"القصة العشرون لم تأتِ بعد".. نبال ثوابتة تروي وجع النساء الفلسطينيات بلا أقنعة !
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن-القصة العشرون لم تأتِ بعد عنوان لا يكتفي بفتح كتاب، بل يترك الباب موارباً أمام حكاية امرأة ما زالت تنتظر أن يسمعها أحد. بهذا العنوان اختارت الكاتبة الفلسطينية نبال ثوابتة أن تدخل إلى مساحة حساسة في الأدب الفلسطيني، واضعةً المرأة في مركز المشهد، لا بوصفها شخصية هامشية في الحكاية، بل صاحبة صوت وتجربة وذاكرة ومشاعر تستحق أن تُروى كما هي.
وخلال أمسية ثقافية احتضنتها مؤسسة مريم لمكافحة السرطان في رام الله، أطلقت ثوابتة كتابها "القصة العشرون لم تأتِ بعد"، الذي يضم 19 قصة مستوحاة من حكايات 19 امرأة فلسطينية، تتقاطع فيها تفاصيل الحياة اليومية مع الحب والفقد والخذلان والقيود الاجتماعية والصراع مع نظرة المجتمع، في محاولة لكسر الصورة التقليدية التي غالباً ما تُقدَّم بها المرأة الفلسطينية باعتبارها قوية وصلبة لا تنكسر.
وفي حديثها لـنساء إف إم، وصفت ثوابتة يوم إطلاق الكتاب بأنه واحد من أسعد أيام حياتها، قائلة إنها تشعر وكأنها وُلدت من جديد مع هذه التجربة، موضحة أن الحكايات بدأت معها منذ سنوات، حين كانت تستمع إلى والدتها وجاراتها وهن يتحدثن أثناء قيامهن بالأعمال اليومية عن همومهن وتفاصيل حياتهن.
ومن هذه التفاصيل العادية، بدأت الكاتبة في التقاط ما وراء الكلام؛ الحكايات التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل داخلها عالماً كاملاً من الألم والأسئلة والصمت. لتتحول الأحاديث اليومية إلى مادة أدبية تمنح النساء مساحة للتعبير عن ذواتهن، بعيداً عن القوالب الجاهزة.
وتقول ثوابتة إن الكتاب، رغم سلاسة قصصه ومتعتها، يحمل «جرأة عالية وحقيقية» في طرح القضايا، مشيرة إلى أن القارئ سيكتشف في هذه الصفحات «النفس القوي للمرأة الفلسطينية»، وقدرتها على طرح قضاياها بصوتها وقلمها ومشاعرها وبالطريقة التي تختارها هي.
.jpeg)
هذه الجرأة، بحسب ثوابتة، كانت سبباً في ترددها قبل نشر المجموعة، إذ لم يكن القلق متعلقاً بالكتابة بقدر ما كان مرتبطاً بمصير بطلات القصص، لأن كل امرأة تظهر في الكتاب وهي تفتح جزءاً من حياتها أمام الجمهور، وتضع تجربتها الشخصية في مواجهة نظرة الآخرين.
ومن بين هذه الحكايات، تتوقف ثوابتة عند قصة هند، التي تدور أحداثها في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تحمل الفتاة وصمة اجتماعية ثقيلة بسبب اتهام والدها بالعمالة، قبل أن تقع في حب شاب من الفدائيين الملثمين. وهنا لا تكتفي القصة بسرد علاقة عاطفية، وإنما تضع المرأة أمام سؤال الهوية والحكم الاجتماعي والحق في الحب، وكيف يمكن للإنسانة أن تحاول بناء حياتها بينما يلاحقها اسم والدها وتاريخ عائلتها.
وتكشف ثوابتة أن اختيار عنوان الكتاب جاء من فكرة المرأة الغائبة التي لم تُسمع حكايتها بعد. فبعد 19 قصة، لم تعد تنتظر ظهور البطلة العشرين، بل أصبحت ترى أن «البطلة العشرين» امرأة موجودة بالفعل، لكنها لم تجد بعد المساحة التي تسمح لها بأن تحكي قصتها.
وهنا تتحول «القصة العشرون» من مجرد رقم إلى رمز؛ امرأة أخرى ما زالت خلف الصمت، أو خلف الخوف، أو خلف الأحكام الاجتماعية، تنتظر لحظة امتلاك صوتها.
واللافت في تجربة ثوابتة أنها لا تقدم المرأة الفلسطينية في صورة واحدة، ولا تحصرها في مفردات الصمود والقوة والتحدي فقط. وتقول إن الأدب اعتاد تقديم المرأة الفلسطينية باعتبارها صامدة وقوية ولا تنكسر، لكنها اختارت في هذه المجموعة أن تمنحها أيضاً «حق الانهيار»، مؤكدة أن انهيار المرأة لا يلغي سنوات تعبها وألمها وصمودها، لأنها في النهاية إنسانة لها مشاعر وحدود وضعف واحتياجات.

وتؤكد ثوابتة أنها لا تصنف نفسها بالضرورة ضمن أدب النسويات، رغم احترامها لهذه التجربة، موضحة أن توجهها جاء بصورة طبيعية ومعاشة، بعدما شعرت بوجع النساء اللواتي كتبت عنهن، ووجدت نفسها تعبر عنهن وكأنها تعيش تجاربهن.
أما دار طباق للنشر والتوزيع، فأكدت أن العمل يفتح نافذة مختلفة لحضور المرأة في الأدب الفلسطيني، ويبتعد عن الصور النمطية التي اختزلت حضورها في أدوار محددة، فيما رأى المخرج السينمائي محمد العطاري أن جرأة ثوابتة تكمن في اقتحامها القضايا الاجتماعية داخل الأسرة الفلسطينية، في وقت تطغى فيه القضية السياسية والاحتلال على مساحة واسعة من السرد الفلسطيني.
ويرى العطاري أن الكتاب يذهب إلى منطقة أخرى؛ إلى ما يحدث خلف أبواب البيوت، وإلى المشكلات الاجتماعية التي تعيشها النساء، مؤكداً أن طرح هذه القضايا يحتاج إلى شجاعة وجرأة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة داخل الأسرة والمجتمع.
وبين الحكاية الأولى والتاسعة عشرة، لا تقدم ثوابتة مجرد قصص عن نساء، بل تحاول إعادة تعريف موقع المرأة داخل الحكاية الفلسطينية نفسها؛ من موضوع يُروى عنه إلى ذات تتحدث عن نفسها، ومن صورة نمطية إلى شخصية كاملة تحمل التناقضات والألم والحب والخوف والانهيار والصمود.