وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
المرأة العاملة في فلسطين.. أجور متدنية وحقوق منتهكة وخطط تمكين لا تصل إلى واقع النساء

 

رام الله-نساء FM-آية عبد الرحمن-لم تعد التحديات التي تواجه المرأة الفلسطينية في سوق العمل مقتصرة على صعوبة الحصول على وظيفة، بل امتدت إلى تدني الأجور، وضعف الحماية الاجتماعية، وانتهاك الحقوق العمالية، وتزايد الأعباء الاقتصادية والمعيشية، في وقت تتراجع فيه فرص التشغيل وتتسع فيه دائرة البطالة والفقر، بفعل تداعيات الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة.

وبينما تتواصل الدعوات الرسمية والأهلية لتعزيز مشاركة النساء في سوق العمل وتمكينهن اقتصادياً، تكشف تجربة العاملات عن فجوة واسعة بين الخطط والبرامج المعلنة والواقع الذي يعشنه، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذه التدخلات على توفير فرص عمل لائقة ومستدامة، تضمن للنساء دخلاً عادلاً وحماية اجتماعية واستقلالاً اقتصادياً.

وتتزايد هذه التحديات في ظل تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية، وإغلاق منشآت اقتصادية وتراجع فرص التشغيل وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يجعل حماية حقوق المرأة العاملة وتأمين مصادر دخل مستقرة من أبرز القضايا التي تتطلب معالجة تتجاوز المبادرات المؤقتة وبرامج التدريب التقليدية.

وترى عضو الأمانة العامة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين،في حديث مع "نساء إف إم" عائشة حمودة، أن مشاركة المرأة الفلسطينية في سوق العمل شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، رغم المؤشرات والخطط التي تتحدث عن رفع نسبة مشاركة النساء اقتصادياً، مشيرة إلى أن هذا التراجع بدأ منذ جائحة كورونا، وتفاقم مع الحرب والظروف السياسية والاقتصادية الراهنة.

تراجع فرص العمل يفاقم استغلال العاملات

وتوضح حمودة أن إغلاق العديد من المنشآت الاقتصادية وفقدان فرص العمل، إلى جانب عودة أعداد كبيرة من العمال الذين كانوا يعملون داخل أراضي عام 1948 إلى سوق العمل الفلسطيني، ودخول أعداد من العاملين في القطاع العام إلى سوق العمل الخاص بحثاً عن مصادر دخل إضافية، أدت جميعها إلى زيادة أعداد الباحثين عن العمل، مقابل محدودية الفرص المتاحة.

وتشير إلى أن هذا الاختلال بين العرض والطلب خلق منافسة شديدة على فرص العمل، وأتاح لبعض أصحاب العمل استغلال حاجة العاملات، من خلال دفع أجور تقل عن الحد الأدنى للأجور، أو التأخر في دفع المستحقات المالية، أو تخفيض ساعات العمل وتغيير طبيعة وشروط التشغيل، ما يجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي في ظل غياب البدائل.

وتلفت حمودة إلى أن إشكالية تطبيق قانون العمل الفلسطيني لم تبدأ مع الحرب، بل كانت قائمة قبل جائحة كورونا، إذ لم تكن نسب الالتزام بالحقوق العمالية تتجاوز، وفق تقديرها، مستويات محدودة، مشيرة إلى أن الظروف الراهنة عمّقت هذه الفجوات وجعلت الرقابة على تطبيق القانون أكثر إلحاحاً.

وتؤكد أن البرامج والتدخلات القائمة لا تعالج سوى جزء محدود جداً من حجم المشكلات التي تواجه النساء، وأن المطلوب لم يعد مجرد إطلاق مبادرات أو تنظيم تدريبات، بل الانتقال إلى معالجة جذرية تلامس واقع العاملات وتضمن لهن حقوقهن الأساسية.

800 شيقل.. دخل لا يكفي وخوف من فقدان العمل

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند تراجع فرص التشغيل، إذ ينعكس ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الأجور بصورة مباشرة على قدرة النساء العاملات على تلبية احتياجاتهن واحتياجات أسرهن، خصوصاً أن نسبة كبيرة من النساء العاملات والمعيلات لأسرهن يعملن في قطاعات اقتصادية متدنية الأجور، تعاني أصلاً من ضعف تطبيق الحقوق الأساسية التي يكفلها قانون العمل الفلسطيني.

وتحذر حمودة من أن كثيراً من العاملات، ولا سيما النساء الفقيرات، يترددن في تقديم شكاوى بشأن الانتهاكات التي يتعرضن لها في أماكن العمل، بسبب حاجتهن الملحة إلى الدخل وخوفهن من فقدان وظائفهن.

وتوضح أن المرأة التي تتقاضى نحو 800 شيقل قد تجد نفسها مضطرة إلى تحمل ظروف عمل غير عادلة، لأن هذا المبلغ، رغم محدوديته، قد يمثل المصدر الأساسي لاستمرار أسرتها وتأمين احتياجاتها اليومية.

