تزايد حالات الطلاق قبل الدخول بفلسطين.. سوء الاختيار وطول الخطوبة وتأثير مواقع التواصل أبرز أسباب الانفصال !
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن-قال أستاذ التربية الإسلامية والتاريخ في المدرسة الإسلامية الثانوية للبنين، الشيخ يوسف جابر، إن الطلاق قبل الدخول أصبح ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عند أسبابها ودوافعها، مشيراً إلى أن إحصائيات وتقديرات في المحاكم الشرعية الفلسطينية تفيد بأن نحو 60 إلى 70% من حالات الطلاق تقع قبل الدخول، معتبراً أن هذه النسبة تتشارك فيها الدول العربية.
وأوضح جابر، خلال حديثه لـ"نساء إف إم"، أن الطلاق قبل الدخول يعود إلى مجموعة من الأسباب، في مقدمتها سوء الاختيار، وعدم التكافؤ بين الزوجين، وطول فترة الخطوبة، إضافة إلى الجهل بالحقوق والواجبات الزوجية، وتدخل الأهل، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في نظرة الشباب والفتيات إلى الزواج وشريك الحياة.
سوء الاختيار.. بداية الخلافات الزوجية
وأكد أن اختيار الزوج أو الزوجة موضوع مهم من الناحية الشرعية، مستشهداً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، مشيراً إلى أن اختيار الزوج ينبغي أن يقوم بالدرجة الأولى على الدين والخلق.
وفيما يتعلق باختيار الزوجة، استشهد جابر بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، موضحاً أن المقصود بالدين والخلق لا يقتصر على المظهر أو الالتزام الديني، بل يشمل علاقة الإنسان بالله وطريقة تعامله مع الآخرين.
وأشار إلى أهمية معرفة صفات الشخص وسلوكه، وما إذا كان بخيلاً أو كريماً، دمثاً وسلساً في تعامله، أو غليظاً ومتكبراً، مؤكداً أن هذه الصفات تؤثر بشكل مباشر في تحقيق الألفة والاستقرار بين الزوجين.
وأضاف أن أحد العلماء شرح أهمية ترتيب معايير اختيار شريك الحياة بطريقة رمزية، بحيث يكون الدين والخلق بمثابة الرقم "1"، وإذا أضيف إليهما الجمال يصبح الرقم "10"، وإذا أضيف النسب يصبح "100"، وإذا أضيف المال يصبح "1000"، لكن إذا أزيل الدين والخلق تحولت بقية الصفات إلى أصفار، مؤكداً أن الدين والخلق هما الأساس، مع إمكانية الجمع بينهما وبين الصفات الأخرى.
التكافؤ بين الزوجين ودوره في نجاح الزواج
وأوضح جابر أن التكافؤ في الزواج يمثل عاملاً مهماً في نجاح العلاقة، ويشمل التقارب في السن والمستوى العلمي والبيئة الاجتماعية والعادات والتقاليد.
وحذر من أن الفوارق الكبيرة في أنماط الحياة قد تؤدي إلى الخلاف، موضحاً أن الشاب الذي تربى في بيئة ريفية وله عادات وتقاليد معينة، من الأفضل أن يختار فتاة قريبة منه في البيئة والعادات والتقاليد، مشيراً إلى أن اختلاف مستوى المعيشة والإنفاق وأنماط الحياة قد يؤدي إلى عدم التوافق والانفصال.
طول الخطوبة يزيد فرص الخلاف والانفصال
وحول طول فترة الخطوبة، قال جابر إن إطالتها قد تؤدي إلى زيادة الخلافات، موضحاً أن الطرفين يعيشان خلالها حالة من التفكير المستمر في مدى ملاءمة الآخر لهما، فيما يفترض أن ينقل الزواج العلاقة إلى مرحلة الاستقرار والاستمرار.
وأضاف أن احتمال الانسحاب خلال فترة الخطوبة يكون أسهل وأقرب إلى ذهن الطرفين، إذ إن أي خلاف قد يدفع أحدهما إلى التفكير في إنهاء العلاقة، بخلاف مرحلة الزواج التي يرتبط فيها قرار الانفصال عادة بخلافات كبيرة أو أسباب خطيرة.
وأكد جابر أن مسؤولية الحد من طول الخطوبة تقع بدرجة كبيرة على الأهل، داعياً الأسر، وخاصة أهل الفتاة، إلى عدم السماح بامتداد الخطوبة لسنوات طويلة.
وأشار إلى أن بعض الخطوبات تمتد إلى سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات، ما قد يؤدي إلى تغير الأشخاص خلال هذه الفترة، مستشهداً بحالة تعامل معها مؤخراً، كان فيها شاب وفتاة مخطوبين منذ أن كان عمرهما 16 عاماً، وعندما بلغا 22 عاماً كانت الفتاة قد أكملت تعليمها وتغيرت نظرتها إلى الحياة، بينما لم يتغير الشاب من الناحية التعليمية، ما جعلها تكتشف أنه لم يعد الشخص المناسب لها، ودخل الطرفان نتيجة ذلك في مشكلة كبيرة.
