وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
خوارزميات تيك توك والأطفال.. من الترفيه إلى مخاطر المحتوى والتأثير النفسي

 

رام الله-نساء FM-آية عبد الرحمن- لم يعد تأثير منصة "تيك توك" على الأطفال والمراهقين مقتصراً على الوقت الذي يقضونه في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، بل امتد إلى طبيعة المحتوى الذي يتعرضون له، في ظل خوارزميات تتحكم بالتوصيات بناءً على اهتمامات المستخدمين وأنماط تفاعلهم، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على حماية الأطفال من المحتوى الضار وغير الملائم لأعمارهم.

وتتزايد المخاوف من آليات عمل هذه الخوارزميات، في ظل تأثيرها المحتمل على سلوك الأطفال وصحتهم النفسية وتركيزهم وعلاقاتهم الاجتماعية، خصوصاً أن الهدف الأساسي من أنظمة التوصية يتمثل في جذب انتباه المستخدم وتعزيز تفاعله مع المنصة، وليس بالضرورة مراعاة احتياجاته العمرية أو التربوية.

الخوارزميات.. كيف تختار المحتوى؟

توضح الباحثة في الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي مريم شومان أن الخوارزميات في منصة "تيك توك" لا تختار المحتوى بصورة عشوائية، وإنما تعتمد على مجموعة من المؤشرات المرتبطة بتحليل سلوك المستخدم وطبيعة المواد التي يشاهدها ويتفاعل معها.

وتقول شومان إن هذه الخوارزميات ترصد تفاصيل عدة، من بينها مدة مشاهدة الفيديو، وما إذا كان المستخدم يشاهده حتى النهاية أو يتجاوزه، أو يعيد مشاهدته، إضافة إلى الحسابات التي يتفاعل معها. وبناءً على هذه المؤشرات، تبدأ المنصة بتقديم محتوى مشابه لما جذب اهتمام المستخدم، وتزيد من ظهوره في صفحة التوصيات.

وتوضح أن الآلية نفسها تنطبق على الأطفال؛ فعندما يركز الطفل مثلاً على محتوى الألعاب الإلكترونية أو أغاني الأطفال أو التحديات، تستنتج الخوارزمية أن هذا النوع من المحتوى يجذب انتباهه، فتواصل اقتراح مقاطع مشابهة بصورة متكررة.

لكن المشكلة، بحسب شومان، أن الخوارزميات لا تميز بالضرورة بين المحتوى المفيد تربوياً والمحتوى الضار أو غير المناسب لعمر الطفل، إذ لا تراعي بصورة كافية حالته النفسية أو بيئته أو احتياجاته العمرية، وإنما تعتمد أساساً على مؤشرات التفاعل وجذب الانتباه.

وبذلك، قد يحصل المحتوى الذي يحقق مشاهدات وتفاعلاً أكبر على انتشار وتوصيات أوسع، حتى لو لم يكن مناسباً للطفل أو يخدم مصلحته.

من المحتوى العادي إلى مواد أكثر حساسية

وتحذر شومان من أن التوصيات المتكررة قد تقود الأطفال تدريجياً إلى مشاهدة محتويات أكثر حساسية، نتيجة اعتماد الخوارزميات على اهتماماتهم وتفاعلاتهم السابقة.

وتشير إلى أن الطفل قد يبدأ بمشاهدة مقاطع تتناول موضوعات عامة، ثم تظهر أمامه مواد تتناول الحزن والضغوط النفسية والاكتئاب، وقد يصل الأمر إلى محتوى أكثر خطورة، بما في ذلك المواد المرتبطة بإيذاء النفس.

وتكمن المخاوف، وفق شومان، في أن استمرار تفاعل الطفل مع نوع معين من المحتوى قد يدفع الخوارزمية إلى تقديم مقاطع مشابهة بصورة متزايدة، بهدف الحفاظ على انتباهه وتعزيز تفاعله مع المنصة.

وتؤكد أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة لدى الأطفال والمراهقين، نظراً إلى حساسية المرحلة العمرية وما يصاحبها من تغيرات نفسية وتقلبات عاطفية، ما يجعل طبيعة المحتوى الذي يتعرضون له بصورة متكررة عاملاً يستدعي المتابعة والاهتمام.

