العيب وسلطة العرف كيف يحرم التحييز الاجتماعي ميراث النساء في فلسطين.
رام الله / نساء FM ولاء عصفور
حين جلس الأب مع ابنائه وبناته ليقرر مصير البيت والأرض، بدا الأمر وكأنه اجتماع عائلي عادي. لم يكن هناك صراخ ولا تهديدات ولا خصومات، فقط سؤال هادئ وجهه الاب الى البنات "هل تريدنّ حصتكنّ من الميراث؟"
|
"لم يكن هناك صراخ وتهديدات ... فقط سؤال هادئ". |
تتذكر خديجة (اسم مستعار) البالغة من العمر اثنين وأربعين عاماً، تلك اللحظة بتفاصيلها. كانت متزوجة ولديها أسرة تعيش ظروفاً اقتصادية غير مستقرة، وكانت تعوّل على أن حصتها من الميراث قد تخفف عن عائلتها سنوات من الضيق المالي.
لم تفكر طويلاً في حاجتها، بل في نظرات والديها وفي رد فعل أخواتها، وفي ذلك الشعور الثقيل الذي يرافق أي أبنة تفكر المطالبة بحقها.
تقول خديجة إن سؤال الوالد لم يكن مفتوحاً كما بدا، بل كان محاطاً بصمت طويل، وعادات أقدم من الجميع. شعرت أن الإجابة المنتظرة معروفة مسبقاً، وأن الاعتراض قد يُقرأ باعتباره عقوقاً، أو طمعاً، او تهديداً لتماسك الأسرة. فكان خيارها التنازل عن حقها، ولم يكن القرار منفرداً، بل اتخذت أخواتها القرار نفسه. لم يكن ذلك اتفاقاً مكتوباً بل استجابة لضغط اجتماعي يجعل التنازل يبدو الخيار الأكثر اماناً، والأقل كلفة على العلاقات العائلية.
سجل الأب البيت والأرض بأسماء الذكور فقط وأغلق الملف داخل العائلة، ولم ينظر إلى ما جرى باعتباره حرماناً من حق، بل حفاظاً على المحبة وتجنباً للخلافات واحتراماً لرغبة الأب.
في غرف المحاكم الشرعية وفي المضافات العائلية الممتدة في القرى والمدن الفلسطينية، تخاض يومياً مثل هذه المعارك الصامتة، أسلحتها ليست الرصاص بل العادات والتقاليد والضغط النفسي المسلّط على رقاب الاناث. ورغم ان الشرائع والقوانين واضحة في تحديد حصص الإرث، الا أن الموروث الثقافي غالباً ما يقف عائقاً أمام حصول النساء على حقهن في الميراث، بفعل التحييز الاجتماعي للذكور.
وحكاية خديجة ليست استثناءً، فبين الخوف من خسارة العائلة، واستغلال الثقة، تتكرر قصص حرمان المرأة من الميراث بأشكال مختلفة.
|
"الأوراق جاءت من يد اقاربي الذين اثق بهم". |
نادية (اسم مستعار) لم تشعر يوماً أنها بحاجة إلى قراءة الأوراق قبل التوقيع، فالأوراق جاءت من يد أقاربها وهمّ اهلٌ للثقة بنظرها. فبعد وفاة والدتها طلب منها أخوالها التوقيع بحجة استكمال معاملة تقسيم التركة مؤكدين أن لها ولشقيقاتها قطعة أرض مقابل حصصهن، فاطمأنت ووقعت دون أن تعرف قيمة الأملاك أو تفاصيلها. لكن الحقيقة ظهرت متأخرة، إذ اكتشفت أن توقيعها كان بوابة للتنازل عن حقها، بينما انتقلت الأراضي الأكثر قيمة إلى أخوالها، ما ترك في داخلها شعوراً مريراً بأن ما سلبه اقرب المقربين منها لم يكن الميراث فقط، بل الثقة التي جمعتها بأخوالها لسنوات.
|
العاطفة اولاً ومن ثم القطيعة". |
اما ريم (اسم مستعار) فحكايتها مختلفة. بعد وفاة والدها حاول اخوتها اقصاءها وأخواتها من الميراث "بحجة ان الأرض لا تخرج لغريب، والغريب بنظرهم هو زوجي واولادي. أيقنت حينها أن الحقوق لا توهب بل تنتزع، فلجأت إلى محام مختص في القضايا الشرعية وقضايا الميراث، وبدأت رحلة تقصي وحصر إرث دامت أكثر من عامين".
تشرح ريم "كانت جلسات المحاكم منهكة، ونظرات الأقارب لي في القرية كأنني ارتكبت جريمة، لكن المحامي وظّف القانون بذكاء، وحصلت على حقي كاملاً بحكم المحكمة، ولكنني تمنيت أن أحصل على حقي من البداية من غير المقاطعة واللجوء للمحاكم".
