الرئيسية » تقارير نسوية » منوعات » الرسالة الاخبارية »  

نساء FM | تربية البنات في زمن التحولات: من الحماية إلى التمكين وبناء الأمان الداخلي
14 كانون الثاني 2026

 

رام الله – نساء FM– آية عبد الرحمن- في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتعقيدات الواقعين الاجتماعي والاقتصادي، تبرز تربية البنات كأحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على مستقبل الأسرة والمجتمع، في وقت لم تعد فيه الأساليب التقليدية قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر.

هذا ما أكدته مستشارة العلاقات الزوجية لبنى اشتيوي شيخ خليل خلال لقائها مع إذاعة نساء إف إم، مشددة على أن تربية البنات لم تعد مسألة رعاية أو حماية فقط، بل مشروعًا إنسانيًا طويل الأمد، يتطلب رؤية استراتيجية وشراكة حقيقية بين الأب والأم، قائمة على الوعي والتكامل لا على الأدوار النمطية.

وأوضحت شيخ خليل أن التحديات التي تواجه البنات اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، في ظل عالم سريع التغيير، وضغوط اقتصادية واجتماعية، وثورة رقمية أعادت تشكيل القيم والعلاقات وحدود الأمان. وفي هذا السياق، لم تعد التربية الفاعلة قائمة على السيطرة أو التخويف، بل على بناء فتاة واعية بذاتها، قادرة على اتخاذ القرار، ومدركة لحدودها العاطفية والجسدية، وتمتلك أدوات داخلية تحميها أكثر من أي رقابة خارجية.

وشددت على أن التربية السليمة تنطلق من مفهوم “نظام الأسرة” كوحدة متكاملة، مؤكدة أن الأمان النفسي للطفل، وخاصة الفتاة، ينبع من انسجام الوالدين واتساق قراراتهما، لا من حضور أحدهما وغياب الآخر. فعندما يعمل الأب والأم كفريق واحد، برؤية موحدة ورسائل واضحة، يتشكل لدى الفتاة إحساس عميق بالاستقرار والثقة، ينعكس على شخصيتها وقدرتها على التفاعل مع العالم الخارجي.

وتطرقت إلى إحدى الإشكاليات الشائعة في مجتمعاتنا، والمتمثلة في النظر إلى الأب بوصفه سلطة، وإلى الأم كمصدر رعاية فقط، ما يخلق رسائل متضاربة لدى الأبناء. واعتبرت أن هذا النموذج لم يعد صالحًا في زمن تتطلب فيه التربية قيادة تشاركية، وإدارة هادئة للاختلاف بين الوالدين، قائمة على قرارات مشتركة وحدود واضحة، بما يعزز الأمان النفسي ويمنع الارتباك الداخلي لدى الفتاة.

وفي حديثها عن الأخطاء الشائعة في تربية البنات، أشارت إلى الحماية الزائدة بوصفها من أكثر السلوكيات ضررًا، إذ تُمارس غالبًا بحسن نية، لكنها تزرع الخوف بدل الطمأنينة، وتحدّ من قدرة الفتاة على الاستقلال واتخاذ القرار. كما حذرت من قمع المشاعر، خاصة الغضب، تحت مسميات اجتماعية تُجرّم التعبير، ما يؤدي إلى كبت المشاعر وبناء توتر داخلي مزمن.

وأضافت أن المدح المشروط، والمقارنات المستمرة، والتركيز المفرط على الشكل والمظهر، جميعها ممارسات تسهم في تآكل تقدير الذات، وزيادة القلق، وصعوبة الاختيار في مراحل لاحقة من الحياة.

وأكدت شيخ خليل أن لدور الأب أثرًا محوريًا في بناء ثقة الفتاة بنفسها، حيث يمثل الأب، حين يكون حاضرًا نفسيًا وعاطفيًا، مصدر الأمان الخارجي ونموذج الاحترام الأول في حياتها. فاحترام الأب لابنته، ودعمه لها، وإشراكها في الحوار، يرسخ لديها شعورًا بالاستحقاق والتقدير، ينعكس على أدائها في المدرسة والعمل والحياة العامة.

وفي المقابل، حذرت من أن الغياب النفسي للأب، حتى مع حضوره الجسدي، يترك فراغًا عاطفيًا قد يدفع الفتاة للبحث عن القبول والدعم في مصادر غير آمنة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي أو علاقات غير متوازنة.

وفي ظل الضغوط المعيشية الراهنة، شددت شيخ خليل على أهمية تحقيق توازن ذكي بين الأمان والاستقلالية، بعيدًا عن التسلط أو الحماية المفرطة، موضحة أن النمو السوي لأي إنسان يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الأمان، والاستقلال، والشعور بالكفاءة.

كما أكدت أن طلب الدعم من مختص أسري لا يعكس فشل الأهل، بل يدل على وعي ونضج، مشيرة إلى أن مؤشرات مثل التراجع الدراسي، واضطرابات النوم، والانسحاب العاطفي، تستدعي تدخلًا مبكرًا لتجنب تعقيد المشكلات.

وفي رسالتها الختامية، دعت الأهل إلى إدراك أن تربية البنات ليست عملية دفاعية ضد العالم، بل عملية إعداد ذكي لتمكينهن من الاختيار، والتعبير، وحماية ذواتهن وحدودهن، مؤكدة أن الوعي الأسري لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار النفسي للأجيال القادمة.