الاستخدام المفرط وانعكاساته على الحياة اليومية

ولا يقتصر التأثير على طبيعة المحتوى الذي يشاهده الأطفال، بل يمتد إلى نمط استخدامهم للمنصة وانعكاساته على حياتهم اليومية.

وتوضح شومان أن الاستخدام المفرط لا يقاس فقط بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، وإنما أيضاً بمدى تأثير ذلك على أنشطته الأساسية، مثل النوم والدراسة وتناول الطعام والتفاعل الاجتماعي المباشر.

وتلفت إلى أن بعض الأطفال قد يقضون أوقاتاً طويلة أمام المنصة على حساب النوم أو الدراسة أو اللعب وممارسة الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، ما قد ينعكس على نمط حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين.

وتشير إلى أن مدة الاستخدام وحدها لا تكفي للحكم على طبيعة العلاقة مع المنصة، إذ ينبغي النظر أيضاً إلى توقيت المشاهدة وتأثيرها على الالتزامات والأنشطة اليومية للطفل.

المقارنة الاجتماعية وصورة الذات

ومن الجوانب الأخرى التي تلفت إليها شومان مسألة المقارنة الاجتماعية، التي لا تقتصر آثارها على الكبار، بل تمتد إلى الأطفال والمراهقين، في ظل محتوى يعرض أنماطاً مثالية للحياة والمظهر والعلاقات الاجتماعية.

وتوضح أن الأطفال لا يمتلكون دائماً الوعي الكافي لإدراك أن كثيراً من المقاطع المنشورة تخضع للمونتاج والتعديل أو التمثيل قبل نشرها، ما قد يدفعهم إلى مقارنة حياتهم بما يشاهدونه، والتساؤل عن أسباب اختلاف ظروفهم وإمكاناتهم عن الآخرين.

وقد تنعكس هذه المقارنات على نظرة الطفل إلى نفسه وشعوره بالرضا عن حياته، خصوصاً عندما يتعامل مع المحتوى المعروض باعتباره صورة واقعية لما يعيشه الآخرون.

الصحة النفسية.. عوامل تتجاوز المنصة

وفيما يتعلق بالصحة النفسية والتركيز، تشدد شومان على ضرورة عدم التعامل مع العلاقة بين استخدام "تيك توك" والمشكلات النفسية باعتبارها علاقة سببية مباشرة في جميع الحالات، إذ قد تتداخل عوامل أخرى في سلوك الطفل وتدفعه إلى الاستخدام المكثف للمنصة.

وتوضح أن بعض الأطفال قد يلجؤون إلى العالم الرقمي هرباً من ضغوط أسرية أو مشكلات نفسية أو شعور بالوحدة، أو نتيجة صعوبات في التعلم والتركيز، أو عدم حصولهم على الاهتمام الكافي من المحيط الأسري.

وبالتالي، فإن فهم الظروف المحيطة بالطفل يعد ضرورياً عند التعامل مع الاستخدام المفرط، بدلاً من اعتبار المنصة وحدها سبباً في المشكلات التي يواجهها.

وتضيف أن الاستخدام الذي يبدأ باعتباره نشاطاً ترفيهياً عادياً قد يتحول إلى نمط يومي يؤثر على نوم الطفل وتعلمه وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على ممارسة أنشطته المعتادة.

مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمنصات

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية دور الأسرة في متابعة طبيعة المحتوى الذي يشاهده الأطفال، وليس الاكتفاء بمراقبة الوقت الذي يقضونه أمام الهواتف، إلى جانب توفير بدائل ترفيهية واجتماعية تساعدهم على تنويع أنشطتهم والحد من الاستخدام المتواصل للشاشات.

كما تضع هذه التحديات مسؤولية أكبر على عاتق المنصات الرقمية، من خلال مراجعة آليات التوصية بالمحتوى، وتعزيز أدوات الحماية المخصصة للأطفال والمراهقين، والحد من وصولهم إلى المواد الضارة أو غير الملائمة لأعمارهم، مع مراعاة خصوصية هذه الفئة واحتياجاتها النفسية والتربوية.

الاستماع الى اللقاء :