
رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن- في سياق التداعيات الإنسانية والقانونية العميقة والمركّبة للحرب المستمرة على قطاع غزة، عُرضت مسودة دراسة بحثية بعنوان «من فقدان المعيل إلى فقدان الحماية»، تناولت واقع النساء والفتيات والأطفال في ظل انهيار منظومات الحماية والعدالة، وذلك خلال لقاء إذاعي استضاف القاضية صمود الضميري ضمن برنامج نساء إف إم، حيث شكّل اللقاء مساحة معمّقة لقراءة الأثر القانوني والاجتماعي للحرب من منظور حقوقي و جندري.
ركّزت الدراسة على التحولات الجذرية التي طرأت على بنية الأسرة الفلسطينية في قطاع غزة نتيجة الاستهداف الواسع، وما نجم عنه من فقدان المعيل، واتساع دائرة اليتم، وازدياد أعداد المفقودين، وضياع الوثائق الثبوتية، وظهور أنماط جديدة من الأسر لا تنسجم مع النصوص القانونية التقليدية المعمول بها. وأوضحت القاضية الضميري أن هذه الدراسة تأتي ضمن سلسلة دراسات متخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، جرى العمل عليها على مدار خمس سنوات، إلا أن خصوصية هذه الدراسة تنبع من توقيتها وموضوعها، إذ فُرضت كواجب قانوني وأخلاقي في ظل حرب الإبادة وما خلّفته من آثار كارثية على الفئات الأكثر هشاشة، خاصة النساء والفتيات والأطفال.
بيّنت الدراسة أن النقص الحاد في البيانات خلال المراحل الأولى للحرب شكّل عائقًا أمام التقييم الدقيق للواقع الحقوقي، إلا أن تحسّن الوصول إلى المعلومات نسبيًا في المرحلة اللاحقة أتاح توسيع نطاق البحث وتعميق تحليل القضايا، رغم التعقيد الشديد في المشهد القانوني والإنساني. وقد تناولت الدراسة بشكل موسّع قضايا اليتم مع تركيز خاص على اليتيمات، وفقدان الأوراق الثبوتية وما يترتب عليه من حرمان من الحقوق الأساسية، إضافة إلى إشكاليات إثبات المفقود في ظل تعطل المحاكم واختلاف المرجعيات القضائية الشرعية والكنسية، فضلًا عن تفاقم ظاهرة الزواج خارج إطار المحاكم، بما في ذلك زواج الطفلات، نتيجة انهيار هياكل العدالة وصعوبة الوصول إلى المؤسسات الرسمية.
وأشارت القاضية الضميري إلى أن أحد المحاور الأساسية في الدراسة يتمثل في تحليل المرحلة الانتقالية الواقعة بين توقف الحرب والوصول إلى حالة الاستقرار، وهي مرحلة وصفتها بالرمادية، نظرًا لما تحمله من فراغ قانوني ومخاطر مضاعفة على النساء والأطفال. ولم تكتفِ الدراسة بقراءة الواقع، بل سعت إلى تقديم مقترحات عملية وتطبيقات قانونية مؤقتة تهدف إلى الحد من الهشاشة، ونقل هذه الفئات من حالة الطوارئ إلى مسار حماية أكثر استقرارًا، مستندة في ذلك إلى إحصائيات رسمية، وتقارير دولية، ومقابلات مع صناع قرار وخبراء مختصين.
وأكدت الدراسة أن النساء والأطفال هم الأكثر هشاشة من الناحية القانونية والاجتماعية في سياق النزاعات المسلحة، ليس من باب الخطاب الإنشائي، بل استنادًا إلى البحث العلمي والأرقام، حيث تتضاعف مخاطر الاستغلال، وانقطاع التعليم، وغياب الرعاية الصحية الآمنة، وعدم تسجيل المواليد، وتعقيدات إثبات الزواج أو الترمل أو الفقدان، وهو ما ينعكس مباشرة على الحقوق المالية، والنفقات، والإرث، والوصاية القانونية على الأطفال.
وتطرقت القاضية الضميري إلى الإشكالية البنيوية المتمثلة في فقر النصوص القانونية الفلسطينية في معالجة أوضاع الحرب والنزاعات المسلحة، إلى جانب غياب القوانين الموحدة وتعدد المرجعيات القضائية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مسار العدالة، و يتفاقم بشكل أكبر في حالات الكوارث والحروب. وأوضحت أن القوانين الحالية صُممت للتعامل مع الشكل التقليدي للأسرة، بينما أفرزت الحرب في غزة أشكالًا جديدة من الأسر، كأسر بلا معيل، أو أسر يقودها طفل، أو أم مع أطفال قُصّر دون سند قانوني واضح، أو أسر أحد أفرادها مفقود أو أسير أو مصاب بإعاقة دائمة.
وبيّنت الدراسة أن أعداد الأيتام في غزة وصلت إلى عشرات الآلاف، مع توقعات بارتفاعها، إلى جانب آلاف المفقودين، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة شاملة للنصوص القانونية، واستحداث أطر بديلة تتلاءم مع الواقع الجديد، وتمنح هذه الأسر مراكز قانونية واضحة تضمن لها الوصول إلى الحقوق والخدمات دون تشتيت أو تعقيد. كما شددت على أهمية توحيد المسارات القانونية والإدارية لتلقي الخدمات والمساعدات، وتسهيل إجراءات الوصاية للأمهات، وتمكينهم من إدارة شؤون أطفالهن القانونية، لاستخراج الوثائق الرسمية، ومتابعة العلاج، والحصول على المستحقات المالية.
كما تناولت الدراسة البعد النفسي والاجتماعي للأزمة، مؤكدة أن آثار الصدمة الجماعية التي تعرّض لها المجتمع في غزة لن تزول مع وقف إطلاق النار، وأن التعامل مع جيل واسع من الأيتام يتطلب مقاربة شاملة تتقاطع فيها الحماية القانونية مع الدعم النفسي والاجتماعي، والاستثمار في الأطفال بوصفهم طاقة مجتمعية مستقبلية، لا عبئًا اجتماعيًا. ودعت إلى تفعيل آليات الكفالة، والأسر البديلة، والحاضنات المجتمعية، في ظل تحوّل اليتم إلى ظاهرة عامة لا مجرد حالات فردية.
وفيما يتعلق بمخرجات الدراسة، أشارت القاضية الضميري إلى أن وزارة شؤون المرأة كانت شريكًا استراتيجيًا في هذا المسار البحثي، حيث جرى عرض الدراسة في ورشة علمية بحضور وزيرة شؤون المرأة ورئيس جامعة القدس المفتوحة وعدد من الأكاديميين، وقد تبنّت الوزارة عددًا من التوصيات والمقترحات، وتعهدت بدراسة آليات دمجها في السياسات العامة، كما حدث في دراسات سابقة أثمرت عن تغييرات ملموسة.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن التحديات التي تعيق تطبيق توصيات الدراسة لا تقتصر على الجانب التشريعي، بل تمتد إلى إعادة بناء منظومة العدالة، وفرض السيادة القانونية، والتعامل مع الواقع الميداني المعقّد، إلا أن الدراسة تمثل خطوة أساسية في توثيق الانتهاكات، وقراءة التحولات الاجتماعية والقانونية، وفتح نقاش جاد حول سبل حماية النساء والفتيات والأطفال في غزة، من فقدان المعيل إلى فقدان الحماية، وصولًا إلى بناء منظومة عدالة أكثر إنصافًا في مرحلة ما بعد الحرب
