رام الله-نساء FM- تكتسي الفنون البصرية أهمية بالغة في قراءة الأنساق الثقافية والاجتماعية للشعوب، إذ تتجاوز وظيفتها محاكاة الواقع المادي لتتحول اللوحة التشكيلية إلى مساحة مفتوحة لتدوين الذاكرة وتوثيق التراث واستنطاق الهوية في أبعادها المتعددة، وفي خضم الفعاليات الثقافية المرافقة لإحياء اليوم العالمي للمرأة، يبرز المعرض التشكيلي الموسوم بعنوان “المرأة الإفريقية” للفنانة وفاء والي كمحطة بصرية متكاملة تستقرئ عوالم المرأة الجزائرية وامتداداتها القارية الإفريقية بموضوعية ودقة.
تقدم هذه التجربة الجمالية ما يقارب العشرين عملا فنيا تتباين أحجامها وتتنوع تقنياتها بين استخدام الألوان المائية الشفافة والألوان الزيتية الكثيفة، لتطرح مزيجا فنيا متوازنا يجمع بين خصائص المدرسة الواقعية ورؤى الانطباعية وحرية التجريد.
تنأى هذه الأعمال عن التكلف اللوني والتكويني لتقدم قراءة هادئة وعميقة في تفاصيل الأناقة النسوية وتنوع الأزياء التقليدية المعبرة عن الانتماء، إلى جانب استحضار بورتريهات لوجوه نسائية إفريقية تعكس روح القارة السمراء وتنوعها الإثني والثقافي.
إن هذا الحدث يضعنا أمام مشهد فني خاص، لنحاول تفكيك الشفرات البصرية لهذا المنجز التشكيلي، وتحليل أبعاده الأنثروبولوجية والجمالية، وتسليط الضوء على التقاطعات القائمة بين الموروث المحلي والانتماء الإفريقي الأوسع، وكيفية توظيف الفن التشكيلي كأداة موضوعية لحماية الذاكرة الجماعية.

جماليات الأزياء التقليدية كوثيقة بصرية وأداة للمقاومة
يعكس اللباس التقليدي في أي بنية مجتمعية منظومة معقدة من القيم الاجتماعية والتاريخية، ويتجلى هذا المعطى بوضوح بالغ في الأعمال التشكيلية التي وثقت تفاصيل الألبسة الجزائرية الأصيلة بعيدا عن النظرة الفلكلورية السطحية.
ركزت الفنانة في لوحاتها على قطع ملبسية تحمل أبعادا هوياتية عميقة، وفي مقدمتها “الحايك” الجزائري، فيمثل هذا اللباس رمزا للحشمة والوقار، وأداة نضالية ارتبطت بالذاكرة الوطنية ارتباطا وثيقا.
وقد استخدم هذا الزي بذكاء في التمويه وإخفاء المنشورات إبان فترة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار، ليصبح بذلك شكلا من أشكال الرفض الثقافي والمقاومة الصامتة.
إلى جانب ذلك، يبرز “الكراكو” العاصمي في اللوحات كعلامة فارقة في التراث الملبسي الحضري. تعود أصول هذا الزي الممتدة إلى القرن الخامس عشر خلال العهد العثماني، وارتبط في بداياته بالطبقات الأرستقراطية.
يتكون الكراكو أساسا من سترة مخملية فاخرة مطرزة بخيوط ذهبية أو فضية، تعتمد على تقنيات دقيقة مثل “الفتلة” و”المجبود”، ما يعكس رقي الحرفية اليدوية والمكانة الاجتماعية للمرأة التي ترتديه، كما أبرزت اللوحات جماليات “البرنوس” التقليدي، والجبة القبائلية التي تتسم بألوانها الزاهية المرتبطة ببيئتها الجبلية والطبيعية.
ويعتبر التوثيق الدقيق لهذه القطع في مساحات اللوحة التشكيلية وثيقة بصرية جادة تهدف إلى حماية الذاكرة الوطنية من الاندثار، وتأكيد أصالة الثقافة الجزائرية في مواجهة التحولات المتسارعة التي تفرضها موجات العولمة والأنماط الاستهلاكية الحديثة.