بما أمر الله
على الجانب الاخر، لا تنتهي جميع قصص الميراث بالحرمان أو التحايل. فبين هذه الشهادات برزت قصة منى (اسم مستعار) التي رأت في تقسيم تركة والدها "نموذجاً للعدالة التي تحفظ الحقوق وتبقي العائلة متماسكة". فبعد وفاة والدها اجتمع الأشقاء لحصر التركة وتقسيمها دون جدال أو تمييز. توضح منى ان اشقاءها حرصوا منذ البداية على أن "يأخذ كل وريث نصيبه كما حدده الشرع والقانون، فلم يفضلوا ذكراً على أنثى، ولم يُطلب من أي من الأخوات التنازل عن حقها".
وتضيف أن الوازع الديني، وخشية الأشقاء من الوقوع في ظلم أخواتهم، كان الدافع الحقيقي وراء هذا الموقف، إلى جانب رغبتهم في الحفاظ على المحبة وصلة الرحم داخل الأسرة. وتختم منى حديثها بالدعاء "أسأل الله أن يبارك لهم في أرزاقهم وأبنائهم، وأن يديم المحبة والألفة بيننا، فقد انصفونا كما أمر الله".
التحييز الاجتماعي في الميراث
أساليب التحايل على ميراث المرأة في المجتمع الفلسطيني متعددة، وتزداد بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية. ولكن المؤسسات الحقوقية والنسائية، وهيئات القضاء والإفتاء والاوقاف تجمع على ان أبرز هذه الأساليب ما يعرف بالتخارج الجائر، وتقسيم الموروث ورثته في حياته كالهبة، والبيع الصوري من خلال عقود بيع وشراء وهمية، دون قبض فعلي في حياة الوالد لإعطاء الذكور دون النساء، والترضية بإقناع المرأة للتنازل عن حصتها مقابل مبلغ مالي زهيد مقارنة بالقيمة الفعلية للتركة، وإخفاء مستندات التركة وحسابات البنوك وحصر الإرث عن المرأة لتعجيزها أمام معرفة ما تملكه أصلاً، والضغط الاجتماعي، ناهيك عن التهديد بالقطيعة والحرد، إضافة لثقافة العيب عند المطالبة بالورثة، وقناعة ان المال لا يخرج لغريب.
الحكم الشرعي
يؤكد مدير معهد الدعاة في وزارة الأوقاف الفلسطينية الدكتور الشيخ ماجد صقر أن القرآن الكريم "كفل حق المرأة في الميراث بآيات قطعية الدلالة لا تحتمل التأويل او الاجتهاد"، معتبراً أن حرمان المرأة من ميراثها وحقوقها الشرعية "محرّم قطعاً، وعدوان صريح على حدود الله"، مستشهداً بالآية (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن).
ويصف صقر ما يحدث في المجتمع الفلسطيني من "أساليب التحايل لحرمان المرأة من الميراث هو التخارج الجائر، والبيع الصوري. اي كتابة الأب أملاكه وهو على قيد الحياة للأبناء الذكور بعقود بيع وشراء وهمية".
ويضيف ان الكثير من الحالات تجبر النساء على التنازل بالإكراه بفعل الضغط النفسي والاجتماعي مما يدفعها للخوف من القطيعة والترضية مقابل مبالغ ضئيلة، وهو ما يعتبر "محرّم وباطل شرعاً ولا تبرأ به ذمة الورثة الذكور أمام الله". موضحاً ان الترضية يجب ان تكون "عن طيب نفس مطلق وبمعرفة كامله من المرأة بحجم حصتها الحقيقية وقيمتها السوقية، اما ان تعطى فتاتاً ويقال لها هذه "رضوتك" تحت التهديد الضمني، فهذا أكل لأموال الناس بالباطل".
ويشير صقر إلى أن المؤسسات الدينية وعلى رأسها وزارة الأوقاف ودار الإفتاء والمساجد تقوم بالإرشاد المجتمعي ونشر الوعي من خلال الدروس الدينية وخطب الجمعة وأطلاق حملات توعوية تحذر من أكل حقوق المرأة.
تشريعات كافية لكنها تحتاج لتعديل إجرائية
من جانبه يؤكد المحامي تامر صالح ان السبب الرئيسي لحرمان النساء من الميراث او التلاعب به "ليس ضعف القانون والنصوص الشرعية، فهي واضحة وحازمة في تحديد الأنصبة، بل العادات والتقاليد والمفاهيم الذكورية البالية، كعدم خروج المال للغريب أي زوج المرأة وأبنائها. لكن يلام القانون أحياناً على بطء إجراءات التقاضي مما يمنح الثقافة السائدة فرصة للضغط على المرأة وإرهاقها نفسياً ومالياً".
ويشير صالح ان "النخبة القانونية ترى أن النصوص الفقهية المطبقة كافية من حيث المبدأ، لكن هناك حاجة ماسة لتعديلات إجرائية أبرزها منع إجراء التخارج إلا بعد مرور ثلاثة إلى ستة أشهر على الوفاة لحماية المرأة من الضغط أثناء فترة الحزن. وفرض عقوبات جزائية مثل الحبس والغرامة على من يثبت حجبه لأموال التركة بدلاً من ترك القضية في دائرة المحاكم المدنية لسنوات"، مشيراً إلى ان بعض الدول كمصر قد بدأت فعلاً بتطبيق عقوبات جنائية تصل إلى الحبس ستة أشهر وغرامات مالية كبيرة على الممتنعين عن تسليم الحقوق.
