فوائد الديون الحكومية تتضاعف إلى 800 مليون شيكل وتهدد الخدمات العامة.. المواطن والموظف يدفعان الثمن
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن- قال الصحفي الاقتصادي أيهم أبو غوش إن فوائد الديون الحكومية تشكل جزءاً مهماً من الأعباء المالية على الموازنة الفلسطينية، موضحاً أن الحكومة تدفع حالياً نحو 800 مليون شيكل فوائد على ديونها، مقارنة بنحو 400 إلى 450 مليون شيكل في السنوات السابقة، في ظل تفاقم الأزمة المالية وتراجع الإيرادات واحتجاز أموال المقاصة.
وأوضح أبو غوش، في حديث لإذاعة "نساء إف إم"، أن الديون الحكومية هي الأموال التي تقترضها الحكومة من جهات مختلفة، على أن تسدد أصل الدين إلى جانب فائدة متفق عليها مع الجهة المقرضة، سواء كانت من الجهاز المصرفي أو صندوقاً أو مؤسسة مالية.
وأشار إلى أن قيمة الفائدة تختلف من قرض إلى آخر، بحسب مدة القرض وحجمه ومستوى المخاطر، وبالتالي لا تخضع جميع القروض الحكومية لنسبة فائدة واحدة، بل تحدد وفقاً للتفاوض بين الطرفين.
ديون محلية وخارجية
وبيّن أبو غوش أن الحكومة لا تقترض فقط من البنوك والجهاز المصرفي، وإنما لديها ديون لدى جهات محلية وخارجية، من بينها بنك التعاون الألماني والبنك الدولي، إضافة إلى قروض ثنائية من دول مثل إسبانيا وإيطاليا، وصناديق عربية وإسلامية.
وأوضح أن هذه الديون تندرج ضمن الدين المحلي والخارجي، وتترتب عليها فوائد وفق شروط كل قرض والجهة المقرضة.
وأشار إلى أن أكبر قرض حصلت عليه الحكومة كان القرض المجمع في نهاية عام 2023، والذي بلغت قيمته نحو 3 مليارات شيكل، موضحاً أن الحكومة تدفع حالياً نحو 800 مليون شيكل فوائد، بعدما كانت تدفع في السنوات السابقة ما بين 400 و450 مليوناً كحد أقصى.
وأرجع هذا الارتفاع إلى زيادة الاقتراض وتأجيل سداد أقساط القروض، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تضخم أكبر في حجم الدين وتكاليف خدمته.
احتجاز المقاصة وتراجع الإيرادات
وقال أبو غوش إن الحكومة، في ظل الأزمة المالية، عمقت أزمتها من خلال اللجوء إلى الاقتراض، في وقت أصبحت فيه مصادر إيراداتها الرئيسية شبه مشلولة أو متوقفة، وعلى رأسها أموال المقاصة التي تشكل نحو 68% من الإيرادات.
وأضاف أن الإيرادات المحلية تراجعت أيضاً نتيجة الظروف الاقتصادية والحرب وتراجع دورة الاقتصاد، موضحاً أن الحكومة تصلها إيرادات لا تزيد، في أفضل الأحوال، على نحو 20% مما تحتاجه لتغطية نفقاتها.
وبيّن أن الحكومة، عندما تتخذ قراراً بصرف نصف راتب أو غيره، تلجأ إلى الاقتراض لتوفير السيولة، مشيراً إلى أن عدم قدرتها على تسديد القروض السابقة يدفعها إلى طلب تأجيل الأقساط، وهو ما يؤدي عادة إلى فرض فوائد جديدة وزيادة تكلفة الدين.
فوائد إضافية على الموظفين
وأوضح أبو غوش أن المشكلة تنعكس أيضاً على موظفي القطاع العام، الذين يؤدي عدم انتظام رواتبهم إلى عدم قدرتهم على سداد قروضهم في مواعيدها، وبالتالي إعادة جدولة القروض وفرض فوائد إضافية عليهم.
وأشار إلى أن الحكومة نفسها لا تسدد خلال العام الحالي أقساط القروض، وإنما تكتفي بتسديد الفوائد المستحقة عليها نتيجة العجز المالي.
وقال إن العجز الحكومي لا يثقل كاهل السلطة فقط، بل ينعكس كذلك على الموظف الذي لا يتقاضى راتبه كاملاً، ويواجه في الوقت ذاته أعباء قروض وفوائد متراكمة.
المواطن يدفع الكلفة
وحول الجهة التي تتحمل كلفة فوائد الدين، قال أبو غوش إن المواطن هو من يدفع الثمن في النهاية وبأكثر من طريقة.
وأوضح أن فوائد الاقتراض تنعكس على المواطن من خلال الضرائب، باعتبار أن الجزء الأكبر من إيرادات السلطة يأتي من الضرائب، كما تنعكس من خلال تراجع الإنفاق الحكومي على الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، نتيجة توجيه جزء أكبر من الموارد إلى خدمة الدين.
وأشار إلى أن الحكومات في العديد من دول العالم تعتمد على أدوات دين مثل السندات، بدلاً من منافسة القطاع الخاص والأفراد على الاقتراض المصرفي، بينما لجأت الحكومة الفلسطينية طوال السنوات الماضية إلى الاقتراض من الجهاز المصرفي نتيجة الأزمات المالية المتتالية.
وأكد أن ارتفاع الفائدة من نحو 420 إلى 430 مليون شيكل خلال ثلاث أو أربع سنوات إلى نحو 800 مليون حالياً يمثل ارتفاعاً كبيراً، سببه زيادة الاقتراض وتأجيل أقساط القروض.
