجاب في أذربيجان: طالبات لم يُسمح لهن بدخول المدارس"، وربطت الصور المنتشرة بمسألة الحق في التعليم.
أما صحيفة "ملّي غازيته"، فركزت على الجانب الإنساني واستخدمت عنوانا شديد الانتقاد، "ظلم الحجاب في أذربيجان: الطالبات الممنوعات يعدن باكيات".
أما "يني آسيا" فعنونت "بعث روح 28 فبراير/شباط في باكو"، ودعت أنقرة إلى التباحث مع السلطات الأذربيجانية لحل الأزمة.
في "يني شفق"، اعتبر الكاتب إسماعيل قليج أرسلان في مقال نُشر، اليوم الثلاثاء، أن من الطبيعي أن ينتقد الأتراك هذه الممارسات بعدما عاشوا تجربة مشابهة، ورفض فكرة أن الدفاع عن المحجبات يضر تلقائيا بالعلاقات بين البلدين.
وأشار إلى أن الغضب موجّه إلى علييف لا إلى الشعب الأذربيجاني، رابطا الإجراءات بعلاقات باكو مع إسرائيل، قائلا "ألا يجب علينا أن ندرك أن هذا الحظر لن يعني سوى تحسين العلاقات القليلة المتبقية مع إسرائيل التي ترتبط معها أذربيجان بعلاقات جيدة جدا؟ أليس من الطبيعي لأشخاص عاشوا ظُلم 28 فبراير/شباط، بل وعارضوا هذا الظُلم، أن يعارضوا حظر الحجاب المطبق اليوم في بلد نقول عنه ’دولتان وشعب واحد‘، مهما كانت الذرائع والأجندات والخلفيات؟".
وفي "يني أكيت"، قارن علي قره حسن أوغلو الحجج المستخدمة في أذربيجان بتلك التي سيقت في تركيا خلال حقبة القيود، قائلا "إن هذا الاحتيال المتستر بعباءة المبرر ليس بالمهزلة الغريبة عنا؛ ألم يكن العلمانيون في بلدنا خلال مرحلة 28 فبراير/شباط يقولون أيضا: أمهاتنا محجبات أيضا، وليس لدينا مشكلة مع الحجاب؛ لكننا لا نستطيع السكوت عن زي يخالف مبادئ الجمهورية؟".
كابدنا مرارة حظر الحجاب
الوزيرة التركية السابقة، فاطمة شاهين، وجهت عبر منشور على إكس، رسالة إلى الشارع والإدارة في أذربيجان بشأن القيود المطبقة على الزي في المدارس، دعت فيها إلى التراجع الفوري عن هذه الممارسات والاستفادة من التجربة التركية القاسية في هذا الصدد.
وأكدت شاهين -التي تولت سابقا وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية التركية- في تصريحاتها أن تركيا كابدت مرارة حظر الحجاب في عقود سابقة، متسائلة عما حققه إقصاء النساء عن التعليم والعمل والحياة العامة، ومشددة على أن تلك القيود لم تفتح آفاق البلاد ولم تعالج أي ملف أمني، بل تسببت في تفكيك النسيج المجتمعي، وحرمان الفتيات من أحلامهن، وإحداث تراكمات وصدمات نفسية استغرق ترميمها عقوداً طويلة.
وأوضحت شاهين أن هذه الدعوة لا تأتي بدافع التدخل في الشؤون الداخلية أو الإساءة للجانب الأذربيجاني، بل تمليها روابط الأخوة الحقيقية والنصيحة الصادقة من واقع تجربة مريرة عاشها الشعب التركي؛ مشيرة إلى أن جعل العقيدة والقيم الإسلامية محل سجال عبر الحظر يضر برابطة الدولة مع مجتمعها.
عمر جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية (الأناضول)
موقف أنقرة والأحزاب التركية
- حزب العدالة والتنمية الحاكم
أكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، عمر جليك، تمسك الحزب بشعار "دولتان وأمة واحدة"، وقال إن البلدين قد يختلفان في قضايا داخلية أو خارجية لكنهما يعالجان الخلافات بالحوار.
وانتقد مجموعات وحسابات تركية قال إنها تستهدف أذربيجان على نحو غير صحيح، ونفى ارتباطها بالحزب أو الحكومة، مشددا على أن أنقرة لن تسمح بتحول الجدل إلى أزمة سياسية.
ولم يعلن جليك تأييدا للقيود، لكنه لم يصدر أيضا إدانة صريحة للقرار، مركزا على احتواء التوتر والحفاظ على العلاقات الثنائية.
- حزب الشعب الجمهوري المعارض
من جانبه، أبدى رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، كمال كليتشار أوغلو، استياءه من فرض قيود على ارتداء الحجاب في أذربيجان، داعيا السلطات الأذربيجانية إلى كفّ التدخل في خيارات النساء وملابسهن، وترك الحرية الكاملة لهن في هذا الشأن.
