وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
غزة تستعيد البحر.. موجٌ يحمل أمل الحياة !

غزة - نساء FM- أزهار الكحلوت-عند الأصيل، اقتربت الشمس من مياه البحر الهادئة في الأفق البعيد، وبدأت العائلات الغزية تتوافد إلى الشاطئ. كانت من بينها حنين سعد (50 عاماً)، التي عادت بعد أشهر طويلة من التنقل بين خان يونس ودير البلح ورفح، وسط وجنوب قطاع غزة، 

هذه المرة، لم تكن عودتها إلى البحر مجرد نزهة، بل استعادة لمكان ارتبط بتفاصيل حياتها قبل الحرب. وتصف البحر بأنه "علاقة حب أبدية" لأهل غزة، بعدما أمضت أكثر من عام وشهرين في الخيام متنقلة بين أماكن النزوح.

كانت حنين تمر بمحاذاة البحر في طريقها إلى العمل، وتنظر إلى مياهه بصمت، وكأنها تستعيد شيئًا من حياتها القديمة التي انقطعت عنها خلال الحرب. وتعمل حنين معلمة للغة العربية في نقاط التعليم المنتشرة في غزة.

عبرت عن مشاعرها وهي تقف أمام الشاطئ، قائلة: "كنت أنظر إلى البحر بصمت وكأنني أستعيد ذكرياتي القديمة معه، دون أن أجد الكلمات التي تعبر عن ذلك"، وتضيف: "وهذا ما نبحث عنه، أن نعيش لحظة من الحياة في قطاع غزة، ولو للحظات".

على مقربةٍ من حنين، كانت أروى تحمل فنجان قهوتها، تجلس أمام الموج وتنتظر غروب الشمس، تراقب الشمس وهي تميل نحو الأفق، بينما يهدأ البحر أمامها.

أروى رضوان (19 عاماً)، لها حكاية طويلة مع بحر دير البلح؛ فعلى الرغم من أنها نازحة وتقيم حاليًا في منطقة المواصي الساحلية بخان يونس، فإنها تأتي إلى شاطئ دير البلح الذي اعتادت أن تقصده قبل الحرب، لما يحمله من ذكريات مع صديقاتها وعائلتها. تقول: "حتى بعد ما نزحت، ظل هذا المكان يعني لي شيئًا؛ كل ما أجي هون بحس إني برجع لجزء من حياتي وذكرياتي اللي عشتها قبل الحرب".

وتقول: "اشتقنا إليه من جديد، وأصبحنا نرغب في العودة إلى البحر. كنا نقطع مسافة طويلة حتى نصل إليه ونراه".

اليوم، لا تذهب أروى إلى البحر لمجرد الجلوس أمامه، بل تجد فيه مساحة خاصة تلجأ إليها عندما تشعر بالاختناق. تقول: "اتخذنا البحر مكانًا خاصًا ومساحة نلجأ إليها. عندما نشعر بالاختناق، ننزل إليه فنشعر بالراحة مع صوت الموج والهواء وكل ما يحيط بنا".

وتعود معها ذكريات الأيام التي كانت فيها العائلات والصديقات تقضين ساعات طويلة على الشاطئ، من الصباح حتى الليل. تقول: "أحيانًا كنا نتناول الفطور على البحر، وأحيانًا نجهز الغداء ونبقى حتى الليل، وأحيانًا كنا نبيت هناك ونبقى حتى اليوم التالي".

أما اليوم، فالكثير من تلك التفاصيل لم يعد موجودًا كما كان. حتى شكل الشاطئ وحضور الناس عليه تغيّر. تقول أروى: "الناس بدأت تعود إلى البحر وتحاول استعادة حياتها هناك، لكننا لم نعد بعد إلى ما كنا عليه قبل الحرب". تشير إلى أن أشياء كانت جزءًا من مشهد البحر اختفت، بينها البالونات والباعة والجمال وباعة الذرة الذين كانوا يملؤون الشاطئ بالحركة.

ومع كل ما تغير، يبقى البحر نفسه بالنسبة إليها. تقول: "هواء البحر... الشيء نفسه ما تغير"، ثم تختصر شعورها وهي تجلس أمامه: "براحة. راحة، طمأنينة".

بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب التي غيرت ملامح قطاع غزة، ودمرت أجزاء واسعة من واجهته البحرية، تحاول الحياة أن تجد لنفسها مساحات صغيرة وسط الركام. وعلى شاطئ البحر، حيث تتجاور خيام النازحين مع آثار الدمار، اختار الشاب نوح أن يبدأ مشروعه الصغير على الشاطئ.

نوح زقوت (36 عاماً)، النازح من شمال قطاع غزة، يعيش اليوم في خيمة على شاطئ المدينة، حيث أقام استراحة صغيرة للمشروبات خلال الحرب، بعدما كان يعمل سباحًا ومدربًا للسباحة. وجد في البحر مكانًا للسكن والعمل.