وأكد أنه يفضل أن تكون فترة الخطوبة قصيرة ومعقولة، مشيراً إلى أن ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو حتى سنة يمكن أن تكون فترة مناسبة، فيما قد يؤدي تجاوز السنة إلى زيادة فرص الاضطراب، خصوصاً مع استمرار حالة عدم الاستقرار العاطفي والنفسي.
مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة التوقعات المثالية
وتطرق جابر إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن لها دوراً في بعض حالات الطلاق قبل الدخول، نتيجة ما تعرضه من صور ونماذج مثالية للحياة والعلاقات.
وأوضح أن بعض الشباب والفتيات يعيشون، بفعل هذه المنصات، في ما وصفه بـ"العالم المثالي"، إذ قد تقارن الفتاة خطيبها بشخصيات تراها على مواقع التواصل، وتعتقد أنه لا يمتلك الصفات التي تبحث عنها، فيما قد يقارن الشاب خطيبته بنماذج أخرى يراها عبر المنصات.
وأكد أن ما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي لا يكون بالضرورة مطابقاً للواقع، إذ إن الصور والحياة التي يعرضها الأشخاص قد تكون منتقاة أو مثالية، إلا أن بعض الشباب والفتيات يتعاملون معها باعتبارها الحقيقة الكاملة.
وقال جابر إن الطرفين قد يضعان توقعات عالية ومثالية لشريك الحياة، ثم ينظران إلى الطرف الآخر على أنه أقل من المستوى المتخيل، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطراب العلاقة وانتهائها بالانفصال، خصوصاً في ظل ضعف الثقافة والوعي الديني.
الجهل بالحقوق والواجبات سبب رئيسي للانفصال
وأكد أن الجهل يمثل أحد الأسباب الرئيسية للانفصال، داعياً إلى تأهيل المقبلين على الزواج قبل عقد القران، ومقترحاً أن تصبح الدورات الخاصة بالحياة الزوجية إلزامية من خلال المحاكم الشرعية.
وأوضح أن هذه الدورات يجب أن تعرّف الشباب والفتيات بحقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم الأسرية، بما يشمل واجبات الشاب تجاه زوجته وأهله وأهل زوجته، وواجبات الفتاة تجاه زوجها وأسرته وأهلها.
وأشار إلى أن كثيراً من الشباب والفتيات لا يعرفون طبيعة مسؤولياتهم، كما أن بعض الأهل يجهلون حدود دورهم تجاه أبنائهم خلال فترة الخطوبة وبعد الزواج.
تدخل الأهل وحدود الدور الأسري
وأكد أن تدخل الأهل قد يزيد الخلافات، سواء من جانب أهل الفتاة أو أهل الشاب، مشدداً على ضرورة أن يكون للزوجين القرار الأول والأخير في حياتهما الزوجية، بعيداً عن التدخلات المستمرة.
وأوضح أن تدخل الأهل ينبغي أن يكون محدوداً، وأن يقتصر على الحالات الطارئة والخلافات الكبيرة التي تستدعي تدخلاً خارجياً، بينما من الأفضل أن تبقى الخلافات البسيطة سراً بين الزوجين وألا تتحول إلى مشكلة بين العائلتين.
دور المؤسسات في تأهيل المقبلين على الزواج
وشدد جابر على أهمية وجود مؤسسات مختصة تتولى تأهيل المقبلين على الزواج، مشيراً إلى إمكانية أن ترعى المحاكم الشرعية أو المؤسسات الرسمية هذه الدورات، بمشاركة مختصين في الإرشاد الأسري والتوعية الاجتماعية.
وأشار إلى وجود تجارب في دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، حيث تنظم برامج ودورات إلزامية للمقبلين على الزواج، تهدف إلى تعريف الطرفين بالحقوق والواجبات والالتزامات الأسرية، بما يساعد على الحد من الخلافات التي قد تؤدي إلى الطلاق.
وأوضح أن الفكرة يمكن تطبيقها من خلال إعداد المقبلين على الزواج مسبقاً للحياة الزوجية، وتعريفهم بتحدياتها ومسؤولياتها، على غرار البرامج التي تنظمها بعض الدول للحجاج قبل أداء مناسك الحج.
الوعي وحسن الاختيار مدخلان للحد من الطلاق
وأكد أن تأهيل الشباب والفتيات قبل الزواج يمكن أن يسهم في تقليل حالات الانفصال، خصوصاً تلك الناتجة عن الجهل بالحقوق والواجبات أو سوء الاختيار أو اختلاف التوقعات، إلى جانب أهمية دور الأهل في اختيار فترة خطوبة مناسبة وعدم تركها تمتد لسنوات.
وشدد جابر في ختام حديثه لـ"نساء إف إم" على أن معالجة ظاهرة الطلاق قبل الدخول تتطلب وعياً أكبر لدى الأسرة والمقبلين على الزواج، يبدأ من حسن الاختيار والتكافؤ، ويمر بتقليل فترة الخطوبة وفهم الحقوق والواجبات، ووضع حدود واضحة لتدخل الأهل، والتعامل بوعي مع الصور المثالية التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب والفتيات.