سرطان الثدي.. حرب أخرى تخوضها نساء غزة بصمت
غزة-نساء FM-آية عبد الرحمن-في غزة، لا تواجه النساء المصابات بسرطان الثدي المرض وحده، بل يواجهن أيضاً تداعيات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، في ظل تراجع الخدمات الصحية وتضرر المرافق الطبية وصعوبة الحصول على الأدوية، ما يجعل رحلة التشخيص والعلاج أكثر تعقيداً، فيما تتحمل نساء مسؤولية إعالة أسرهن رغم ما يسببه المرض من إنهاك جسدي ونفسي.
ومع حلول أكتوبر الوردي، تتجدد الدعوات إلى تسليط الضوء على أوضاع النساء المصابات بالسرطان في قطاع غزة، في ظل ظروف صحية وإنسانية قاسية تحدّ من قدرتهن على الوصول إلى الفحوصات والعلاج والرعاية الطبية اللازمة.
ارتفاع الحالات وصعوبة التشخيص
وفي حديثها لنساء إف إم، وصفت رئيسة مجلس إدارة ملتقى النجد التنموي، رفقة الحملاوي، الأوضاع الصحية للنساء المصابات بالسرطان في غزة بأنها "كارثية"، مؤكدة أن الحرب أثرت بشدة على المصابات بسرطان الثدي وغيره من أنواع السرطان، في ظل تراجع قدرة النظام الصحي على تلبية احتياجات المرضى.
وأشارت الحملاوي إلى أن أعداد النساء المصابات بالسرطان شهدت ارتفاعاً خلال الحرب، موضحة أن العدد كان يُقدّر قبل الحرب بنحو 360 امرأة سنوياً، فيما وصل إلى نحو 510 نساء سنوياً، وفق ما ترصده المؤسسات. لكنها أكدت صعوبة إجراء إحصاءات دقيقة في الوقت الحالي، بسبب غياب الإمكانيات اللازمة لتشخيص الحالات ورصدها.
وأضافت أن الوفيات بين النساء المصابات بالسرطان ارتفعت أيضاً، بالتزامن مع تراجع القدرة على التشخيص والمتابعة وتوفير العلاج.
وأكدت أن الحرب أثرت مباشرة على فرص الكشف المبكر، في ظل تراجع مقومات الفحص والرعاية الصحية الأولية للنساء، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر اكتشاف الحالات ويزيد من صعوبة العلاج.
المرض والنزوح ومسؤولية إعالة الأسرة
ولا تقتصر معاناة النساء المصابات بالسرطان على الجانب الصحي، إذ تتداخل مع أعباء اجتماعية واقتصادية متزايدة فرضتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات الأساسية.
وأوضحت الحملاوي أن نساء كثيرات أصبحن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن، خاصة بعد فقدان عدد كبير من الرجال الذين كانوا يعيلونها، ما يضع المريضة أمام أعباء تتجاوز قدرتها الجسدية، في وقت تحتاج فيه إلى الراحة والرعاية والعلاج.
وقالت إن بعض النساء المصابات يجدن أنفسهن مضطرات إلى البحث عن الغذاء والمياه وتأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالهن، رغم ما يسببه المرض والعلاج من إنهاك شديد قد يحدّ من قدرتهن على الحركة.
وأضافت أن بعض المريضات يلجأن إلى المؤسسات والتكايا للحصول على الطعام، فيما يضطررن إلى قطع مسافات للحصول على المياه، أو للوصول إلى المستشفيات والحصول على مسكنات الألم.
وأشارت إلى أن بعض المريضات يصلن إلى مراحل متقدمة من الإنهاك، بحيث يصبحن غير قادرات على الحركة أو تلبية احتياجاتهن الشخصية، لكنهن يواصلن محاولة تأمين احتياجات أطفالهن وأسرهن.
نقص الأدوية وتوقف العلاج
وفيما يتعلق بالاحتياجات الميدانية، أكدت الحملاوي أن العلاج يأتي في مقدمتها، موضحة أن بعض النساء كن يتلقين العلاج الكيميائي قبل الحرب، لكنهن اضطررن إلى التوقف عن تلقي الجرعات بسبب الظروف الراهنة ونقص الأدوية.
وأضافت أن انقطاع العلاج ينعكس سلباً على صحة المريضات، في ظل استمرار المرض وعدم القدرة على الحصول على الجرعات في مواعيدها.
