فلسطين تبدأ تنفيذ استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي.. مركز وطني ودعم للباحثين والشباب
رام الله-نساء FM-اية عبدالرحمن-تتجه فلسطين نحو مرحلة جديدة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مع الانتقال من الحديث عن أهمية هذه التقنيات إلى العمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي أُعدت على مدار السنوات الماضية بالشراكة بين وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي والفريق الوطني المختص، وبمشاركة خبراء في هذا المجال، بهدف بناء منظومة وطنية قادرة على مواكبة التطور العالمي والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
وقال مدير عام الإدارة العامة للتطوير والبحث العلمي، الدكتور أمين نواهضة، في حديث لإذاعة نساء إف إم، إن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ليست وليدة اللحظة، بل بدأ العمل عليها منذ سنوات، وأصبحت منشورة على موقع وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي، وتتضمن مجموعة من التدخلات التي تستهدف قطاعات ومجالات متعددة.
وأوضح نواهضة أن أهمية وجود استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تنبع من كون هذا المجال أصبح تيارًا عالميًا لا يمكن لفلسطين أن تبقى خارجه، مشيرًا إلى أن عدم مواكبة هذا التطور، ولا سيما في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، قد ينعكس على قدرة الخريجين والمنتجات الفلسطينية على الوصول إلى الأسواق العالمية والمنافسة فيها.
وبيّن أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة أو تطبيق يمكن استخدامه بشكل منفصل، وإنما منظومة متكاملة تحتاج إلى مجموعة من العناصر الأساسية، من بينها قواعد بيانات مؤهلة، وبنية تحتية رقمية قادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وموارد بشرية متخصصة، إلى جانب وجود قوانين وأطر تنظيمية تنظم استخدام هذه التقنيات.
وفي إطار تنفيذ الاستراتيجية، يجري العمل على إنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي "كويكا"، التي تقدم دعمًا للمركز بقيمة تصل إلى 15 مليون دولار على مدار خمس إلى ست سنوات، وفق نواهضة.
وأشار إلى أن المركز يستهدف معالجة مجموعة من التحديات الأساسية التي تواجه فلسطين في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها محدودية قواعد البيانات المؤهلة، ونقص البنية التحتية اللازمة لتطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز قدرات الباحثين والمطورين الفلسطينيين.
وأوضح نواهضة أن أدوات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى خوادم وأجهزة ذات قدرات عالية، أو إلى إمكانية الوصول إلى خوادم عالمية، وهو ما يشكل تحديًا أمام الجامعات والباحثين والقطاع الخاص في فلسطين، مشيرًا إلى أن المركز الوطني سيعمل على توفير إمكانية الوصول إلى هذه الخوادم، بما يساعد الباحثين والقطاع الخاص على تطوير حلول وتطبيقات أكثر تقدمًا.
وأكد أن فلسطين لا تعاني فقط من نقص في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما تحتاج إلى الانتقال إلى مرحلة تطوير الحلول والمنتجات، موضحًا أن هناك خبرات وكفاءات موجودة بالفعل في الجامعات والقطاع الخاص، وأن الهدف هو دعم المطورين والباحثين وليس فقط المستخدمين.
وأشار إلى أن المركز سيعمل كذلك على تطوير قاعدة بيانات وطنية وحكومية مؤهلة لاستخدامها في أبحاث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة خصوصية البيانات الفلسطينية والأطر القانونية الناظمة لها.
وفي هذا السياق، أوضح نواهضة أن خصوصية البيانات تمثل تحديًا خاصًا في الحالة الفلسطينية، بسبب الظروف السياسية والقوانين المعمول بها، والتي لا تسمح برفع البيانات الفلسطينية الحساسة إلى الخوادم العالمية بصورة مفتوحة، الأمر الذي يتطلب إيجاد حلول تقنية وقانونية تتيح الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على خصوصية البيانات وحمايتها.
وفي جانب دعم الأفكار والمشاريع، أشار نواهضة إلى أن المركز الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة يتضمن مكونًا مخصصًا لدعم الشباب والفريلانسرز وأصحاب الأفكار والمشاريع، بحيث يمكن لأي شاب فلسطيني يمتلك فكرة قابلة للتطوير أن يتقدم للحصول على الدعم، بعد المرور بمراحل التقييم، بهدف تحويل الأفكار إلى مشاريع وحلول قابلة للتطبيق.
وفي ما يتعلق ببناء الكفاءات الفلسطينية، أوضح نواهضة أن المشروع يتضمن منحًا أكاديمية وبرامج تدريبية متخصصة، من بينها نحو 30 منحة لدراسة الدكتوراه في كوريا، مخصصة لمجالات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالقطاعات التي تخدم المجتمع الفلسطيني.
وأضاف أن هذه المنح لا تقتصر على دراسة الدكتوراه، وإنما تشمل أيضًا برامج تدريبية للباحثين والحاصلين على درجات علمية، بهدف تطوير قدراتهم في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.
وبيّن أن ما يميز منح الدكتوراه المخصصة ضمن المشروع أنها تركز على مجالات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تخدم الاحتياجات الفلسطينية، مشيرًا إلى أن المستفيدين من هذه المنح سيحصلون بعد عودتهم إلى فلسطين على مبلغ يصل إلى 20 ألف دولار للمساعدة في تطوير أفكارهم ومشاريعهم والاستفادة من المعرفة التي اكتسبوها.
