
غزة- نساء FM-في مجتمعٍ طالما ارتبط فيه لقب "المختار" بصورة الرجل صاحب الكلمة المسموعة، ووجاهة العائلة الكبيرة، ومجالس الصلح التقليدية، جاءت من غزة حكاية مختلفة كسرت المألوف، لتفتح بابا جديدا في عالم الإصلاح المجتمعي.
فاتن حرب، عضو مجلس بلدي دير البلح وواحدة من أوائل السيدات اللواتي اقتحمن مجال الإصلاح المجتمعي في قطاع غزة، أكدت أن ظهور المرأة المختارة لم يكن ترفا اجتماعيا أو محاولة لكسر المألوف، بل جاء استجابة لحاجة حقيقية فرضتها الحروب المتتالية والأزمات الاجتماعية المتفاقمة داخل المجتمع الغزي.
وخلال مشاركتها في برنامج "طلة صباح" الذي يبث عبر فضائية وشبكة معاً الإعلامية وإذاعة الرابعة، ويقدمه الاعلامي عادل غريب قالت حرب "إن وجود المرأة في مجال الإصلاح أصبح ضرورة في العديد من القضايا الأسرية التي تحتاج إلى خصوصية وحساسية لا تستطيع بعض النساء الحديث بشأنها أمام الرجال".
وأضافت أن المختارة تستطيع احتواء الكثير من المشكلات الأسرية بعيدا عن اتساع دائرة الخلافات بين العائلات، وبما يحفظ كرامة الزوجة والأسرة ويمنع تفككها، مؤكدة أن العديد من القضايا تحتاج بالفعل إلى تدخل امرأة وليس رجلاً.
من رفض المجتمع إلى ثقة الناس
وتحدثت حرب عن بدايات تجربتها، مشيرة إلى أن المجتمع لم يكن يتقبل بسهولة فكرة وجود امرأة تحمل لقب "مختارة"، وأنها واجهت في البداية رفضا وانتقادات واسعة، بل وحتى تنمرا وتشكيكاً بقدرتها على القيام بهذا الدور.
وقالت إن الميدان كان الفيصل الحقيقي في تغيير هذه النظرة، بعدما نجحت في حل عشرات القضايا الاجتماعية والأسرية، الأمر الذي ساهم في تحول الرفض إلى قبول، ثم إلى ثقة واحترام من مختلف فئات المجتمع.
وأكدت أن وصولها لاحقاً إلى عضوية مجلس بلدي دير البلح جاء نتيجة مباشرة للعمل المجتمعي الذي قامت به، وللأثر الذي تركته في محيطها الاجتماعي.
المختارة ليست بديلا عن المختار
وشددت حرب على أن تجربة المختارات في غزة لا تستهدف إلغاء دور رجال الإصلاح أو المخاتير التقليديين، بل تأتي استكمالاً لهذا الدور وتكاملاً معه، خصوصاً في القضايا النسوية والأسرية التي تتطلب وجود امرأة قادرة على فهم تفاصيلها النفسية والاجتماعية.
وأضافت أن المجتمع الفلسطيني ما زال يعتز بالموروث الاجتماعي وبمكانة رجال الإصلاح، مؤكدة أن وجود النساء في هذا المجال يمثل إضافة نوعية وليس منافسة لأحد.
تدريب وتأهيل وليس عملا عشوائيا
وأوضحت حرب أن النساء العاملات في مجال الإصلاح لم يدخلن هذا المجال بشكل عشوائي، وإنما تلقين تدريبات متخصصة في القوانين والأعراف وآليات حل النزاعات والوساطة المجتمعية.
وأشارت إلى الدور الذي لعبه المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات في تأهيل المختارات وإعدادهن لتحمل هذه المسؤولية المجتمعية الحساسة.
قضايا أسرية وميراث وعنف وخلافات زوجية
وكشفت المختارة فاتن حرب عن طبيعة القضايا التي تتعامل معها، والتي تتنوع بين الخلافات الزوجية، وقضايا العنف الأسري، والنزاعات المالية بين الأزواج، وقضايا الميراث والحضانة والمشاهدة، إلى جانب الخلافات بين أفراد العائلة الواحدة وبين الزوجة ووالدة الزوج أو بين الزوجات وأسرهن.
وأوضحت أن بعض النساء يجدن في المختارة ملاذاً آمناً للحديث عن مشكلات خاصة قد يشعرن بالحرج من طرحها أمام رجال الإصلاح، وهو ما يجعل وجود المرأة في هذا الموقع ضرورة مجتمعية حقيقية.
الحرب رفعت العبء على رجال ونساء الإصلاح
وأكدت حرب أن العدوان على قطاع غزة وما رافقه من انهيار في المنظومة العدلية وتعطل العديد من المؤسسات الرسمية، ضاعف من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق رجال ونساء الإصلاح.
وقالت إن المخاتير والمصلحين لعبوا دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المجتمع ومنع الانزلاق نحو الفوضى والتفكك، رغم الظروف الإنسانية والمعيشية القاسية التي عاشها القطاع.
وأضافت أن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر فرضت تحديات غير مسبوقة، وأظهرت الحاجة المتزايدة إلى جهود الإصلاح المجتمعي للحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي الفلسطيني.
المرأة الفلسطينية قادرة على اتخاذ القرار
وفي رسالة حملت أبعاداً اجتماعية ووطنية، شددت حرب على ضرورة تمكين المرأة الفلسطينية وتعزيز حضورها في مواقع صنع القرار، مؤكدة أن المرأة الفلسطينية أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تحمل المسؤوليات الوطنية والاجتماعية والإنسانية.
وقالت إن ما عاشته نساء غزة خلال الحرب من صمود وتحمل للمسؤوليات والأعباء الاستثنائية، يؤكد أن المرأة الفلسطينية قادرة على أن تكون في الصفوف الأولى لخدمة مجتمعها ووطنها.
دعوة إلى التماسك المجتمعي
وفي ختام حديثها، وجهت المختارة فاتن حرب رسالة إلى المجتمع الفلسطيني دعت فيها إلى تعزيز التماسك المجتمعي والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات والظروف الصعبة.
وأكدت أن الأسرة الفلسطينية ستبقى حجر الأساس في صمود المجتمع، وأن دعم المرأة وتمكينها يمثلان أحد أهم مفاتيح النهوض بالمجتمع الفلسطيني واستقراره.
وقالت: "المجتمع الذي يريد النهوض والتقدم يجب أن يمنح نساءه الثقة والدعم والمساحة للمشاركة في خدمة مجتمعهن وصناعة مستقبلهن."
المصدر : معا
