نساء نحو إعلام ذكي.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي عمل الصحفيات؟
رام الله- نساء FM- مها زكي- خلال السنوات الأخيرة، دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل متزايدة من الحياة اليومية، وكان قطاع الصحافة والإعلام من بين القطاعات التي بدأت تشهد تحولاً واضحاً في طرق العمل والإنتاج والوصول إلى المعلومات.
وفي فلسطين، تأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه الصحافة تحديات متزايدة تتعلق بسرعة الوصول إلى المعلومات، والتحقق من الأخبار، وتدفق المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى إنتاج مواد إعلامية متنوعة تتناسب سرعتها مع إيقاع الجمهور والمنصات الرقمية.
من هنا جاء مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"، وهو مشروع إذاعي تضمن 13 حلقة متخصصة، يواكب التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحافة والإعلام، ويفتح مساحة للنقاش والتحليل حول فرص هذه التقنيات وتحدياتها وتأثيرها على مستقبل العمل الإعلامي، مع التركيز على حضور الصحفيات ودورهن في هذا التحول.
الذكاء الاصطناعي في غرفة الأخبار
لا تقوم فكرة المشروع على تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية معقدة، وإنما على الاقتراب من تأثيره في الحياة اليومية للصحافية: كيف يمكن أن يساعدها؟ وما المهام التي يستطيع إنجازها؟ وما الذي يجب أن يبقى في يد الصحافية؟ وما المخاطر التي ينبغي الانتباه إليها قبل استخدام هذه الأدوات؟
ففي غرفة الأخبار، قد تبدأ الحكاية من مقابلة صوتية طويلة تحتاج إلى التفريغ، أو وثيقة تحتوي على عشرات الصفحات، أو تقرير بلغة أجنبية، أو كمية كبيرة من البيانات والمنشورات التي تحتاج إلى تنظيم ومقارنة.
وهنا يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن توفر الوقت والجهد، وتساعد الصحافية في الوصول إلى المعلومات وترتيبها وتحليلها، إلى جانب استخدامها في الترجمة الأولية، والتلخيص، وتفريغ المقابلات، واقتراح الأفكار والعناوين، والتعامل مع كميات كبيرة من البيانات.
لكن مهمة الصحافية لا تتمثل في إنتاج النص بسرعة، وإنما في الوصول إلى المعلومة الصحيحة، وفهم سياقها، والتحقق منها، والاستماع إلى مصادرها، والتمييز بين ما هو مهم وما هو هامشي، واتخاذ القرار التحريري بشأن ما يمكن نشره وما يجب التوقف عنده.
من المساعدة إلى التحقق
وتشير دراسة حديثة نُشرت عام 2026 إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى العاملين في الإذاعات الفلسطينية في محافظة الخليل، مع التركيز على توظيف هذه التقنيات في إنتاج الأخبار والتحقق منها، في مؤشر على أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل فعلياً إلى بيئة العمل الإعلامي الفلسطيني.
وفي دراسة فلسطينية أخرى نُشرت عام 2025، وشملت 103 من العاملين والنخب الإعلامية، رأى 78.6% من المشاركين أن توفير تقنيات بحث تساعد على إثراء المحتوى بالمعلومات يمثل أحد المتطلبات المهمة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في التحرير الصحفي، فيما اعتبر 75.7% أن تقليل الوقت والجهد والتكاليف من أبرز الآثار الإيجابية لاستخدام هذه التقنيات.
وتعكس هذه النتائج جانباً من الصورة الجديدة التي تواجهها غرف الأخبار: أدوات تستطيع تنفيذ بعض المهام بسرعة كبيرة، لكنها في المقابل تفرض على الصحفي مسؤوليات جديدة تتعلق بالتحقق والمراجعة والحكم المهني.
فقد تنتج أداة الذكاء الاصطناعي نصاً يبدو دقيقاً ومقنعاً، لكنه قد يتضمن معلومة خاطئة أو مصدراً غير موجود أو رقماً غير صحيح.
ولهذا، تبقى القاعدة الأساسية أن الذكاء الاصطناعي ليس مصدراً صحفياً بحد ذاته، ويمكن استخدامه للمساعدة في الوصول إلى المعلومات، لكن لا يجوز التعامل مع مخرجاته على أنها حقيقة جاهزة للنشر.
وتبقى الصحافية مطالبة بالعودة إلى المصدر الأصلي، ومقارنة المعلومات، والتأكد من الأرقام والأسماء والتصريحات والتواريخ، تماماً كما تفعل مع أي معلومة تصل إليها من الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي.
المحتوى المصطنع.. تحدٍ جديد أمام الصحافة
تزداد أهمية هذه المسؤولية في البيئة الفلسطينية، حيث يمكن أن تنتشر صورة أو معلومة أو مقطع فيديو خلال دقائق، بينما يحتاج التحقق من أصله وسياقه إلى وقت وجهد.