وحول مدى جاهزية البنية التحتية الرقمية في فلسطين لاستيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قال نواهضة إن الواقع الحالي لا يزال يشهد فجوة في هذا الجانب، وخاصة داخل الجامعات الفلسطينية، موضحًا أن نتائج مسح أُجري على الجامعات أظهرت وجود عجز في الإمكانات اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن الجامعات تضطر إلى دفع مبالغ كبيرة من أجل تمكين طلبتها وباحثيها من الوصول إلى الخوادم العالمية، الأمر الذي يشكل عائقًا أمام تطوير تطبيقات ومنتجات متقدمة يمكن أن تتحول إلى مشاريع ومنتجات فلسطينية قابلة للتسويق عالميًا.
وأكد أن توفير البنية التحتية من خلال المركز الوطني يمكن أن يساعد في تجاوز هذا العائق، وإتاحة الفرصة للطلبة والباحثين والمطورين للعمل على تطبيقات ذات مستوى متقدم.
وفي ما يتعلق بالبيانات، شدد نواهضة على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعمل بكفاءة من دون قواعد بيانات مناسبة، مشيرًا إلى أن بناء قاعدة بيانات وطنية يمثل أحد الجوانب المهمة في المشروع، مع ضرورة التعامل معها وفق القوانين التي تحمي خصوصية المعلومات الفلسطينية.
وأكد أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد وثيقة أو خطة مستقبلية، وإنما بدأت بالفعل مرحلة التنفيذ، مشيرًا إلى أن إنشاء المركز الوطني يمثل أحد المكونات الرئيسية للاستراتيجية.
وأضاف أن تنفيذ الاستراتيجية يشمل أيضًا تشكيل لجان فلسطينية متخصصة تعنى بمجموعة من القضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من بينها الجوانب الأخلاقية، والبنية التحتية، وتطوير الموارد البشرية، إلى جانب العمل على تطوير البرامج الأكاديمية في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.
وأوضح أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أعدت كذلك استراتيجية متخصصة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي ضمن الإطار الوطني الأوسع للذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع استحداث برامج أكاديمية مرتبطة بهذا المجال، سواء على مستوى الدراسات العليا أو برامج التعليم العالي، إضافة إلى إدخال مفاهيم وتقنيات جديدة ضمن المنظومة التعليمية.
وأكد نواهضة أن نجاح الاستراتيجية يرتبط بتحويلها من وثيقة مكتوبة إلى خطوات عملية، مشيرًا إلى أن ما يجري حاليًا من إنشاء المركز وتطوير البرامج ودعم الباحثين وتشكيل اللجان يمثل جزءًا من عملية التنفيذ، معربًا عن ثقته بأن هذه الجهود ستنعكس مستقبلًا على قطاع الذكاء الاصطناعي في فلسطين.
وعن المجالات التي يمكن لفلسطين أن تحقق فيها استفادة سريعة من الذكاء الاصطناعي، أشار نواهضة إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات يمثل إحدى أهم الفرص، خصوصًا في مجال ريادة الأعمال والشركات الناشئة وتطوير المنتجات الرقمية.
وأوضح أن المنتجات الرقمية وحلول تكنولوجيا المعلومات تعد من المجالات التي يستطيع الفلسطينيون من خلالها الوصول إلى الأسواق الخارجية وبيع منتجاتهم، رغم العراقيل التي يفرضها الواقع السياسي، معتبرًا أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يسهم في توفير فرص عمل وفتح أسواق جديدة أمام الشباب الفلسطيني.
كما تحدث عن إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والخدماتية، مثل الكهرباء والمياه والبنوك، من خلال تطوير أنظمة تساعد على توفير الوقت والمال والجهد، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأشار إلى أن استخدام أدوات مثل المساعدات الرقمية وروبوتات المحادثة يمكن أن يسهم في تسهيل التواصل بين المؤسسات والمواطنين، وتسريع الحصول على المعلومات والخدمات، لافتًا إلى أن بعض هذه الأدوات بدأت تظهر بالفعل في عدد من القطاعات.
كما يمكن للقطاع الصحي الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى بعض الخدمات، إذ يمكن للتقنيات الرقمية أن تساهم في تقديم خدمات صحية عن بُعد، بما يوفر فرصًا للوصول إلى المواطنين في أماكن مختلفة.
وفي المقابل، شدد نواهضة على ضرورة عدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره حلًا سحريًا لكل المشكلات، محذرًا من الاندفاع غير المدروس نحو استخدام هذه التقنيات.
وقال إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يستخدم ضمن ضوابط واضحة، لأن الهدف ليس استبدال الذكاء البشري أو إضعاف دور الإنسان، وإنما الاستفادة من التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية وتحسين منظومة العمل.
وأشار إلى أن عددًا من الدول التي سبقت في هذا المجال بدأت تتعامل بحذر أكبر مع بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بعد إدراك الحاجة إلى وضع ضوابط أخلاقية وتنظيمية تحمي الإنسان والمجتمع.
وأكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مدروسًا ومحسوبًا، حتى لا يؤدي السعي إلى حل مشكلة معينة إلى خلق مشكلات جديدة في مجالات أخرى، خصوصًا في ما يتعلق بالبيانات والخصوصية وسوق العمل ودور الإنسان.
وبحسب نواهضة، فإن التحدي أمام فلسطين لا يتمثل فقط في اللحاق بالتطور العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنما في بناء منظومة وطنية متكاملة تقوم على البيانات والبنية التحتية والكفاءات والتشريعات، وتوظف هذه التقنيات لخدمة المجتمع والاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات الحكومية.
ومع بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وإنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، وتوفير برامج لدعم الباحثين والشباب وتطوير البنية التحتية وقواعد البيانات، تسعى فلسطين إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات للاستخدام إلى قطاع قادر على إنتاج المعرفة والحلول والمنتجات، وفتح مساحات جديدة أمام الشباب والباحثين والقطاع الخاص.