المدربة في التنمية البشرية عايدة زواهرة: التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل الأسرة في بناء شخصية الطفل
رام الله-نساء FM-اية عبد الرحمن-أكدت المدربة في التنمية البشرية والإدارية والقيادة عايدة زواهرة أن التطور التكنولوجي أحدث تحولاً كبيراً في العملية التربوية، مع دخول الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والشاشات إلى تفاصيل الحياة اليومية للأطفال، محذرة من أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا قد يؤثر في التفاعل الأسري والنمو النفسي والاجتماعي والسلوكي للأطفال.
وقالت زواهرة، خلال استضافتها في برنامج "نساء"، إن السنوات الثلاثين الماضية شهدت تغيرات كبيرة بفعل الثورة الرقمية، التي وفرت إيجابيات عديدة، من بينها التقدم العلمي وسرعة الوصول إلى المعلومات وتوفير الوقت والجهد، إلا أن تأثيراتها على التربية أصبحت واسعة، خاصة مع دخول التكنولوجيا إلى حياة الأطفال منذ أعمار مبكرة.
وأوضحت أن الأطفال باتوا يقضون ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، حتى أصبح الاعتماد عليها أمراً طبيعياً في كثير من المنازل، محذرة من تنامي ظاهرة الإدمان على الشاشات وما يرافقها من تراجع في التفاعل المباشر مع الأسرة والمحيط الاجتماعي.
وأضافت أن التربية كانت تعتمد في السابق بصورة أساسية على الأسرة والعائلة الممتدة، إلى جانب المدرسة والمؤسسات التعليمية، بينما أصبحت التكنولوجيا اليوم طرفاً مؤثراً في عملية التربية، نظراً لما تتيحه للأطفال من محتوى مفتوح ومتنوع عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو والألعاب والإعلانات والأفلام والمسلسلات.
وأشارت إلى أن بعض الأطفال يقضون أربع إلى خمس ساعات يومياً أمام الأجهزة، معتبرة أن ذلك يستدعي من الأهل إعادة تنظيم استخدام التكنولوجيا داخل المنزل، وتعزيز التواصل المباشر مع أبنائهم.
الأسرة في مواجهة التأثير الرقمي
ولفتت زواهرة إلى أن انشغال الأهل بالعمل والالتزامات اليومية قلص الوقت الذي يقضونه مع أطفالهم، حتى أصبح أفراد الأسرة يجلسون في المكان نفسه دون تواصل حقيقي، لانشغال كل فرد بهاتفه أو بحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت إننا نعيش في زمن يشهد تواصلاً اجتماعياً خارجياً واسعاً، لكنه تسبب في المقابل بحالة من الانفصال الداخلي بين أفراد الأسرة، إذ أصبح التواصل الافتراضي أحياناً بديلاً عن الحوار والتفاعل المباشر، ما ينعكس على العلاقات الأسرية ويضعف المساحة التي يحتاجها الأطفال للتعبير عن أنفسهم ومشاركة أهلهم تفاصيل حياتهم.
وشددت على أن التربية مسؤولية أساسية لا تقتصر على تقديم المعلومات والتعليم، وإنما تشمل غرس القيم والأخلاق وتعديل السلوك وتهذيبه، وبناء شخصية قوية ومتوازنة وقادرة على التمييز بين الصواب والخطأ والتعامل مع المواقف المختلفة.
وأكدت ضرورة أن تكون الأسرة واعية بحجم التأثير الذي تمارسه التكنولوجيا على الأطفال، وأن تعمل منذ السنوات الأولى على ترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق، وتعليم الأطفال ما هو مقبول وغير مقبول اجتماعياً، حتى يمتلكوا القدرة على التمييز بين المحتوى الإيجابي والمحتوى الذي يتعارض مع القيم والمبادئ.
وأضافت أن الطفل يحتاج إلى الحوار والتوجيه منذ العمر المبكر، وليس الانتظار حتى مرحلة المراهقة أو الشباب، موضحة أن الأسرة لا تستطيع منع الطفل بصورة مطلقة من الوصول إلى التكنولوجيا، لكنها تستطيع توعيته بما يشاهده ويتعامل معه، وتعزيز قدرته على التفكير الناقد وعدم تصديق كل ما يراه أو يسمعه عبر الشاشات.
العنف والمحتوى الرقمي
وحذرت زواهرة من أن التعرض المستمر لمشاهد العنف والمحتوى الصاخب والسريع قد يؤثر في طريقة فهم الأطفال للعالم، ويجعل بعضهم ينظر إلى العنف باعتباره وسيلة طبيعية لحل المشكلات، نتيجة تكرار مشاهد الاعتداء والصراخ والسلوكيات العدوانية في بعض المواد التي يتابعونها.
