
رام الله-نساء FM- اية عبد الرحمن- في ظل التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يشهد سوق العمل العالمي تحولات جذرية تعيد صياغة مفهوم الوظائف والمهارات المطلوبة، وتفرض تحديات جديدة على مختلف الفئات، وفي مقدمتها النساء. وقد أظهرت دراسات حديثة أن النساء أكثر عرضة لخسارة وظائفهن مقارنة بالرجال، ليس بسبب ضعف الكفاءة أو القدرات، وإنما نتيجة تمركزهن تاريخيًا في قطاعات وظيفية باتت مهددة بالأتمتة، مثل السكرتاريا، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، إلى جانب استمرار الفجوات في الوصول إلى التدريب التكنولوجي والمشاركة في صناعة القرار التقني.
هذا الواقع كان محور نقاش معمّق في لقاء إذاعي تناول أبعاد القضية من منظور علمي وأكاديمي، بمشاركة رئيسة دائرة هندسة الحاسوب في جامعة القدس، الدكتورة صفاء ناصر الدين، والتي أكدت خلال حديثها لنساء اف ام أن نتائج هذه الدراسات دقيقة إلى حد كبير عند قراءة خريطة التوظيف الحالية في المؤسسات الحكومية والخاصة. وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي صُمم في الأساس ليحل محل الوظائف الروتينية والمتكررة، وهي وظائف تشغلها النساء بنسبة عالية، في حين ما زال حضور النساء محدودًا في الوظائف التقنية المتقدمة مثل تطوير الأنظمة، وهندسة البيانات، وتصميم الخوارزميات، رغم الكفاءات العالية التي تمتلكها الخريجات، والدليل على ذلك ارتفاع نسبة الطالبات في كليات الهندسة مقارنة بالذكور.
وبيّنت الدكتورة ناصر الدين أن المشكلة لا تكمن في التعليم أو في قدرات النساء، بل في سوق العمل نفسه، الذي لا يوفّر لهن فرص التدريب المستمر داخل المؤسسات، إلى جانب عوامل اجتماعية تجعل الوصول إلى التعليم المتواصل واكتساب المهارات الجديدة أكثر صعوبة للفتيات. وأشارت إلى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي “يسرق” وظائف النساء، بل في إقصائهن عن وظائف المستقبل إذا لم يتم إدماجهن مبكرًا في هذا المجال، وهو ما قد يؤدي إلى ما يُعرف بالبطالة الرقمية وتعميق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت أن امتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة، مشددة على أهمية التعامل النقدي مع هذه التقنيات وعدم الاعتماد الأعمى على مخرجاتها، إذ يجب استخدامها كأداة مساعدة بذكاء، لا كبديل عن التفكير البشري. ولفتت إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل في داخله تحيزات كامنة ناتجة عن البيانات التي يُدرّب عليها، ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التمييز ضد النساء داخل الخوارزميات وأنظمة اتخاذ القرار، إذا لم يتم التعامل معه من منظور جندري عادل.
وشددت ناصر الدين على أن السياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تكون محايدة جندريًا، لأن الحياد الظاهري قد ينتج ظلمًا فعليًا، مؤكدة أن الاستثمار في تدريب النساء على التقنيات المتقدمة لا يشكل تمكينًا لهن فقط، بل حماية للاقتصاد والمجتمع ككل، إذ إن غياب النساء عن مواقع التأثير التكنولوجي ينعكس سلبًا على جودة القرارات داخل المؤسسات. وأشارت إلى أن النساء يمتلكن أنماط قيادة مختلفة وأكثر شمولية، وهو ما يجعل مشاركتهن في تصميم وتوجيه التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا لتحقيق عدالة رقمية حقيقية.
وفي السياق الأكاديمي، أوضحت أن للجامعات دورًا محوريًا في إعداد النساء لمهن المستقبل، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات، وعدم حصره في كليات الهندسة فقط، باعتباره أداة عابرة للتخصصات تمس التعليم، والإعلام، والطب، وسائر القطاعات. واستعرضت تجربة جامعة القدس في إطلاق مبادرات مثل “Women in Engineering” لتشجيع الطالبات على دخول مجالات الهندسة والتكنولوجيا، إلى جانب مشاريع وطنية تهدف إلى تعزيز مشاركة الفتيات في مجالات العلوم والرياضيات والتكنولوجيا.
وأكدت أن التركيز يجب أن ينصب على تنمية المهارات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة، مثل التفكير النقدي، والتحليل، وحل المشكلات، والقدرة على التشكيك في النتائج الآلية، معتبرة أن دور الجامعات لا ينبغي أن يقتصر على تخريج موظفين، بل صانعي حلول وقادرين على خلق فرص عمل جديدة لأنفسهم ولغيرهم. وختمت بالتأكيد على أن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ماذا نُدرّس، بل لأي مستقبل نُعدّ طلابنا.
ويخلص هذا النقاش إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وبينما تكشف الدراسات عن مخاطر حقيقية تهدد حضور النساء في سوق العمل، فإن الحل لا يكمن في الخوف من التكنولوجيا، بل في امتلاكها والمشاركة في صناعتها وتوجيهها. إن سد الفجوة الرقمية، والاستثمار في تعليم وتدريب النساء، وبناء سياسات منصفة، تمثل مفاتيح أساسية لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للتمكين لا للإقصاء، ومستقبلًا يشمل الجميع دون استثناء.