وأكد كليتشار أوغلو، في تصريح موجه للرأي العام الأذربيجاني، تضامن بلاده التام مع الشعب الأذربيجاني في سرائه وضرائه، مشيرا إلى أن التمييز بين النساء بناء على المظهر أو ارتداء الحجاب من عدمه هو أمر غير صائب.
وأضاف أن تركيا مرت بسنوات من المعاناة بسباق هذا الملف واجتازت فيه ختبارا قاسيا، مُقِرا بتحمل حزبه جزءا من المسؤولية التاريخية عن تلك الأحداث، ومن واقع هذه التجربة، دعا أذربيجان إلى إنهاء هذه المعاناة وتجنب تكرار التجربة ذاتها.

رئيس حزب السعادة التركي حذر الرئيس الأذربيجاني من تكرار تجربة منع الحجاب في تركيا (أنكا)
- حزب السعادة التركي
وجّه رئيس حزب السعادة محمود أريكان رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف طالبه فيها بإنهاء القيود، مستندا إلى تاريخ التضامن بين البلدين وإلى تضحيات أسر ضحايا حرب قره باغ.
وقال إن كثيرا من أمهات الجنود الذين سطّروا الملاحم هناك وزوجاتهم هن من المحجبات، وإن منعهن من دخول المدارس "سيجرح الضمائر ويُلقي بظلاله على روح ذلك النصر".
وحذّر من تكرار تجربة 28 فبراير/شباط، معربا عن أمنيته بأن تنهض أذربيجان على أسس العلم والأخلاق والحريات، من دون التشكيك في الأخوة بين الشعبين.
- حزب هدى بار
انتقد محمود شاهين، نائب رئيس حزب هدى بار لحقوق الإنسان والشؤون القانونية، في بيان مساء 12 أكتوبر/تشرين الأول، منع الطالبات والمعلمات المحجبات من التعليم والعمل، ووصف الإجراءات بأنها انتهاك للحقوق الأساسية وشبّهها بحقبة 28 فبراير/شباط.
وقال إن توسيع الممارسات من الطالبات إلى المعلمات "أمر يدعو للقلق"، وإن الحجاب جزء من عقيدة المرأة المسلمة وهويتها.

مسيرة في إسطنبول احتجاجا على أزمة الحجاب في أذربيجان (يني آسيا)
غضب في الشارع التركي
لم يبقَ الغضب حبيس الصحف ومواقع التواصل، ففي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، نُظمت وقفة احتجاجية أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول بدعوة من جمعية الفكر الحر وحقوق التعليم.
ورفع المشاركون لافتات بالتركية والأذرية، أبرزها "لا لحظر الحجاب في أذربيجان"، و"لا تدَعوا 28 فبراير/شباط يأتي إلى أذربيجان"، و"الحجاب هوية المرأة المسلمة"، و"تراجعوا عن هذا الخطأ".
وطالب المتظاهرون الأتراك بسحب القيود فورا وربطوا احتجاجهم بتجربة تركيا المريرة إثر منع الحجاب.
باكو ترفض التدخل
في المقابل، وجه حزب "أذربيجان الحديثة" الحاكم في باكو انتقادات حادة وغير مسبوقة لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، اتهمه فيها بشن حملة إعلامية وسياسية مغرضة ضد البلاد، والتدخل في شؤونها الداخلية عبر استغلال ملفات حساسة وفي مقدمتها مسألة الحجاب والعلاقات مع إسرائيل.
وجاء في بيان رسمي صادر عن المكتب الإعلامي للحزب الأذربيجاني، اليوم الثلاثاء، أن الأوساط السياسية والإعلامية المقربة من الحكومة التركية تدير حملة "تضليل وافتراء ممنهجة" طالت المؤسسات الأذربيجانية وشخص رئيس الجمهورية إلهام علييف.
وأعرب البيان عن أسفه الشديد لمشاركة مسؤولين أتراك بارزين في هذه الحملة، وفي مقدمتهم أحد مستشاري رئيس الجمهورية التركية، وعدد من نواب حزب العدالة والتنمية، واصفا تصريحاتهم بـ "الشعبوية وغير المسؤولة".
وشدد الحزب الحاكم في باكو على رفضه القاطع لاستخدام ملف حظر الحجاب أو الأنظمة التعليمية في أذربيجان كأداة للمناورة والضغط السياسي، موضحا أن أذربيجان دولة علمانية تكفل حرية الاعتقاد بموجب الدستور، وأن القوانين المطبقة في المؤسسات التعليمية تستند إلى مبادئ المساواة وسيادة القانون.
ودعا البيان الدوائر السياسية في أنقرة إلى تحمل مسؤوليتها السياسية والتزام أقصى درجات ضبط النفس، محذرا من أن استمرار هذه التصريحات قد يلقي بظلاله السلبية على روح الشراكة والأخوة التاريخية بين البلدين.