وترى أن هذه المعادلة تضع النساء أمام خيارات صعبة بين المطالبة بحقوقهن والمحافظة على مصدر دخلهن، ما يستدعي تعزيز آليات الرقابة والتفتيش العمالي، وتوفير حماية فعلية للعاملات، وضمان وجود قنوات آمنة وفاعلة لتقديم الشكاوى والحصول على الإنصاف، دون الخوف من الفصل أو الانتقام.

التمكين الاقتصادي يحتاج إلى منظومة إنتاج متكاملة

وفيما يتعلق بمشاريع التمكين الاقتصادي، تؤكد حمودة أن تمكين المرأة لا يتحقق بمجرد تدريبها أو تمويل مشروعها بصورة منفردة، بل يحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة ومترابطة، تشبه شبكة تجمع مختلف مراحل الإنتاج والتسويق والتوزيع.

وتوضح أن المرأة العاملة في الزراعة تحتاج إلى جهات تساعدها في تحويل إنتاجها إلى منتجات قابلة للتسويق، فيما تحتاج المرأة التي تعمل في التصنيع المنزلي إلى متخصصين في التعبئة والتغليف والتصميم والتسويق، كما تحتاج صاحبة المشروع إلى قنوات توزيع وتوصيل تضمن وصول منتجاتها إلى المستهلكين.

وتضرب حمودة مثالاً على إمكانية ربط خريجي تخصصات تكنولوجيا المعلومات والتصميم الجرافيكي والإعلام بصاحبات المشاريع النسوية، بحيث يتولى هؤلاء تطوير الهوية البصرية للمنتجات وتصويرها وتسويقها إلكترونياً، وربطها بخدمات التوصيل والأسواق المحلية والخارجية.

وتشدد على أن نجاح المشاريع الصغيرة يتطلب الانتقال من العمل الفردي إلى العمل الجماعي والتعاوني، بحيث تصبح المشاريع النسوية جزءاً من سلسلة اقتصادية متكاملة توفر فرصاً أكبر للإنتاج والتشغيل والاستدامة.

وتشير إلى أن التجربة الإيطالية في دعم التعاونيات وربطها بالموارد الاقتصادية تقدم نموذجاً يمكن الاستفادة منه في تطوير المشاريع الفلسطينية وتحويلها إلى مشاريع أكبر وأكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة.

الأزمة الاقتصادية تهدد استقرار الأسرة والسلم الأهلي

ولا تقتصر تداعيات الأزمة الاقتصادية، بحسب حمودة، على الجوانب المهنية والمادية، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي واستقرار الأسرة والسلم الأهلي، محذرة من أن تصاعد العنف في المجتمع وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية قد يؤديان إلى تفاقم المشكلات داخل الأسر وبين أفراد المجتمع، في ظل عجز كثير من العائلات عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.

وتلفت إلى أن النساء يتحملن أعباء مضاعفة، خصوصاً عندما يكنّ معيلات لأسرهن ومسؤولات عن الأطفال وتوفير الغذاء والدواء والطاقة، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ومنها الغاز، بات يشكل عبئاً كبيراً على الأسر، في ظل غياب سياسات فاعلة لدعم المنتجات والاحتياجات الأساسية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

وترى أن استمرار هذه الأوضاع قد ينعكس بصورة خطيرة على العلاقات الأسرية والمجتمعية، خصوصاً عندما تصل الأسر إلى مرحلة العجز عن توفير الأمن الغذائي والاحتياجات الضرورية، مؤكدة أن معالجة الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن حماية الاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية.

من المساعدات الإغاثية إلى تمكين النساء من الإنتاج

وفي سياق متصل، تؤكد حمودة أن الاعتماد المستمر على المساعدات الإغاثية لا يشكل حلاً مستداماً، مشددة على ضرورة الانتقال من تقديم المساعدات المؤقتة إلى تمكين النساء من امتلاك أدوات الإنتاج والعمل والاعتماد على الذات.

وتوضح أن المطلوب ليس إبقاء المرأة في دائرة انتظار المساعدات، بل تعليمها وتدريبها وتزويدها بالموارد التي تمكنها من بناء مصدر دخل مستقل والاستمرار في الحياة بكرامة.

وترى أن توفير فرص الإنتاج والعمل يشكل مدخلاً أساسياً لتعزيز استقلال النساء الاقتصادي، بما يتيح لهن المساهمة في إعالة أسرهن وتقليل الاعتماد على المساعدات، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.

العمل داخل المستوطنات.. خيارات تفرضها الحاجة الاقتصادية

وفي جانب آخر من تداعيات تراجع فرص العمل المحلية، تحذر حمودة من اضطرار بعض النساء الفلسطينيات إلى العمل داخل المستوطنات الإسرائيلية بصورة غير معلنة، نتيجة محدودية فرص التشغيل والحاجة إلى تأمين دخل للأسرة.

وتشير إلى أن هناك عاملات يخرجن للعمل في ساعات متأخرة من الليل، ويتجنبن الحديث عن طبيعة عملهن بسبب الرفض المجتمعي، ما يعكس حجم الضغوط التي تدفع بعض النساء إلى البحث عن مصادر دخل خارج سوق العمل الفلسطيني.