يؤكد صالح ان أي تنازل عن الميراث تحت الإكراه أو التدليس أو الغبن الفاحش هو باطل لانعدام الرضا الحر كشرط أساسي لصحة أي عقد، وذلك استناداً إلى المادة رقم (1006) من مجلة الأحكام العدلية، التي وضعت في العصر العثماني وما زالت مرجعاً في بعض المذاهب الفقهية، وتنص المادة على أن "لا يعتبر البيع الذي وقع بإكراهٍ معتبر ولا الشراء ولا الإيجار ولا الهبة ولا الفراغ ولا الصلح والإقرار والإبراء عن مالٍ ولا تأجيل الدين ولا إسقاط الشفعة، مُلجئاً كان الإكراه أو غير مُلجئ، ولكن لو أجاز المكره ما ذكر بعد زوال الإكراه يعتبر"، ويضيف أن التحدي الأكبر أمام دعاوى الميراث في المحاكم الشرعية، يكمن في إثبات هذا الإكراه أمام القاضي،عبر شهود أو قرائن مادية مثل توقيت التنازل المفاجئ أو غياب أي مقابل مالي معقول مقابل الحصة.
ويشير صالح إلى انه على الرغم من ان القانون يسمح باللجوء إلى القضاء، الا ان النساء لا تلجأ إليه بسهولة، "فالمحكمة خيار اضطراري وأخير لأن هناك الكثير من المعيقات أمام المرأة منها العائق المادي كتكاليف المحاماة والرسوم والخبراء، والعائق الاجتماعي كالخوف من فقدان السند العائلي والوصم بالجشع، واتهامها بتخريب البيت، إضافة إلى الجهل القانوني بعدم معرفة الإجراءات أو كيفية الوصول للمعلومات".
أخطاء شائعة
تحذر الجهات والهيئات القانونية من ثلاثة اخطاء شائعة تقع فيها النساء حسب المحامي صالح أولها الصلح الشفوي غير الموثق، أي الاكتفاء بوعود شفوية دون تحرير سند رسمي في المحكمة أو التوثيق العدلي. وثانيها الانتظار لفترات طويلة التقادم مما يصعب إثبات التركة ويفقد الشهود والوثائق، وثالثها التوقيع على بياض أو على أوراق دون قراءتها بحجة الثقة أتناء غمرة الحزن، هذه الأخطاء غالباً ما تنتهي بأحكام قضائية بعد سنوات، أو بصلح مفروض مجحف في أروقة المحاكم هروبا من طول الانتظار وإرهاق التقاضي" حسب صالح.
المؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني: دور توعوي التحييز
تعمل المؤسسات النسوية الفلسطينية على نشر الوعي في المجتمع حول حقوق الميراث. ولا يقتصر عملها على توعية النساء بل الرجال ايضاً كون غالبية قضايا الميراث تقع في قبضة الرجل.
من بين المؤسسات التي تتصدر هذه الحملات، يبرز مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي الذي ينظم بشكل دوري ندوات وورشات عمل لتوعية النساء بحقوقهن بالميراث، وتقديم الدعم القضائي المجاني حسب ما يوضع مدير وحدة الارشاد في المركز نبيل دويكات "يقدم المركز لكل من الحالات التي تلجأ اليه الاستشارة القانونية والمرافعة القضائية بشكل مجاني بما يضمن حصول المرأة حقوقها، ويفتح المركز ابوابه لكل من تطرقها من النساء المسلوبة حقوقهن". ويضيف دويكات ان المركز قد اجرى في السنوات السابقة دراسة معمقة عن الميراث والمرأة في فلسطين وأصدر من خلالها توصيات وطنية بهذا الشأن.
ويؤكد دويكات ان إقبال النساء على الخدمات الداعمة المجانية لهن بعد ان "وصلن الى نتيجة مرضية بحصول المرأة على حقها من خلال تدخلاتنا الارشادية والقانونية".
الأثار السلبية للتحيز الاجتماعي على المرأة
تأثير حرمان المرأة من حقوقها في الميراث لا يقتصر على العامل الاقتصادي بل أيضا على الصعيدين النفسي والاجتماعي. فاقتصادياً يزيد تعرضها للفقر والتبعية المالية، كما يحرمها من امتلاك أصول او استثمار يضمن لها دخلاً مستداماً وينعكس سلباً على استقرار الأسرة ويعمق الفجوة الاقتصادية بين النساء والرجال في المجتمع.
اما على الصعيد النفسي والاجتماعي تشعر النساء بالدونية نتيجة التحييز الاجتماعي الذكوري، إضافة الى الشعور بالذنب نتيجة اتهامها بتفكيك الروابط الأسرية وزيادة القطيعة، وخلق الكراهية والبغضة والحقد وتحميلها مسؤولية تناقل كل هذا عبر الأجيال.