أم تميم من بيت لحم.. ست سنوات من النجاح تواجهها أعباء الإنتاج وغياب الدعم
بيت لحم-نساء FM-اية عبد الرحمن-ست سنوات من العمل والتعب كانت كفيلة بتحويل مشروع "كعك وعجوة أم تميم" من محل صغير بدأ بإمكانات محدودة إلى مشغل لإنتاج الحلويات والمعجنات والكعك، لكن هذا التطور لم يضع حداً للتحديات التي تواجه صاحبته، بل جعل مسؤولية الحفاظ على المشروع واستمراره أكبر، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتداعيات الأوضاع الاقتصادية والسياسية على الأسواق الفلسطينية.
أم تميم، البالغة من العمر 35 عاماً، من بيت لحم، اختارت قبل ست سنوات خوض تجربة العمل الخاص، مستندة إلى مهارتها في إعداد الحلويات والمعجنات والكعك، ورغبتها في بناء مصدر دخل من خلال مشروع يحمل طابعاً تراثياً ويعتمد على المكونات الطبيعية والوصفات المنزلية. وانطلقت تجربتها بإمكانات بسيطة، دون تمويل أو دعم مؤسسي، وبالاعتماد على جهدها الشخصي ومساندة زوجها الذي شاركها خطوات التأسيس والعمل.
من محل صغير إلى مشغل للإنتاج
تقول أم تميم إن المشروع بدأ بمحل صغير، قبل أن يتطور مع مرور الوقت وزيادة الطلب على المنتجات، لتتمكن برفقة زوجها من توسيعه وتحويله إلى مشغل تتوفر فيه مساحة أكثر ملاءمة لعمليات الإنتاج، وشروط النظافة والترتيب اللازمة للعمل.
وتشير إلى أن هذا التطور جاء بعد سنوات من العمل المتواصل والحرص على جودة المنتجات، ما ساعدها على بناء قاعدة من الزبائن في بيت لحم ومناطق أخرى، حتى بات بعضهم يقطع مسافات للوصول إلى المشغل وشراء منتجاته.
وتعتمد أم تميم في مشروعها على المكونات الطبيعية والمنتجات المرتبطة بالبيئة الفلسطينية، وتحافظ على وصفات ونكهات اعتادت عليها العائلات في البيوت، معتبرة أن جودة المكونات والمذاق المنزلي يشكلان أساس هوية المشروع والثقة التي بنتها مع زبائنها.

ارتفاع التكاليف يهدد استمرارية المشروع
لكن الحفاظ على هذه الجودة أصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف التشغيل، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع حركة الأسواق، في ظل الظروف الاقتصادية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية.
وتوضح أم تميم أن هذه الظروف انعكست على حجم الطلب والمبيعات، وجعلت تأمين احتياجات الإنتاج وتغطية النفقات اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً أن مشروعها يعتمد على البيع المباشر للمواطنين، الذين يواجهون بدورهم أعباء معيشية متزايدة.
وتتفاقم الصعوبات بفعل القيود والإغلاقات وتداعيات إجراءات الاحتلال الإسرائيلي على الحركة الاقتصادية والتجارية، وما تسببه من اضطرابات تطال الأنشطة التجارية والمشاريع الصغيرة، التي تعتمد في استمرارها على انتظام الأسواق وقدرة المستهلكين على الشراء.
وتقول إن الضغوط المالية دفعتها في بعض الأحيان إلى شراء المواد الخام بالدين، حتى لا يتوقف الإنتاج، مؤكدة تمسكها بنوعية المكونات التي تستخدمها، وعدم استعدادها لاستبدالها بمواد أقل جودة، خشية التأثير على مذاق المنتجات وثقة الزبائن التي بنتها على مدار سنوات.