البعد الإفريقي ودلالات التوظيف السيكولوجي للألوان
وسعت الفنانة دائرة رؤيتها لتشمل العمق الإفريقي الذي يمثل خيارا استراتيجيا وثقافيا حيويا وجزءا لا يتجزأ من الهوية الجزائرية، حيث يتجلى هذا التوجه بوضوح في الحضور البارز للبورتريهات النسائية الإفريقية التي تضج بالحياة، وتظهر المرأة السمراء بكامل أزيائها التقليدية وتفاصيل حليها المعقدة ضمن يومياتها المعتادة.
اعتمدت الرسامة في نقل هذه الأجواء على خيارات لونية متدفقة ومشرقة، تستمد طاقتها البصرية من شمس القارة الإفريقية وطبيعتها البكرؤ كما تحمل الألوان في سياق الثقافة الإفريقية دلالات سيكولوجية واجتماعية وروحية شديدة العمق.
يرمز اللون الأحمر إلى الطاقة المتدفقة ومصدر الحياة والقوة الكامنة، ويعبر اللون الأصفر عن الصفاء والسلام والإخلاص وارتباط الإنسان بالأرض، كما تتوزع هذه الألوان في الأنسجة التقليدية وفي طلاء الوجوه والأجساد لتعكس المكانة الاجتماعية والانتماء القبلي.
إن هذه التجربة التشكيلية من خلال التوظيف الذكي لهذه اللوحة اللونية المتنوعة تساهم بشكل كبير في خلق جسر بصري وحوار ثقافي متين بين شمال القارة وجنوبها، فتؤكد هذه الأعمال قدرة الفن التشكيلي على إذابة الحدود الجغرافية المفتعلة، وإبراز الغنى التراثي والإنساني الذي يميز إفريقيا كمهد للحضارات البشرية وكخزان لا ينضب للإلهام البصري.

فلسفة غياب العناوين وفتح آفاق التأويل المفتوح
من أبرز الخصائص المفاهيمية التي ميزت هذا المعرض التشكيلي هو العزوف المتعمد عن إطلاق عناوين توضيحية أو أدبية على اللوحات الفنية المعروضة.
ويمثل هذا الإجراء موقفا فلسفيا وجماليا ينسجم تماما مع طروحات النقد والفن المعاصر، التي ترى في العنوان قيدا لغويا يحد من حرية المتلقي ويوجهه قسرا نحو قراءة أحادية يفرضها المبدع سلفا.
كما يشكل العنوان في التحليل السيميائي البصري سلطة توجه البصر والفكر نحو دلالة محددة، مما يغلق منافذ التخيل، ويضع التخلي عن العنونة المشاهد مباشرة أمام مسؤولية التفاعل الحر مع العمل الفني، ويدفعه إلى الاعتماد على مرجعياته الثقافية والنفسية لفك رموز اللوحة، وتحليل ألوانها، وتشكيل معناها الخاص.
تتحول اللوحة بناء على هذه الرؤية المفتوحة إلى فضاء حر للتأويل، وتتعدد القراءات بتعدد الزوار وخلفياتهم. تتشكل الفسيفساء الفنية من خلال إشراك الجمهور كعنصر فاعل في بناء النص البصري الموازي.
كما يعزز هذا الخيار من ديناميكية التلقي، ويكسر الحاجز الوهمي والتقليدي القائم بين منتج العمل الفني ومستهلكه، جاعلا من المعرض تجربة تفاعلية تستفز العقل وتوقظ المخيلة الإنسانية بعيدا عن التلقين المباشر أو السرديات البصرية الجاهزة.

توثيق التراث المعماري واليوميات الشعبية في فضاء اللوحة
تخصص الأعمال الفنية حيزا هاما لتوثيق الفضاءات المكانية التي تحتضن التفاعلات الإنسانية، وعلى رأسها التراث والعمارة التقليدية الجزائرية، تحضر قصبة الجزائر في خلفيات بعض اللوحات كبنية معمارية فريدة تحمل عبق التاريخ وتختزل قرونا من التعايش الاجتماعي والتطور العمراني ذي الطابع الإسلامي والمتوسطي.
تؤثث الفنانة هذه الفضاءات العمرانية بمشاهد مستوحاة من الأجواء الشعبية الحميمية، ويوميات الأفراح المليئة بالتفاصيل الحركية والألوان الزاهية، لتنقل صورة حية عن نبض المجتمع وتماسكه.
كما تلعب المرأة في هذا السياق الأنثروبولوجي دورا محوريا وأساسيا في الحفاظ على هذا التراث بشقيه المادي واللامادي، إذ تعتبر المرأة الحارسة الأمينة للقيم والعادات، والناقلة الفعالة لتقاليد النسيج، واللباس، وأنماط العيش، والموروث الشفهي من أهازيج وأغاني الأفراح من جيل إلى آخر.