فقد تعود صورة قديمة إلى الواجهة على أنها حدث جديد، أو يقدم فيديو من مكان آخر على أنه من منطقة فلسطينية، أو يتحول منشور مجهول المصدر خلال ساعات إلى "خبر" تتناقله صفحات عديدة.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تعد المشكلة تقتصر على الأخبار الكاذبة التقليدية، إذ أصبح بالإمكان إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو مصطنعة تبدو أكثر واقعية وإقناعاً.
وهنا يواجه الصحفي تحدياً جديداً، لا يتعلق فقط بالبحث عن المعلومة، وإنما أيضاً بمعرفة كيفية التحقق من أصل المحتوى الرقمي الذي يصل إليه.
فالتحقق عملية صحفية متكاملة تبدأ من المصدر، وتمر بالسياق والتاريخ والمكان والمقارنة مع مصادر أخرى، وتنتهي بقرار مهني مسؤول.
الذكاء الاصطناعي وسلامة الصحفيات
ولا يرتبط الذكاء الاصطناعي بالمعلومات والتحقق فقط، بل يفتح أيضاً نقاشاً حول سلامة الصحفيات وحضورهن في الفضاء الرقمي.
فالنساء، ومن بينهن الصحافيات، قد يتعرضن للتشهير أو الابتزاز أو التلاعب بصورهن ومقاطعهن، ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تزيد من قدرة المعتدين على إنتاج محتوى مصطنع يصعب على الجمهور العادي اكتشافه بسرعة.
وتشير بيانات فلسطينية حديثة إلى استخدام محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي ضمن انتهاكات رقمية استهدفت النساء والصحافيات، ما يجعل الوعي بهذه التقنيات جزءاً من الحماية الرقمية والمهنية للصحافية.
ولم تعد الصحافية بحاجة فقط إلى معرفة كيفية إنتاج القصة، بل أصبحت بحاجة إلى معرفة كيفية حماية معلوماتها ومصادرها، والتعامل مع المحتوى المصطنع، والتحقق من المواد التي تصلها، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة لا تعرض البيانات الحساسة أو المعلومات الشخصية للخطر.
الخصوصية.. ماذا يحدث للبيانات؟
وتبرز كذلك قضية الخصوصية، إذ ليس كل تسجيل أو وثيقة أو معلومة يمكن إدخالها إلى أي أداة رقمية.
وعندما تتعامل الصحافية مع مصدر حساس، أو قصة تتضمن بيانات شخصية، أو وثائق غير منشورة، يصبح من الضروري أن تعرف كيف تعمل الأداة التي تستخدمها، وما الذي يحدث للبيانات التي تدخل إليها، وما السياسات التي تحكم استخدامها.
فرص جديدة أمام الصحفيات
ورغم هذه التحديات، يفتح الذكاء الاصطناعي فرصاً جديدة أمام الصحافيات.
فإذا استطاعت الصحافية اختصار ساعتين من العمل الروتيني، يمكنها استثمار هذا الوقت في البحث عن مصدر جديد، أو إجراء مقابلة إضافية، أو النزول إلى الميدان، أو قراءة وثائق أكثر، أو التحقق من معلومة كانت ستتجاوزها بسبب ضيق الوقت. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الصحافة، وليس بديلاً عنها.
13 حلقة.. من فهم التقنية إلى استخدامها مهنياً
وهذا أحد المحاور التي يتوقف عندها مشروع "نساء نحو إعلام ذكي"، الذي لا يكتفي بتقديم تعريفات عامة عن الذكاء الاصطناعي، وإنما يأخذ المستمع في رحلة متكاملة عبر 13 حلقة.
وتبدأ السلسلة من فهم هذه التقنيات وأهميتها للإعلام، وتنتقل إلى تحدياتها التقنية والأخلاقية، ودورها في التحقق من الأخبار وكشف المعلومات المضللة، وصولاً إلى أتمتة البحث والتحليل وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الاستقصائية.
وتناقش الحلقات كذلك قضايا الجندر والنوع الاجتماعي والتمثيل العادل في الإعلام الرقمي، لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن يستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً بما ينتجه، ومن يظهر في محتواه، وكيف يمكن للانحيازات الموجودة في البيانات والتقنيات أن تؤثر على صورة النساء وتمثيلهن في الإعلام.
كما تفتح السلسلة النقاش حول علاقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي.
واستضافت حلقات "نساء نحو إعلام ذكي" صحفيات وصحفيين وخبراء ومختصين في الإعلام والتكنولوجيا والتحقق الرقمي وقضايا الجندر، إلى جانب أصحاب تجارب عملية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل العمل الإعلامي، بهدف الانتقال من الحديث النظري إلى الواقع.
فمن تجربة الصحافية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في عملها اليومي، إلى خبرة الصحفي الذي يحاول التحقق من صورة أو فيديو، ورأي المتخصص الذي يشرح حدود التقنية، والنقاش حول ما الذي يجب استخدامه وما الذي يجب التوقف عنده، يحاول المشروع الاقتراب من الأسئلة التي تواجه العاملين في الإعلام اليوم.
تم انتاج هذا التقرير ضمن مشروع نساء نحو إعلام ذكي، الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية.