
رام الله – نساء FM – آية عبد الرحمن- أثار قرار إدارة مهرجان أدبي في أستراليا استبعاد الكاتبة الفلسطينية–الأسترالية رندا عبد الفتاح من برنامج المهرجان موجة واسعة من الجدل، تجاوزت الإطار الثقافي لتلامس جوهر النقاش العالمي حول حرية التعبير، وحدود ما يُسمّى بالحياد والموضوعية في الفضاءات الثقافية والفنية الغربية، لا سيما عندما يتعلّق الأمر بصوت فلسطيني نقدي تقوده امرأة معروفة بمواقفها السياسية والإنسانية.
وفي حديثها لإذاعة نساء إف إم، أوضحت الناشطة النسوية والحقوقية سريدة حسين أنها لا تملك يقينًا كاملًا بشأن الأسباب الرسمية التي قُدّمت لتبرير قرار الاستبعاد، لكنها ربطت ما جرى باستخدام متكرر وممنهج لمفهومي “الحياد” و”الموضوعية” في مجالات يُفترض أنها مساحات للتعبير الحر، مثل الثقافة والفن والرياضة.
وبيّنت حسين أن هذه المجالات تُقدَّم للجمهور على أنها محايدة، في حين أنها تشكّل تاريخيًا أدوات مركزية تلجأ إليها الشعوب المقهورة لتأكيد روايتها، والدفاع عن حقوقها، وإيصال صوتها الذي يُحاول البعض إسكاتَه أو محوه. واعتبرت أن الحياد في الفنون قد يكون مقبولًا فقط حين يُختزل الفن في الترفيه، أما حين تتحول الكتابة والثقافة إلى أدوات تعبير عن الهوية والموقف، فإنها تصبح حقًا مشروعًا لا يمكن مصادرته.
وتساءلت حسين عن الكيفية التي يمكن من خلالها مطالبة كاتبة فلسطينية، تحمل قضية شعبها وتستخدم الكتابة كوسيلة نضال سلمي، بالتجرد من موقفها أو فصل إبداعها عن سياقه السياسي والإنساني، معتبرة أن هذا الشرط بحد ذاته يُفرغ مفهوم حرية التعبير من مضمونه.
ورأت أن قرار استبعاد عبد الفتاح يعكس بوضوح ازدواجية المعايير في التعامل مع حرية التعبير، لا سيما حين تكون المتحدثة امرأة فلسطينية ذات خطاب نقدي. وفسّرت هذه الازدواجية إما بعقلية عنصرية غير قادرة على تقبّل الصوت المختلف، أو بضغوط سياسية ولوبيات نافذة تتحكم في القرار الثقافي، ليُعاد تأطير النقد باعتباره تحريضًا أو تهديدًا، وأحيانًا خطرًا على ما يُسمّى “الأمن القومي”.
ومن منظور نسوي وحقوقي، شددت حسين على أن استهداف كاتبة معروفة بمواقفها السياسية لا يمكن فصله عن كونها امرأة، مؤكدة أن النساء الكاتبات والناشطات يدفعن كلفة مضاعفة في الحقل الثقافي. واستندت إلى دراسات أكاديمية، من بينها دراسة للكاتبة الهولندية مايا فانديرلم، خلصت إلى أن الكاتبات الفلسطينيات، في الداخل والشتات، يواجهن قيودًا قانونية ومجتمعية مركّبة، وأن بروزهن الثقافي أصعب وأبطأ مقارنة بالرجال.
كما أشارت إلى دراسات في أميركا اللاتينية تُظهر أن كتابات النساء غالبًا ما تُقابل بالتشكيك، وتُوصم بالعاطفية أو بعدم الواقعية، ما يجعل اختراق “السقف الزجاجي” في المجال الثقافي مهمة شاقة، خاصة حين تتقاطع الهوية الجندرية مع الانتماء السياسي.
وفي حالة رندة عبد الفتاح تحديدًا، ترى حسين أن الهوية الفلسطينية والرواية المرتبطة بها شكّلتا السبب الجوهري للاستبعاد، باعتبارهما رواية مزعجة للمنظومة السائدة. لكنها في المقابل أشارت إلى أن مثل هذه القرارات قد تأتي بنتائج عكسية، عبر تعزيز التضامن، وتسليط الضوء مجددًا على الصوت المُقصى، وفتح نقاش أوسع حول ازدواجية المعايير التي قد تمتد لاحقًا إلى فئات أخرى، حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها.
وأكدت حسين أن ما جرى في غزة من إبادة ومعاناة إنسانية قاسية كان عاملًا مفصليًا في إيقاظ وعي عالمي تجاه أشكال الملاحقة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بما في ذلك ملاحقة صوته الثقافي. واستشهدت بحادثة إلغاء محاضرة لجندي إسرائيلي في بريطانيا شارك في الحرب على غزة، عقب تحرك نشطاء وضغوط شعبية، معتبرة ذلك دليلًا إضافيًا على هشاشة الادعاء بالحياد في الفعاليات الثقافية.
وفي ختام حديثها، شددت حسين على أنه لا حياد ولا موضوعية مطلقة في الفن والثقافة والنشاط العام، مؤكدة أن كل إنتاج ثقافي يحمل موقفًا ورؤية وسياقًا سياسيًا، وداعية إلى استخدام الكتابة والرياضة والسينما وسائر أدوات الثقافة كوسائل نضال مستمرة من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، في مواجهة محاولات الإقصاء والتهميش التي تستهدف الرواية الفلسطينية وصنّاعها.