ويمنح إدراج هذه العناصر المجتمعية والمكانية ضمن التكوين البصري للوحة العمل الفني طابعا سوسيولوجيا وتوثيقيا، يبرز العلاقة الوطيدة بين الإنسان ومحيطه العمراني، يوضح هذا التوجه بوضوح مساهمة الفنون التشكيلية في أرشفة الممارسات الاجتماعية التي تشكل النواة الصلبة للهوية الوطنية وتحميها من طمس معالمها.
محمد وليد شمامي: اللوحة التشكيلية المعاصرة تسهم في حماية الموروث الثقافي الجزائري
في هذا السياق، يقول محمد وليد شمامي، فنان تشكيلي خريج ماستر نقد تشكيلي وأستاذ تربية تشكيلية، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، إن اللوحة التشكيلية المعاصرة تمثل وسيلة لحماية الموروث الثقافي الجزائري، حيث لا يقتصر دورها على تمثيله بصريًا فقط، بل تعمل على إعادة إدماجه في الوعي الجمالي العام.
ومع مرور الزمن يمكن أن تتحول هذه الأعمال إلى مرجع بصري، مثلما حدث مع لوحات المستشرقين في المغرب العربي، فهي لا تعكس الشكل الخارجي للأزياء التقليدية مثل الحايك أو الكراكو أو القفطان فحسب، بل تكرّس أيضًا رمزيتها الثقافية وهويتها الوطنية.
ويضيف شمامي أن حضور الألوان الحارة والوجوه السمراء في بعض الأعمال التشكيلية لا يرتبط باستيراد ثقافة أو هوية من الخارج، بل يعكس وعيًا متزايدًا بالامتداد الإفريقي للهوية الجزائرية، فالجزائر دولة إفريقية، وتظهر هذه الحقيقة في ملامح الوجوه الجنوبية والألوان الترابية وضوء الجنوب والصحراء الذي يشكل جزءًا من الحس البصري للفنان.
وفيما يتعلق بغياب العناوين في بعض اللوحات، يوضح أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الفن المعاصر، إذ عرفتها مدارس فنية مختلفة عبر التاريخ. فغياب العنوان يفتح المجال أمام المتلقي ليصبح شريكًا في القراءة الفنية للعمل، حيث يمكن لكل مشاهد أن يفسر اللوحة من زاويته الخاصة وبأحاسيسه المختلفة، بينما تحتاج بعض الأعمال الأخرى إلى عنوان يوجّه فهمها، وهو أمر يرتبط بطبيعة العمل الفني نفسه.
ا
لمرأة كمحور سردي يربط المحلية بالامتداد القاري
تتوج هذه التجربة البصرية باختيار المرأة كمحور سردي أساسي تدور في فلكه كافة المضامين الفكرية والجمالية والتاريخية للمعرض، حيث تظهر المرأة في هذه اللوحات ككيان فاعل وحيوي يحمل على عاتقه إرثا ثقافيا ثقيلا ومتشعبا.
تقدم الأعمال من خلال التركيز الموضوعي على القيم والعادات والتراث مقاربة بصرية تبرز المكانة الجوهرية للمرأة في بنية المجتمع، بوصفها الحافظة للذاكرة وصانعة الاستمرارية الثقافية.
وتخلق قدرة التعبير التشكيلي على الجمع بين الروح الجزائرية الخالصة، بتفاصيل أزيائها وعمارتها، واللمسة الإفريقية العميقة، بحيويتها وألوانها المشرقة، خطابا متوازنا يرفض الانغلاق ويحتفي بالتنوع الإنساني.
يقدم هذا المعرض نموذجا رصينا عن الفن الملتزم بقضايا الهوية والذاكرة والتراث، مستندا بالأساس إلى لغة الألوان والخطوط الجادة لتوثيق اللحظة التاريخية والاجتماعية بموضوعية.
كما يؤكد المنجز التشكيلي المعاصر بقاءه كأداة فاعلة وصادقة في استنطاق المشتركات الإنسانية، وحماية التراث اللامادي، وإبراز التناغم الكامن في الاختلافات الثقافية الشاسعة لقارتنا الإفريقية العريقة، لتستمر اللوحة الفنية كشاهد صامت وناطق على تجذرات الهوية الممتدة عبر الأجيال المتعاقبة.