ومن مكانه على الشاطئ، يراقب نوح يوميًا حركة الناس الذين يأتون إلى البحر، ويرى أن كثيرين منهم يبحثون عن مكان يغيرون فيه أجواءهم بعد سنوات من الحرب والنزوح. ويقول: "أرى أن معظم الناس الذين يشعرون بالملل والضيق يتوجهون إلى البحر، باعتباره المتنفس الترفيهي الوحيد المتاح لهم".

لكن الوصول إلى البحر اليوم لا يعني الشعور بالأمان كما كان قبل الحرب، إذ يقول نوح: "حتى البحر في هذه الأيام يأتون إليه وهم غير آمنين، لكنهم يأتون، لأنه لا يوجد أمامهم مكان آخر".

وبالنسبة لنوح، فعلاقته بالبحر أقدم من الحرب والنزوح والعمل. يقول: "الشيء الوحيد الذي أحبه، أنه عندما أريد أن أرتاح أو أفضفض، أجلس على البحر. حتى عندما كنت خارج البلاد وأسافر، كنت أبحث عن البحر".

وقبل إصابته في مفصل قدمه، كان نوح يمارس السباحة لمسافات طويلة، تصل إلى كيلومترين وثلاثة كيلومترات ونصف حسب قوله. أما اليوم، فقد أصبح البحر الذي كان يذهب إليه للسباحة مكانًا يعيش فيه ويعمل منه، ويقول: "الخيمة مسكني هنا ومأواي هنا، وهنا رزقنا وشغلنا".

ومن أمام استراحة نوح، كان سمير القصاص (63 عاماً) يجلس إلى جانب حفيده، يلعبان بالرمل ويرسمان المجسمات.

يأتي القصاص إلى البحر بصورة شبه يومية برفقة حفيده لكسر الملل وتغيير الأجواء، رغم القلق والخوف، ويقول: "أحب أن آتي بهذا الطفل ليستمتع ويغيّر الأجواء، أما أنا فلست سعيدًا، لأننا لا نزال في حالة حرب".

نزح القصاص من حي التفاح شرق مدينة غزة، بعد تدمير منزله الواقع قرب «الخط الأصفر» — وهو خط تقسيم يضع المنطقة الواقعة شرقه تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، فيما يتركز غالبية النازحين غربه.

فيما دفعه انعدام فرص العمل إلى الخروج والجلوس أمام البحر: "ضاق بي الحال من شدة الملل، فلا يوجد عمل وأنا أجلس في المنزل، فأصطحبه معي للتسلية وتمضية الوقت".

ويستعيد القصاص ذكريات البحر قبل الحرب بكثير من الشوق: "كنت كل يوم بعد أن أنتهي من العمل، أفترش الأرض وأتطلع إلى البحر حتى أذان المغرب وغروب الشمس، ثم أعود إلى المنزل. كانت لدي سيارة، والآن فقدت كل شيء". 

ولا يبدو الشاطئ اليوم مكانًا آمنًا تمامًا، في ظل استمرار المخاوف من الزوارق الحربية والقصف وإطلاق النار. وبينما يراقب القصاص حفيده وهو يلعب، يبقى البحر مرتبطًا لديه بحياة فقد كثيرًا من تفاصيلها، وبأيام يأمل أن تعود معها الطمأنينة والاستقرار.

أمانٌ مفقود

على رمال الشاطئ الناعمة في دير البلح وسط قطاع غزة، ينشغل عدد من صيادي المدينة بإصلاح شبكات الصيد التالفة إلى جانب "حسكة" احترقت بفعل القصف ، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من أدوات مهنتهم. وكان من بينهم الشاب أمير عياش (20 عاماً)، الذي تردد في بادئ الأمر في الكشف عن اسمه خوفاً من تعرضه للاعتقال.

ولا يقتصر ارتباط أهل غزة بالبحر على الذكريات والنزهات؛ فبالنسبة للصيادين، ظل البحر مساحة حياة ومصدر رزق لعائلاتهم عبر أجيال متتابعة. أمير، الذي يقطن في منطقة المشاعلة غرب دير البلح، ورث المهنة عن والده وجده ويعمل فيها منذ نحو خمس سنوات.

ويخرج الصيادون يومياً بحثاً عن قوت عائلاتهم، لكن رحلة عشرةٍ منهم انتهت بالاعتقال مؤخراً بعدما اعترضت البحرية الإسرائيلية عملهم، في واقعة تتكرر باستمرار مع تضييق مساحة الصيد وتراجع فرص العمل.

يلخص أمير هذه العلاقة بقوله: "البحر روح... يعني البحر هو حياتنا أصلًا، إحنا عايشين عشان البحر والبحر عايش عشانّا".

وفي وقت يحاول فيه الصيادون الاستمرار، يظل الأمان هو الغائب الأكبر، حيث يختصر أمير أمنيتهم جميعاً: "نتمنى يرجع الأمان، أهم شيء أمان".

بمناقيش الزعتر التي أعدّتها، وإبريق الشاي، وجلستها برفقة صديقاتها أمام البحر، قضت الشابة صابرين عاطف (24 عاماً) وقتًا في تبادل الأحاديث والضحكات، قبل أن تنظر إلى الموج وتستعيد علاقتها بالمكان: "البحر مش مجرد مكان، هو جزء من غزة ومن ذاكرتي".

قبل الحرب، كانت تأتي إلى البحر لتغيير الجو، والجلوس مع صديقاتها، وشرب القهوة والمشي على الشاطئ. وتقول: "كان شيء بسيط وعادي جدًا، وما كنت أفكر وقتها إنه ممكن ييجي يوم ويصير الوصول للبحر نفسه مرتبط بكل هذا الحنين".

تصف شعورها في العودة إليه وهي محمّلة بشعورين متناقضين؛ فرحة رؤية المكان من جديد، وثقل ما حملته الحرب من خوف وتغييرات. وتقول: "كنت مبسوطة إني رجعت أشوف البحر، لكن بنفس الوقت كنت شايلة معي كل الأشياء اللي تغيرت خلال الحرب. المكان نفسه موجود، لكن إحساسي تجاهه ما كان مثل قبل. حسيت إني واقفة أمام شيء مألوف جدًا، لكنه صار يحمل ذاكرة مختلفة".

ومع العودة، اكتشفت صابرين أن ما افتقدته لم يكن البحر وحده، وإنما الإحساس الذي كان يمنحها إياه والتفاصيل الصغيرة التي كانت ترافق وجودها هناك؛ الجلوس والمشي والقهوة والضحك وتصوير اللحظة. وتقول: "اشتقت للإحساس نفسه أكثر من أي شيء ثاني".

ومع ذلك، يمكن للجلوس أمام البحر أن يعيد إليها، ولو للحظات، شيئًا من ذاتها التي عرفتها قبل الحرب. تقول: "مجرد إني أقعد على البحر وأشرب قهوتي بحس للحظة إني رجعت لنفسي القديمة، قبل كل الخوف والضغط والتغييرات اللي صارت". وتلخص ما افتقدته خلال الحرب بقولها: "اشتقت للحياة العادية اللي كنا نعيشها بدون ما نفكر بقيمتها".

وتوضح الأخصائية النفسية هديل خضر أن العودة إلى الأماكن والأنشطة التي اعتاد عليها الناس قبل الحرب قد تمنحهم مساحة لاستعادة بعض تفاصيل حياتهم السابقة.

وبالنسبة لأهل غزة، يرتبط البحر بذكريات العائلة والأصدقاء والسباحة والصيد والنزهات، لذلك "قد لا تكون العودة إلى البحر مجرد نزهة أو ترفيه، بل عودة إلى مكان يحمل ذكريات وعادات وعلاقات اجتماعية".

وتشير خضر إلى أن ممارسة هذه الأنشطة من جديد لا تعني أن آثار الحرب زالت، موضحة أن "الحرب لا تغيّر المكان فقط، بل تغيّر طريقة استخدام الوقت والعلاقات والشعور بالأمان".

وتقول إن "العودة إلى بحر غزة قد تعني أكثر من العودة إلى شاطئ؛ فقد تكون عودة إلى جزء من ذاكرة وإلى مساحة من الحياة والانتماء، مع بقاء آثار الحرب حاضرة لدى الناس".

يرى رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام للمراكز الثقافية يسري درويش أن للبحر في حياة الغزيين أبعاداً تتجاوز حدوده الجغرافية؛ فهو ليس مجرد شاطئ للاستجمام، بل جزء أصيل من ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية.

ويوضح درويش أن أجيالاً متعاقبة في غزة كبرت والبحر حاضر في تفاصيل يومياتها؛ منه عاش الصيادون، وعلى رمله أقام الأهالي طقوسهم البسيطة من شرب الشاي وجلسات العائلة مع المغيب، وفيه وجد الصغار منفذاً للعب والهروب من أثقال الحياة. كما أصبحت حرفة الصيد تراثاً حياً تتوارثه العائلات جيلًا بعد جيل.

ومن هذا المنطلق، يؤكد درويش أن عودة الناس إلى الشاطئ اليوم تحمل دلالة أكبر من مجرد نزهة، واصفاً إياها بأنها "عودة إلى الحق في الحياة بعد سنوات من الخوف والنزوح".

فأن يلهو طفل على الشاطئ، أو تنصب عائلة جلسة صغيرة، أو يبحر صياد بقاربه، فهي في جوهرها محاولات لاستعادة نبض الحياة وتفاصيلها التي تعطلت.