غياب الدعم يضاعف أعباء صاحبات المشاريع
ولا تقتصر التحديات التي تواجه أم تميم على ارتفاع التكاليف، إذ تشير إلى أنها بذلت جهوداً للحصول على دعم يساعدها في تطوير مشروعها واستمراره، وتوجهت إلى جهات مختلفة بحثاً عن مساندة، لكنها لم تحصل على المساعدة التي كانت تأملها.
وتقول إن المشروع الذي بنته بجهدها الخاص ووصل إلى زبائن من مناطق بعيدة، ما زال يواجه صعوباته دون وجود جهة تتبناه أو توفر له الدعم اللازم، رغم ما يمثله من تجربة إنتاجية توفر مصدر دخل وتعزز العمل المستقل.
وتتحمل أم تميم إلى جانب الأعباء المالية مسؤولية متابعة تفاصيل العمل اليومية، من تأمين المواد الخام والإنتاج إلى تلبية طلبات الزبائن والمحافظة على جودة المنتجات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المشاريع الصغيرة، وتصبح قدرتها على الاستمرار مرتبطة بتوفير السيولة ومواجهة تقلبات السوق.
الحفاظ على الجودة قبل زيادة الأرباح
وبالنسبة لأم تميم، لا يمثل المشروع مجرد مكان لإنتاج الحلويات والمعجنات، بل حصيلة ست سنوات من العمل وبناء الاسم والسمعة، ومسؤولية تجاه زبائن اعتادوا منتجاتها ووضعوا ثقتهم بها.
وتؤكد أن الحفاظ على جودة المنتجات وسمعة المشروع يمثل أولوية لديها، حتى إن كان ذلك على حساب هامش الربح، مشيرة إلى حرصها على تقديم منتجات نظيفة وطبيعية، وعدم المساس بالمكونات التي اعتاد عليها الزبائن.
وتضيف أن هدفها مواصلة العمل والحفاظ على ثقة الزبائن، وعدم خسارة ما بنته خلال السنوات الماضية، خصوصاً أن بعضهم يأتي من مناطق بعيدة لشراء منتجات المشغل، وهو ما يمنحها دافعاً إضافياً للاستمرار رغم الصعوبات.

المشاريع النسوية بين فرص الإنتاج وغياب الاستدامة
وتسلط تجربة أم تميم الضوء على واقع تواجهه صاحبات المشاريع النسوية الصغيرة في فلسطين، اللواتي يتجهن إلى العمل المستقل لخلق مصادر دخل ومساندة أسرهن، في ظل تراجع فرص العمل ومحدودية الوصول إلى وظائف مستقرة.
لكن هذه المشاريع، رغم دورها في تعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء وتوفير فرص إنتاجية، تبقى معرضة للتعثر في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية وغياب برامج الدعم المستدامة.
وتبرز الحاجة إلى تدخل المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص لتوفير برامج تمويل ميسرة ومنح مناسبة، إلى جانب التدريب في مجالات الإدارة والتسويق، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية، وإتاحة فرص المشاركة في المعارض والأسواق، بما يساعد صاحبات المشاريع على توسيع قاعدة زبائنهن وتعزيز قدرتهن على الاستمرار.
وترى أم تميم أن المساندة لا تقتصر على تقديم الدعم المالي، بل تشمل أيضاً توفير فرص حقيقية لتطوير المشاريع، ومساعدتها في الوصول إلى أسواق أوسع، وتخفيف الأعباء التي تواجه صاحباتها، بدلاً من تركهن بمفردهن في مواجهة التحديات الاقتصادية.
ورغم الصعوبات، لا تزال أم تميم متمسكة بمشروعها، مستندة إلى ثقة زبائنها وإقبالهم على منتجاتها، وإلى رغبتها في الحفاظ على اسم "كعك وعجوة أم تميم"، الذي بنته على مدار ست سنوات من العمل.
وبين ارتفاع أسعار المواد الخام وتراجع القدرة الشرائية وغياب الدعم، تواصل أم تميم العمل للحفاظ على مشروعها، أملاً في أن تجد المساندة التي تمكنها من تطويره وضمان استمراره. فبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بالحفاظ على مشغل لإنتاج الحلويات فحسب، بل بصون تجربة بدأت بإمكانات محدودة، وتحولت بجهدها إلى مشروع له زبائنه واسمه في السوق.
تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع "الحقائق أولاً"، الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم وحاضنة نساء الإعلامية، بالتعاون مع تنمية وإعلام المرأة/تام، وبدعم من Canal France International (CFI).
إن الآراء الواردة في هذا التقرير تعبّر عن وجهة نظر المؤلف، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر الاتحاد الأوروبي أو Expertise France أو CFI.