الرئيسية » نساء في العالم العربي »  

العدالة الغائبة... كيف يفاقم الإفلات من العقاب استهداف النساء في سوريا
23 حزيران 2026

 

 

السويداء ـ نساء FM- تحت وطأة مشهد يختلط فيه الخوف بالرعب وتتسارع فيه وتيرة الانتهاكات الجسيمة، تتكشف في سوريا ملامح أزمة آخذة في الاتساع، تدفع النساء إلى واجهة الاستهداف المباشر. لم تعد حوادث الخطف مجرد وقائع فردية أو جرائم معزولة، بل تحولت إلى أداة ممنهجة للهيمنة، تُستخدم لكسر إرادة المجتمعات، وتمزيق نسيجها الاجتماعي.

مع تزايد التقارير الحقوقية التي توثق اختفاءات قسرية، وعنفاً جنسياً منظماً وزيجات قسرية، واستهدافاً موجهاً لنساء ينتمين إلى جماعات إثنية وطائفية محددة، تتصاعد المخاوف من تمدد دائرة الإفلات من العقاب، ومن انهيار ما تبقى من شعور بالأمان والحماية.

في هذا السياق، تؤكد المهندسة المعلوماتية والناشطة المدنية في منظمة "بيتي أنا بيتك"، لميس منذر، أن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 شهدت طفرة خطيرة في موجات العنف والخطف الموجهة ضد النساء، خصوصاً النساء المنتميات إلى جماعات إثنية وطائفية بعينها.

وترى أن استهداف النساء في النزاعات المسلحة ليس فعلاً عشوائياً، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى ضرب البنية الاجتماعية للجماعات عبر استهداف أكثر عناصرها حساسية. فالجسد الأنثوي يتحول في هذه السياقات إلى مساحة للصراع ورسالة سياسية تُستخدم لترهيب الجماعة وتقويض قدرتها على حماية أفرادها.

وأوضحت أن خطف النساء يُستثمر ضمن منظومة أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ، عبر إضعاف الروابط الداخلية للمجتمعات المستهدفة ودفعها إلى الشعور بالعجز. فالنساء، بوصفهن محور الأسرة ورمز الهوية الجماعية، يتحولن إلى وسيلة لإنتاج الخوف وإظهار السيطرة، خصوصاً عندما ينتمين إلى أقليات تواجه تهديداً مضاعفاً يستهدفهن كنساء وكحاملات لهوية يراد إخضاعها.

بين التوثيق الحقوقي والإنكار الرسمي

ولفتت إلى أن المخاوف المتصاعدة تستند إلى توثيق حقوقي متين جمع شهادات ناجيات وذوي مختطفات ما زلن مجهولات المصير. فقد وثقت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" في دراسة بعنوان "الخطف في سوريا: النساء العلويات الأكثر استهدافاً" حالات عنف جنسي وزواج قسري وتهديد مباشر.

ونوهت إلى أن هذه المعطيات تتناقض مع الرواية الرسمية التي حاولت التقليل من حجم الظاهرة، إذ أعلن الناطق باسم وزارة الداخلية تسجيل 43 حالة فقط، عاد أصحابها جميعاً باستثناء واحدة. غير أن شهادات الأهالي تكشف عن تقاعس واضح في التعامل مع الشكاوى، بل واتهام الضحايا بأنهن غادرن لأسباب شخصية، في محاولة لإغلاق الملفات وتخفيف الضغط العام.

العنف ضد النساء بين النوع الاجتماعي والهوية الجماعية

وشددت لميس منذر على ضرورة التمييز بين مستويين من العنف. الأول هو العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يستهدف النساء لكونهن نساء، ويهدف إلى تكريس التمييز وعدم المساواة. أما الثاني فهو العنف القائم على الهوية، حيث تُستهدف النساء بوصفهن جزءاً من جماعة يراد معاقبتها أو إخضاعها. وفي المجتمعات التقليدية، حيث تحمل النساء رمزية "شرف الجماعة"، يصبح الاعتداء عليهن فعلاً موجهاً ضد الجماعة بأكملها، ما يجعل جسد المرأة أداة لإنتاج الخوف الجماعي وفرض معادلات جديدة للهيمنة.

الحماية والمساءلة... متطلبات لا يمكن تجاوزها

ترى لميس منذر أن مواجهة الأزمة تبدأ بكشف الحقيقة كاملة، وتوفير آليات حماية فعالة داخل المجتمع، وشبكات دعم قادرة على التدخل، ومنظومات توثيق تحفظ الأدلة. كما تحتاج الناجيات إلى دعم قانوني وصحي ونفسي يعيد إليهن القدرة على استعادة حياتهن.

وحذرت من الخطابات التي تبرر استهداف النساء تحت ذرائع طائفية أو سياسية، مؤكدة أن بيئة الكراهية هي ما يسمح بتحول العنف إلى ممارسة "مبررة". فالمساءلة ضرورة سياسية وقانونية، لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف منع تكرار الانتهاكات.

القانون الدولي... إطار واضح للمحاسبة

وأكدت لميس منذر أن جرائم الخطف والعنف ضد النساء تقع في صلب ما تنظمه الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية سيداو لعام 1979 وقرار مجلس الأمن 1325، الذي اعتبر العنف ضد النساء في النزاعات تهديداً مباشراً للسلم الأهلي. وبذلك، يصبح استهداف النساء جريمة تمس استقرار المجتمعات، وتتطلب استجابات تتجاوز الإدانة نحو إجراءات عملية للحماية والمحاسبة.

وأشارت إلى أن مسار العدالة يستند إلى جهود متراكمة لجهات دولية ومحلية، مثل لجنة التحقيق الدولية المستقلة والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني التي تلعب دوراً محورياً في منع طمس الحقيقة.

الإفلات من العقاب وانهيار الثقة بالحماية

تقول إن الأزمة لا تكمن فقط في تصاعد الجرائم، بل في عجز الحكومة السورية المؤقتة عن التعامل مع الشكاوى، خصوصاً تلك المتعلقة بالنساء العلويات. هذا التقاعس خلق شعوراً متنامياً لدى أبناء الطائفة بأنهم خارج مظلة الحماية القانونية، وأن الخطر الذي يتهدد نساءهم موجّه ضد الجماعة بأكملها. ومع الإنكار الرسمي، يتعمق الخوف وتنسحب النساء من الفضاء العام تحت ضغط المخاطر الأمنية والضغوط الاجتماعية.

ترى أن جرائم خطف النساء يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من مسارات العدالة الانتقالية الشاملة، وأن تشمل المساءلة جميع الأطراف دون استثناء، سواء ارتُكبت الانتهاكات قبل سقوط النظام أو بعده. فالعنف الذي شهدته مناطق الساحل، حمص، حماة، ريف دمشق، جرمانا، أشرفية صحنايا، والسويداء، يكشف أن الانتهاكات كانت ممتدة ومتعددة الطبقات، ما يجعل إدماجها في مسارات العدالة ضرورة لا خياراً.

وشددت في ختام حديثها على أن حماية النساء وضمان حقوقهن وفق المعايير الوطنية والدولية هو شرط أساسي لتحقيق السلم الأهلي، وأن عدالة النساء ليست مطلباً منفصلاً، بل جزء من عدالة أوسع تطال المجتمع بأكمله.

المصدر : وكالة انباء المرأة