وشددت على أن مسؤولية الأهل لا تتمثل في منع الأطفال من مشاهدة كل شيء، وإنما في مواكبتهم ومناقشتهم فيما يتعرضون له، وتوضيح السلوكيات الصحيحة والخاطئة. وأوضحت أنه عند مشاهدة الطفل مشهداً يتضمن عنفاً أو اعتداءً، ينبغي على الأهل توضيح أن هذا السلوك مرفوض ومساعدته على فهم أسبابه ونتائجه، بدلاً من تركه يتلقى المشاهد دون تفسير أو توجيه.
وأضافت أن الطفل يحتاج إلى تأسيس تدريجي يقوم على الصدق والنزاهة والآداب العامة واحترام الآخرين، ولا سيما كبار السن، معتبرة أن العادات والتقاليد الإيجابية القائمة على الاحترام والتكافل والتواصل الأسري تمثل عناصر حماية مهمة للأطفال في مواجهة التأثيرات السلبية للفضاء الرقمي.
الأسرة والمدرسة
وفي حديثها عن العلاقة بين الأسرة والمدرسة، أكدت زواهرة أن التربية والتعليم لا يمكن فصلهما، موضحة أن التعليم يوفر المعرفة والعلوم، بينما تؤدي التربية دوراً أساسياً في بناء الشخصية وغرس القيم، ولذلك يجب أن تقوم العلاقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية على التعاون والعمل وفق مبادئ مشتركة.
وأشارت إلى أن التكنولوجيا أصبحت حاضرة داخل المدارس أيضاً، مع اتجاه بعض المؤسسات التعليمية إلى الاعتماد المتزايد على الشاشات والأجهزة الإلكترونية، على حساب الكتاب والقصة والقلم والورقة.
ولفتت إلى أن الاستخدام المستمر للشاشات قد يسبب إجهاداً بصرياً وعصبياً، إلى جانب مخاوف تتعلق بالنمو والسلوك والتركيز، داعية إلى عدم التعامل مع إدخال التكنولوجيا إلى التعليم باعتباره تقدماً بحد ذاته، من دون دراسة آثارها ومدى ملاءمتها للأعمار المختلفة، والاستفادة من الوسائل التعليمية التقليدية إلى جانب الأدوات الرقمية.
واستشهدت بالتوجهات التي تشهدها بعض الدول، ومنها فنلندا، نحو تقليل الاعتماد على الشاشات والعودة إلى الكتاب والورقة والقلم، معتبرة أن العملية التعليمية تحتاج إلى توازن يضمن حصول الطفل على المعرفة دون تحميله أعباء الاستخدام الرقمي المستمر.
قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة
وأكدت زواهرة أن المرحلة العمرية الممتدة من نحو السابعة وحتى الحادية والعشرين حساسة في بناء شخصية الإنسان، وتحتاج إلى متابعة واهتمام وتوجيه مستمر، محذرة من ترك الأطفال والمراهقين فريسة للمحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، لما قد تحمله من أفكار ومعلومات وسلوكيات غير مناسبة.
وأوضحت أن طريقة الحوار يجب أن تتناسب مع عمر الطفل ومستوى استيعابه، فما يمكن مناقشته مع طفل صغير يختلف عما يمكن طرحه مع طفل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، داعية إلى عدم ترك الأجهزة مفتوحة أمام الأطفال على مدار الساعة، ووضع حدود واضحة لاستخدامها بما يتناسب مع أعمارهم واحتياجاتهم.
وتحدثت عن تجربة إحدى الأمهات التي طلبت من أبنائها تسليم هواتفهم خلال ساعات الليل، بعدما لاحظت أن وجود الأجهزة معهم طوال الوقت يؤثر في حياتهم الأسرية، موضحة أن الأبناء اعترضوا في البداية، لكنها استطاعت توضيح أهمية تخصيص وقت للراحة والابتعاد عن الشاشات.
وأكدت أن وجود الهاتف مع الطفل خلال ساعات الليل واستمرار تعرضه للمحتوى الرقمي قبل النوم قد يزيد من صعوبة تنظيم حياته اليومية، ما يستدعي من الأهل متابعة استخدام الأجهزة وعدم السماح بتحولها إلى رفيق دائم للطفل.
الجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي
وحذرت زواهرة من أن التحديات لم تعد تقتصر على الاستخدام المفرط للشاشات، بل امتدت إلى الجرائم الإلكترونية والتحرش الإلكتروني والمخاطر المرتبطة بالتواصل عبر الإنترنت، مشددة على ضرورة توعية الأطفال والمراهقين بأساليب التعامل الآمن مع التكنولوجيا وتعريفهم بالمخاطر التي قد يتعرضون لها.
وأكدت أن المتابعة الأسرية لا تعني التجسس على الطفل أو إلغاء خصوصيته، بل بناء الثقة وفتح قنوات التواصل معه، وتعزيز قدرته على حماية نفسه وطلب المساعدة عند مواجهة أي محتوى أو تواصل غير آمن.