فوائد القروض وشروط الاقتراض
وفيما يتعلق بعدالة الفائدة المصرفية المفروضة على الحكومة، أوضح أبو غوش أن الحكومة هي التي وقعت اتفاقيات الاقتراض ووافقت على شروطها، لكن نسبة الفائدة تختلف بين قرض وآخر وبين عملة وأخرى.
وأشار إلى أن القرض المجمع الذي حصلت عليه الحكومة نهاية عام 2023، والبالغ نحو 3 مليارات شيكل، تترتب عليه فائدة تقارب 6% على الشيكل، و5.5% على الدينار، و5.5% على الدولار.
وقال إن هذه النسب قد تكون قريبة من معدلات الاقتراض الحكومي في دول أخرى إذا تمت المقارنة بالاقتراض من القطاع المصرفي، إلا أن الوضع الفلسطيني مختلف بشكل كبير بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية والاستثنائية التي تمر بها السلطة الفلسطينية.
وأوضح أن البنوك تعمل وفق نظام الفوائد في النظام المصرفي التقليدي، وبالمرابحة والمضاربة في النظام المصرفي الإسلامي، مشيراً إلى أن البنوك شركات مساهمة لديها التزامات تجاه مساهميها لتحقيق الأرباح، وكذلك تجاه أصحاب الودائع.
وأضاف أن الأموال التي تقرضها البنوك للحكومة هي في النهاية أموال المودعين الذين ينتظرون تحقيق عائد عليها.
الاحتلال والإنفاق الحكومي
وأشار أبو غوش إلى أن السبب الرئيسي في ارتفاع أعباء الدين يعود، من وجهة نظره، إلى الاحتلال نتيجة الأزمات التي خلقها للسلطة الفلسطينية، وخاصة منذ ما بعد السابع من أكتوبر واحتجاز أموال المقاصة.
وأضاف أن السلطة تتحمل أيضاً مسؤولية بعض أوجه الإنفاق التي كان يفترض مراجعتها بهدف تخفيض العجز وتقليل الحاجة إلى الاقتراض.
وقال إن أسعار الفائدة البنكية بين مختلف الأطراف تحتاج إلى مراجعة لتحقيق التوازن بين المصالح، مشيراً إلى إمكانية أن تتخلى البنوك خلال هذه المرحلة عن جزء من أرباحها للمساهمة في منع تفاقم الأزمة.
ودعا إلى إعادة التفاوض مع الحكومة لتخفيض الفائدة وإقرار نسب أكثر عدالة، خاصة في ظل الظروف الفلسطينية الحالية.
دعوات إلى خفض الإنفاق
وحول الحلول الممكنة لتقليل أعباء فوائد الدين، قال أبو غوش إن الحكومة مطالبة أولاً بإعادة النظر في نفقاتها، مؤكداً أنه لا يمكن استمرار الإنفاق بالمستويات الحالية.
وأشار إلى أن فاتورة الرواتب والأجور تشكل أحد أكبر مصادر الضغط على السلطة الفلسطينية، داعياً إلى إعادة ترشيدها وتوجيهها لتكون أقل، وضارباً مثالاً بإمكانية خفض الفاتورة الكاملة من نحو مليار شيكل شهرياً إلى 700 مليون.
وحذّر من أن عدم إعادة النظر في النفقات سيبقي الحكومة في الأزمة نفسها، وسيجبرها على مزيد من الاقتراض، وبالتالي زيادة فوائد الدين.
وأكد أن المواطن يدفع ثمن ذلك مرتين؛ الأولى من خلال الضرائب التي تساهم في تمويل فوائد الدين، والثانية من خلال تراجع الخدمات الحكومية في قطاعات الصحة والتعليم وغيرها.
ثلاثة مسارات لمعالجة الأزمة
وقال أبو غوش إن وزير المالية تحدث عن الأعباء التي فرضتها فوائد الدين على السلطة، لكنه رأى أن هناك جانباً آخر يجب فتح النقاش حوله، وهو الفوائد التي فرضت على الموظفين طوال سنوات الأزمة نتيجة العجز الحكومي وإعادة هيكلة قروضهم.
ودعا إلى معالجة هذا الملف أيضاً، باعتبار أن الموظفين تحملوا أعباء إضافية نتيجة عدم انتظام صرف الرواتب.
وحدد أبو غوش ثلاثة مسارات رئيسية لمعالجة الأزمة، تتمثل أولاً في إجراء ما وصفه بـ«عملية جراحية» في الإنفاق العام، بحيث تتواءم النفقات مع الإيرادات.
ويتمثل المسار الثاني في العمل على الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، باعتبار أن استمرار تقديم الخدمات الأساسية يصعب من دونها.
أما المسار الثالث، فيتمثل في إعادة التفاوض بين الحكومة والقطاع المصرفي والمقرضين المحليين والخارجيين، للوصول إلى نسب فائدة معقولة تتناسب مع الظروف الاقتصادية الفلسطينية.
وأكد أن معالجة أزمة فوائد الدين لا يمكن أن تتم من خلال الاستمرار في الاقتراض وتأجيل السداد فقط، وإنما تحتاج إلى معالجة شاملة للأسباب التي أدت إلى تضخم الدين، عبر ضبط الإنفاق، وتوفير الموارد المالية، والإفراج عن أموال المقاصة، وإعادة النظر في شروط الاقتراض والفوائد، بما يخفف الأعباء عن الحكومة والمواطنين والموظفين.