وتلفت إلى أن الفارق في الأجور بين العمل داخل المستوطنات والعمل في السوق الفلسطيني قد يدفع بعض النساء إلى هذه الخيارات، رغم المخاطر والانتهاكات المحتملة التي قد يتعرضن لها في بيئة عمل تفتقر إلى الضمانات والحماية الكافية.

وترى أن هذه الظاهرة تعكس خطورة استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، محذرة من أن غياب البدائل قد يدفع مزيداً من النساء والشباب إلى العمل في ظروف غير آمنة، بما يهدد حقوقهم وكرامتهم، ويؤدي إلى خسارة المزيد من الموارد البشرية الفلسطينية التي شكلت على الدوام أحد أهم مقومات المجتمع.

وتشدد على أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على العاملات وحدهن، بل تشمل الشباب والرجال أيضاً، في ظل تراجع فرص التشغيل وتزايد البطالة، الأمر الذي يستدعي سياسات وطنية تحمي سوق العمل وتوفر بدائل اقتصادية حقيقية، وتعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.

تعدد الخطط يضعف جهود تشغيل النساء

وحول خطة تشغيل النساء والجهود المبذولة لتعزيز مشاركتهن الاقتصادية، ترى حمودة أن المؤشر الأساسي لنجاح أي خطة يتمثل في قدرتها على توحيد جهود الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص، والعمل ضمن رؤية وطنية مشتركة، بدلاً من تعدد الاستراتيجيات والبرامج المنفصلة.

وتشير إلى وجود خطط تشغيل وسياسات لدى وزارات ومؤسسات مختلفة، لكنها لا تعمل دائماً ضمن إطار متكامل، مؤكدة أن قضايا التشغيل والتمكين الاقتصادي تحتاج إلى خطة واحدة واضحة، تتوزع فيها المسؤوليات والأدوار بين مختلف الجهات، بما يضمن تكامل التدخلات وعدم تكرارها.

وتؤكد أن مؤسسات المجتمع المدني مطالبة أيضاً بالانتقال من تنفيذ المشاريع المنفصلة إلى بناء برامج مترابطة تربط النساء بالجامعات وخريجيها والقطاع الخاص والأسواق، بحيث لا ينتهي دور المؤسسة عند تنظيم دورة تدريبية أو تقديم تمويل لمشروع صغير، بل يستمر حتى وصول المرأة إلى فرصة عمل أو سوق إنتاج أو استثمار حقيقي.

ربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل

وتشدد حمودة على أهمية الاستفادة من الدراسات والأبحاث الجامعية ودراسات الجدوى والتحليل الاقتصادي في تحديد احتياجات السوق والفرص المتاحة، وربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات المؤسسات وأصحاب العمل، بما يساعد الخريجات على تحويل المعارف والمهارات التي يمتلكنها إلى فرص عمل فعلية.

كما تدعو إلى تطوير مفهوم الاقتصاد التضامني والتعاوني، من خلال تشبيك المشاريع النسوية مع بعضها البعض، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوفير بيئة داعمة تسمح للمشاريع الصغيرة بالنمو والتوسع والوصول إلى أسواق جديدة.

وتؤكد أن نجاح التمكين الاقتصادي يتطلب مساراً متكاملاً يبدأ بالتدريب، وينتقل إلى التطبيق العملي والإرشاد المهني، وينتهي بالتشغيل أو إنشاء مشاريع إنتاجية قادرة على الاستمرار، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات عدد المستفيدات من الدورات والأنشطة.

طاولة حوار وطنية وخطة طوارئ لحماية العاملات

وفي ظل هذه التحديات، تدعو حمودة إلى عقد طاولة حوار وطني تجمع مختلف الجهات المعنية، بهدف وضع خطة طوارئ اقتصادية واجتماعية تستجيب للظروف الراهنة، وتحمي حقوق العاملات، وتوفر الحد الأدنى من مقومات الصمود للأسر الفلسطينية، وتواجه تداعيات البطالة والفقر والاستغلال الاقتصادي.

وتؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات تتجاوز المعالجات السطحية والإغاثية، وتتجه نحو حلول شاملة تحفظ كرامة الإنسان، وتعزز صمود النساء، وتضمن لهن حقوقاً عمالية واقتصادية واجتماعية حقيقية.

وبين تراجع فرص العمل وتآكل الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف تطبيق القانون، تواجه المرأة الفلسطينية تحديات تتجاوز حدود الحصول على وظيفة، لتصل إلى قدرتها على الاحتفاظ بها وضمان حقوقها وتأمين احتياجات أسرتها.

وتعيد هذه التحديات طرح تساؤلات حول قدرة خطة تشغيل النساء على الانتقال من الوعود والبرامج المتفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة تضمن للمرأة الفلسطينية عملاً لائقاً ودخلاً عادلاً واستقلالاً اقتصادياً، أو استمرار بقائها في مواجهة أعباء الأزمة الاقتصادية وتداعياتها المتفاقمة.

الاستماع الى اللقاء :