وفي سياق متصل، حذرت من أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياة الأطفال أضاف تحدياً جديداً أمام الأسرة والتربية والتعليم، مع إمكانية إجراء محادثات مع الأنظمة الذكية وطرح الأسئلة ومشاركة المخاوف والحصول على إجابات بصورة مباشرة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الطفل وأسرته.
وقالت إن بعض الأطفال قد يجدون في هذه التقنيات مساحة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون بديلاً عن وجود الأهل والاستماع إلى أبنائهم ومشاركتهم تفاصيل حياتهم، مؤكدة ضرورة تعريف الأطفال بطبيعة الذكاء الاصطناعي وحدوده، وعدم التعامل مع كل ما يقدمه باعتباره حقيقة مطلقة أو بديلاً عن الأسرة والمعلم والمختص.
ودعت المؤسسات التعليمية إلى تنظيم محاضرات ولقاءات وحصص توعوية للأطفال، تشرح لهم كيفية استخدام التكنولوجيا بصورة آمنة ومسؤولة، وتساعدهم على فهم مخاطر المحتوى الرقمي والتعامل الواعي مع منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
جودة الوقت أهم من عدد الساعات
وأكدت زواهرة أن الأسرة تتحمل المسؤولية الأكبر في متابعة الأطفال وتأسيسهم، وأن الأهل مطالبون ببذل جهد مضاعف في ظل التحديات الحالية، من خلال منح الأبناء الوقت الكافي والاهتمام الحقيقي، وعدم الاكتفاء بوجودهم في المنزل دون تواصل فعلي.
وشددت على أهمية "جودة الوقت" الذي تقضيه الأسرة مع أطفالها، موضحة أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الساعات، بل بطبيعة التفاعل خلالها، فحتى الوقت الذي تقضيه الأم أو الأب مع الأبناء أثناء إعداد الطعام أو القيام بالأعمال المنزلية يمكن أن يتحول إلى فرصة للحوار والاستماع وتعزيز ثقة الأطفال بأهلهم.
وأشارت إلى أن فتح الحوار منذ الصغر يجعل الطفل أكثر استعداداً للعودة إلى أسرته عندما يواجه مشكلة أو يتعرض لموقف لا يستطيع فهمه، مستشهدة بحالة طفل في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة يعيش مع أسرته خارج البلاد، طلب من والدته الحديث معها لأنه لا يعرف الشخص الذي يمكنه اللجوء إليه لمناقشة بعض الأمور التي تشغله.
وأضافت أن الطفل عندما يجد في والديه مساحة آمنة للحوار والاستشارة، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مخاوفه ومشكلاته، بدلاً من البحث عن إجابات لدى مصادر مجهولة أو الاعتماد الكامل على الأجهزة والمنصات الرقمية.
وأكدت زواهرة أن التكنولوجيا تحمل إيجابيات كبيرة ولا يمكن تجاهلها أو الانفصال عنها، لكن المشكلة تكمن في الإفراط في استخدامها وغياب التوازن بين فوائدها وأضرارها، مشبهة الأمر بالدواء الذي يمكن أن يكون مفيداً عند استخدامه بالجرعة المناسبة، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضرر عند تجاوز الحدود.
وشددت على أن الهدف الأساسي من التربية هو بناء إنسان متوازن نفسياً، يمتلك شخصية قوية وقدرة على التفكير والتمييز بين الصواب والخطأ وحماية نفسه، موضحة أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها في ظل ترك الأطفال أمام الشاشات على مدار اليوم دون متابعة أو توجيه أو تواصل إنساني حقيقي.
وفي ختام اللقاء، دعت زواهرة الأسر إلى الانتباه إلى أهمية المرحلة العمرية التي يمر بها الأطفال، وعدم تأجيل الحوار والتوعية إلى مراحل متقدمة، مؤكدة أن بناء الشخصية يحتاج إلى وقت وجهد واهتمام عاطفي وتربوي منذ السنوات الأولى.
كما وجهت رسالة إلى الأهل بضرورة متابعة ما يشاهده أبناؤهم ويتعلمونه ويتفاعلون معه عبر التكنولوجيا، وتعزيز العلاقة الأسرية القائمة على الثقة والحوار والاحتواء، إلى جانب تعاون المدارس والمؤسسات التربوية في نشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للأجهزة الرقمية.
وتؤكد هذه القضية أن مواكبة التطور التكنولوجي لا تعني التخلي عن الأسس الإنسانية للتربية، وأن بناء جيل قادر على التعامل مع العالم الرقمي يحتاج إلى أسرة حاضرة وواعية، ومدرسة تؤدي دورها التربوي والتعليمي، وبيئة توفر للأطفال الحماية والاهتمام والقدرة على التفكير المستقل. فالتكنولوجيا، مهما تطورت، لا يمكن أن تحل محل دور الأسرة في بناء الإنسان وتشكيل شخصيته.