وأوضحت أن ملتقى النجد التنموي يحاول تقديم ما يستطيع من مساعدات، من خلال توفير بعض الاحتياجات الغذائية والمياه والملابس والمسكنات، إلا أن إمكانياته محدودة ولا تسمح بتوفير العلاج المتخصص للسرطان.
ولفتت إلى أن المشكلة لا تقتصر على القدرة على شراء الأدوية، إذ إن بعض الجهات قد تكون مستعدة لتقديم مساعدة مالية، لكن الأدوية المطلوبة لا تتوفر في الصيدليات بالشكل الكافي.
ووصفت الحملاوي واقع النساء المصابات بالسرطان في ظل غياب العلاج بأنه "موت بطيء"، مشيرة إلى أن المريضة تواجه صراعاً متواصلاً من أجل البقاء، بين المرض وصعوبة تأمين احتياجاتها اليومية والظروف الأمنية والإنسانية القاسية.
الخوف على الحياة والأطفال
إلى جانب الألم الجسدي، تعيش النساء المصابات بالسرطان حالة من الخوف والقلق المستمرين بسبب القصف وانعدام الأمان، لا سيما من تتحمل مسؤولية رعاية أطفالها.
وقالت الحملاوي إن المريضة قد تكون منهكة وغير قادرة على الحركة، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى التفكير في كيفية حماية أطفالها أو الهروب بهم إذا تعرض المكان الذي تقيم فيه للقصف، ما يضاعف الضغوط النفسية التي تواجهها.
وأكدت أن احتياجات المريضات باتت تشمل العلاج والأدوية والغذاء والمياه والأمان والدعم النفسي، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات والمجتمع المحلي على الاستجابة لهذه الاحتياجات.
وأضافت أن المساعدات الغذائية والمياه أصبحت شحيحة أيضاً، مع تراجع الإمدادات التي تقدمها المؤسسات، ما يفاقم معاناة المريضات وأسرهن.
وأشارت إلى أن ظروف الحرب وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية ونقص العلاج أسهمت في فقدان عدد من النساء المصابات بالسرطان حياتهن.
دعوات لفتح ممرات لتلقي العلاج
وفي ظل هذه الظروف، وجهت الحملاوي نداءً إلى المؤسسات المانحة والجهات الصحية والمؤسسات الحقوقية ومنظمة الصحة العالمية والمجتمع الدولي، للتحرك من أجل فتح ممرات تتيح للنساء المصابات بالسرطان مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج ثم العودة إليه.
وأكدت أن إدخال الأدوية إلى القطاع، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتلبية احتياجات الأعداد الكبيرة من المريضات، مشيرة إلى أن الكميات التي تصل محدودة ولا تضمن حصول جميع الحالات على الجرعات المطلوبة.
وشددت على ضرورة إتاحة الفرصة أمام المريضات للسفر وتلقي الرعاية الطبية اللازمة، متسائلة عن المبررات التي تحول دون السماح لهن بالخروج للعلاج والعودة إلى القطاع، مؤكدة أن القضية إنسانية وتتعلق بحق النساء في الحياة والعلاج.
وقالت إن المطالبة لا تتمثل في إخراج النساء من غزة ليصبحن لاجئات أو لتحميل دول أخرى مسؤولية إقامتهن، وإنما في تمكينهن من تلقي العلاج والعودة إلى أسرهن.
مرض يهدد حياة المرأة وأسرتها
وأشارت الحملاوي إلى أن إنقاذ حياة النساء المصابات بالسرطان يكتسب أهمية إضافية في ظل ارتفاع عدد النساء اللواتي أصبحن معيلات لأسرهن نتيجة فقدان الأزواج والأبناء وأفراد من العائلة، موضحة أن نحو 86 ألفاً و290 امرأة في غزة أصبحن معيلات لأسرهن.
وأكدت أن إصابة المرأة المعيلة بالسرطان لا تعني مواجهة فرد واحد للمرض فحسب، بل تهدد أيضاً قدرة أسرة كاملة على تأمين احتياجاتها، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو أفراداً من أسرهم خلال الحرب.
وشددت على أن حماية النساء المصابات بالسرطان وضمان وصولهن إلى العلاج مسؤولية إنسانية تقع على عاتق المجتمع الدولي والمؤسسات الصحية والحقوقية، وتتطلب توفير الأدوية والرعاية الطبية والممرات الآمنة، بما يضمن حق المريضات في الحياة والعلاج والعودة إلى أسرهن.