.jpg)
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن : في ظل الحراك السياسي المتسارع الذي تشهده المنطقة، عادت العلاقة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية إلى واجهة المشهد، مع تصاعد الحديث عن مؤشرات توحي بوجود انفتاح أميركي تجاه السلطة، سواء عبر اتصالات سياسية ورسائل دبلوماسية، أو من خلال مواقف تتعلق بملفات اقتصادية وأمنية، أبرزها أموال المقاصة الفلسطينية.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة، وتتفاقم الأوضاع في الضفة الغربية، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية، أم أنها تندرج ضمن إدارة المرحلة الحالية ومنع مزيد من التدهور.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن ما يجري لا يمكن وصفه بأنه تقارب أمريكي حقيقي مع السلطة الفلسطينية، بقدر ما هو محاولة أمريكية للحيلولة دون انهيارها.
وأوضح، خلال حديثه لإذاعة "نساء إف إم"، أن الإدارة الأمريكية تدرك حجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها إسرائيل على السلطة، من خلال حجز أموال المقاصة، والإجراءات المالية، والتضييق المستمر، الأمر الذي يهدد بانهيار النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، وما قد يترتب على ذلك من حالة فوضى وتداعيات أمنية لا ترغب واشنطن في حدوثها خلال المرحلة الراهنة.
وأشار عنبتاوي إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إبقاء السلطة الفلسطينية قادرة على الاستمرار، ليس انطلاقاً من تغيير جذري في موقفها السياسي، وإنما لمنع حدوث فراغ سياسي وأمني قد ينعكس على مجمل الأوضاع في المنطقة.
ولفت إلى أن الخطوات الأمريكية الحالية لا تتجاوز كونها "مسكنات" للأزمة، مؤكداً أن أي تحول حقيقي كان يستوجب ممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل لوقف الاستيطان، والاعتداءات في الضفة الغربية، والاعتقالات، والحصار الاقتصادي المفروض على الفلسطينيين، وهي خطوات لم تظهر حتى الآن بشكل عملي.
وفيما يتعلق بالمطالبات الأمريكية بالإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية، أوضح عنبتاوي أن هذا الملف يرتبط برؤية أمريكية تهدف إلى الحفاظ على استمرارية السلطة الفلسطينية، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات "اليوم التالي" للحرب على قطاع غزة. وأضاف أن هناك توافقاً استراتيجياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الأهداف العامة، إلا أن الخلاف بينهما يتمحور حول آليات إدارة المرحلة الحالية، حيث تميل واشنطن إلى احتواء الأزمة وتهيئة الظروف لإدارة مدنية في قطاع غزة، بينما تواصل الحكومة الإسرائيلية السعي إلى تكريس سيطرتها العسكرية وإطالة أمد المواجهة.
وبيّن أن الخلاف يمتد أيضاً إلى الضفة الغربية، إذ تدفع الحكومة الإسرائيلية، بدعم من التيارات اليمينية المتشددة، نحو فرض وقائع جديدة على الأرض عبر توسيع الاستيطان وفرض مزيد من السيطرة، في حين ترى الإدارة الأمريكية أن استمرار الضغط على الفلسطينيين يجب أن يترافق مع توفير هامش يسمح ببقاء السلطة ومنع انهيارها، تجنباً لدخول المنطقة في مرحلة أكثر تعقيداً.
وأكد عنبتاوي أن المواقف الأمريكية ما زالت خاضعة للتغيرات السياسية داخل واشنطن، لافتاً إلى وجود تيارين داخل الإدارة الأمريكية؛ الأول يدعو إلى تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط وتقليص الانخراط الأمريكي في الأزمات الإقليمية، فيما يرتبط التيار الآخر بعلاقات سياسية وعقائدية مع اليمين الإسرائيلي، ويؤيد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو.
ويرى أن هذا التباين ينعكس على طبيعة العلاقة مع السلطة الفلسطينية، ويجعل السياسة الأمريكية عرضة للتبدل وفقاً للتوازنات الداخلية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستتحدد إلى حد كبير وفق نتائج اللقاءات الأمريكية الإسرائيلية المرتقبة، وما إذا كانت واشنطن ستنجح في فرض رؤيتها بشأن إدارة المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بقطاع غزة أو بالوضع في الضفة الغربية. كما شدد على أن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية لا يتوقف على القرار الأمريكي وحده، وإنما يرتبط أيضاً بقدرة الفلسطينيين على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتعزيز موقفهم في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية.
واختتم عنبتاوي بالتأكيد على أن المشهد لا يزال مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل استمرار الحرب، وتصاعد الضغوط على السلطة الفلسطينية، وتباين الرؤى داخل الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في رسم ملامح العلاقة بين واشنطن والسلطة الفلسطينية، وفي تحديد مسار التطورات السياسية في الأراضي الفلسطينية.
