
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- يخوض طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة هذا العام واحدة من أصعب التجارب التعليمية في تاريخهم، في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب المستمرة وما خلفته من دمار واسع طال البنية التحتية التعليمية والخدمات الأساسية. وبين ضغوط الامتحانات المصيرية والأعطال الفنية المتكررة ومشكلات الاتصال بالإنترنت، يجد آلاف الطلبة أنفسهم في مواجهة تحديات تفوق بكثير ما يواجهه أقرانهم في الظروف الطبيعية، وسط مخاوف متزايدة من تأثير هذه الظروف على مستقبلهم الأكاديمي وفرصهم التعليمية.
وتكتسب معاناة طلبة غزة هذا العام بعداً أكثر تعقيداً، إذ إن العديد من المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة لم يعيشوا فعلياً المرحلة الثانوية بالشكل المعتاد.
فقد أشار الصحفي محمود العامودي من غزة، خلال حديثه لإذاعة "نساء إف إم"، إلى أن الطلبة الذين يتقدمون للامتحانات هذا العام كانوا قبل اندلاع الحرب في الصف التاسع أو الثالث الإعدادي، ولم تتح لهم فرصة الانتظام في الدراسة الثانوية كما هو متعارف عليه، موضحاً أنهم لم يمروا بتجربة الصفين الحادي عشر والثاني عشر بصورة طبيعية، ولم يحصلوا على التأسيس الأكاديمي الكافي الذي يحتاجه أي طالب يستعد لامتحان مصيري بحجم الثانوية العامة.
وأضاف العامودي، الذي تعيش ابنته أيضاً تجربة التقدم لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، أن الطلبة عانوا من انقطاع طويل عن مقاعد الدراسة، وتلقوا تعليمهم بصورة متقطعة في ظل النزوح المستمر والظروف الإنسانية القاسية، الأمر الذي جعل التحضير للامتحانات أكثر صعوبة وتعقيداً. وأكد أن الطالب في غزة لا يواجه فقط تحدي الإجابة عن الأسئلة، بل يخوض معركة يومية مع الخوف والقلق وعدم الاستقرار.
وتبرز المشكلات الفنية كأحد أكبر التحديات التي تواجه الطلبة خلال فترة الامتحانات، خاصة مع اعتماد جزء من العملية الامتحانية على الاتصال بالإنترنت. ويعاني قطاع غزة من ضعف شديد في خدمات الاتصالات والانقطاعات المتكررة للشبكة، ما يجعل الطلبة يعيشون حالة دائمة من التوتر خشية فقدان الاتصال أثناء الامتحان.
ويقول العامودي إن الطالب قد يقضي وقتاً طويلاً في الإجابة عن الأسئلة ثم يفاجأ بانقطاع الإنترنت، الأمر الذي يهدد جهوده ويضاعف من مخاوفه بشأن مصير إجاباته ونتيجته النهائية.
ولا تتوقف المخاوف عند مشكلة الإنترنت فقط، بل تمتد إلى احتمالية حدوث أعطال تقنية أو خلل في الأنظمة الإلكترونية المستخدمة، وهو ما شهدته الامتحانات بالفعل في بعض المراحل. ويرى العامودي أن مجرد التفكير بإمكانية حدوث خلل فني قد يؤثر على إجابة أو علامة أو نتيجة نهائية يشكل عبئاً نفسياً إضافياً على الطلبة الذين استنزفتهم الحرب أصلاً.
وتنعكس هذه التحديات التقنية على الحالة النفسية للطلبة بشكل مباشر، إذ يعيشون حالة من القلق المستمر والترقب خلال الامتحانات. فالطالب الذي أمضى شهوراً طويلة يحاول الدراسة وسط أصوات القصف والنزوح وفقدان الأمان، يجد نفسه في النهاية أمام امتحان قد تتأثر نتائجه بعوامل خارجة عن إرادته، مثل ضعف الشبكة أو الأعطال الفنية أو انقطاع الكهرباء.
إلى جانب ذلك، يفتقر آلاف الطلبة إلى البيئة التعليمية المناسبة. فالكثير منهم يدرسون داخل خيام النزوح أو في أماكن مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة والتركيز. كما أن الدمار الواسع الذي لحق بالمدارس والمؤسسات التعليمية حرم الطلبة من حقهم الطبيعي في التعلم داخل بيئة مدرسية مستقرة، ومن التواصل المباشر مع المعلمين والاستفادة من الشرح الوجاهي الذي يشكل أساساً مهماً في التحصيل العلمي، خاصة لطلبة الثانوية العامة.
وأكد العامودي أن احتياجات الطلبة لا تقتصر على توفير الإنترنت أو معالجة الأعطال الفنية، بل تبدأ من ضمان حقهم في الحياة والأمان. فالطالب الذي يعيش تحت تهديد القصف المستمر أو يخشى على أفراد أسرته لا يمكنه التركيز بصورة طبيعية على دراسته أو امتحاناته. كما أن الحصول على الغذاء والماء والدواء أصبح جزءاً من التحديات اليومية التي تستنزف طاقة الطلبة وعائلاتهم.
وأشار إلى أن قطاع التعليم فقد أيضاً عدداً من المعلمين وأصحاب الخبرات خلال الحرب، الأمر الذي أثر على العملية التعليمية وأضعف قدرة الطلبة على تلقي الدعم الأكاديمي اللازم. كما أن صعوبة التنقل وانعدام الاستقرار وتكرار عمليات النزوح جعلت متابعة الدراسة أمراً بالغ التعقيد بالنسبة للكثير من الطلبة.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المطالبات بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن حق طلبة غزة في التعليم، وتوفير بيئة امتحانية أكثر استقراراً وعدالة، ومعالجة المشكلات التقنية التي قد تؤثر على نتائجهم. كما تتعالى الدعوات لتوفير الدعم النفسي والتربوي للطلبة، وإعادة تأهيل البنية التعليمية، وتمكينهم من استكمال مسيرتهم الأكاديمية بعيداً عن ضغوط الحرب وتداعياتها.
