من بغداد إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا نترك للمستقبل؟
من "كتاب الحيل" إلى الخوارزميات.. حين يصبح تاريخ العلم سؤالاً عن المستقبل
رام الله – نساء FM – آية عبد الرحمن – حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي اليوم، تتجه الأنظار إلى الخوارزميات والنماذج اللغوية والروبوتات والتقنيات التي تتطور بوتيرة متسارعة، لكن العودة أكثر من ألف عام إلى بغداد في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية تفتح سؤالاً مختلفاً: هل حملت بعض الأفكار والآليات العلمية القديمة بذوراً من المبادئ التي تقوم عليها تقنيات نعيش معها اليوم؟
لا يعني ذلك أن الحضارة الإسلامية اخترعت الذكاء الاصطناعي بصورته الحديثة، ولا أن مسار تطور التكنولوجيا يمكن اختزاله في حضارة واحدة، وإنما يتعلق الأمر بالنظر إلى تاريخ العلم باعتباره سلسلة متراكمة من الأفكار والتجارب والمناهج، أسهمت فيها حضارات وأجيال متعاقبة، وصولاً إلى علوم الحاسوب والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
"كتاب الحيل".. آلات سبقت عصرها
وخلال حديثه لنساء إف إم، قال خبير الذكاء الاصطناعي عبد الرحمن الخطيب إن الربط بين الذكاء الاصطناعي وما شهدته الحضارة الإسلامية قبل ألف أو ألف ومئتي عام قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، إلا أن قراءة ما تركه علماء تلك المرحلة تكشف عن أفكار وآليات تستحق التوقف عندها.
وأوضح أن أحد دوافعه للبحث في الموضوع جاء بعد مشاهدته مقطعاً من محاضرة تناول أبناء موسى بن شاكر الثلاثة، المعروفين باسم "بني موسى"، وكتابهم الشهير "كتاب الحيل"، الذي تضمن وصفاً لعدد من الأجهزة والآليات الميكانيكية.
ويقول الخطيب إنه عاد إلى الكتاب وقرأه، فلفت انتباهه عدد من النماذج التي رأى فيها تشابهاً من حيث الفكرة مع بعض ما نراه اليوم في عالم الآلات والروبوتات.
ومن الأمثلة التي توقف عندها نموذج ميكانيكي مصنوع من الحديد، كان قادراً على العزف على آلة موسيقية تشبه الناي أو المزمار من دون تدخل بشري مباشر ومستمر، وهو ما دفعه إلى طرح سؤال حول مدى تقدم بعض تلك الأفكار مقارنة بالعصر الذي ظهرت فيه.
من الخوارزمي إلى الخوارزميات
ولا يقتصر الأمر، بحسب الخطيب، على الآلات الميكانيكية، إذ يمكن العثور في تاريخ العلوم الإسلامية على أفكار ومناهج أخرى تبدو ذات صلة، من زاوية تاريخية وفكرية، ببعض المفاهيم التي تقوم عليها علوم التكنولوجيا الحديثة.
ويشير إلى محمد بن موسى الخوارزمي، الذي ارتبط اسمه بتنظيم العمليات الرياضية والمنهجيات الحسابية، ومنها جاءت لاحقاً كلمة "Algorithm" المستخدمة على نطاق واسع في علوم الحاسوب.
كما يستحضر الخطيب العالم الكندي وما قدمه في مجال تحليل الشفرات والأنماط، وهي مجالات يرى أن بينها وبين بعض مفاهيم تحليل المعلومات والتعرف على الأنماط المستخدمة اليوم نقاط تشابه على مستوى الفكرة والمنهج.
ويضيف إلى ذلك ابن الهيثم، الذي اعتمد في أبحاثه على الملاحظة والتجربة واختبار الفرضيات، وهي منهجية يرى الخطيب أن فيها، من زاوية بعيدة، شبهاً بفكرة التعلم من خلال البيانات والاختبار والخطأ التي تقوم عليها بعض الأنظمة الحديثة.
تاريخ العلم ليس قصة حضارة واحدة
ويشدد الخطيب على أن هذه الأمثلة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي الحديث يعود بشكل مباشر إلى الحضارة الإسلامية، أو أن الحضارة الإسلامية وحدها صنعت الطريق الذي قاد إلى التكنولوجيا الحالية.
ويقول إن ما شهدته تلك المرحلة يمكن النظر إليه باعتباره مجموعة من الأفكار والتجارب والمناهج العلمية التي ظهرت في أزمنة مبكرة، ثم تراكمت المعرفة وتطورت عبر حضارات وأجيال مختلفة، حتى وصلت البشرية إلى علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي بصورته الحالية.
ويؤكد أن تاريخ العلم لم تكتبه حضارة واحدة، وإنما هو نتاج تراكمي شاركت فيه حضارات متعددة، أخذت كل منها ما سبقها وطورت وأضافت إليه.
بيت الحكمة.. حين تصبح المعرفة مشروعاً للمستقبل
ومن هنا، لا يتوقف الخطيب عند استعادة أسماء العلماء أو الإنجازات القديمة، بل ينتقل إلى سؤال الحاضر.
ويستحضر نموذج بيت الحكمة في العصر العباسي، باعتباره مركزاً للعلم والمعرفة والترجمة والإبداع، ويرى أن القيمة الأهم في التجربة لم تكن في الكتب التي جُمعت فقط، وإنما في بناء بيئة تحتضن المعرفة وتتيح للعلماء والباحثين تطوير أفكارهم.
وبحسب الخطيب، فإن المطلوب اليوم هو بناء بيئة قادرة على احتضان الإبداع والبحث العلمي والتفكير، وتوفير الظروف التي تسمح بإنتاج المعرفة والتكنولوجيا، بحيث لا يقتصر دور العرب والمسلمين على استهلاك التقنيات التي ينتجها الآخرون.
أين العرب من صناعة الذكاء الاصطناعي؟
وعند الحديث عن محدودية الحضور العربي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى التي تقود هذا المجال عالمياً، يشير الخطيب إلى مجموعة من التحديات، من بينها التشريعات، والبحث العلمي، والبنية التحتية، إضافة إلى الحاجة إلى توطين التكنولوجيا وتطوير نماذج وحلول تتناسب مع الاحتياجات والخصوصيات المحلية والعربية.
لكنه في المقابل يشير إلى وجود تجارب عربية واعدة، إلى جانب دول عربية تعمل على تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي وتسعى إلى تعزيز حضورها في هذا المجال والوصول إلى قدر أكبر من السيادة الرقمية.
ويرى أن المنطقة بدأت بالفعل في هذا المسار، لكن الوصول إلى نتائج أكبر يتطلب مزيداً من العمل والاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية والكوادر والبيئة الحاضنة للابتكار.
السؤال لم يعد: ماذا فعل أسلافنا؟
بالنسبة للخطيب، فإن استحضار الخوارزمي والكندي وابن الهيثم وبني موسى لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استعادة لأمجاد الماضي، بل إلى سؤال عملي عن الحاضر.
فالحضارات السابقة، كما يرى، لم تطور العلوم والتقنيات من أجل المعرفة المجردة فقط، وإنما استجابت أيضاً لحاجات عصرها، في مجالات مثل الري والزراعة والصناعة ووسائل النقل، وطورت أدوات تجاوز بعضها الحاجة الآنية واستمر أثره عبر قرون طويلة.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال: ماذا نفعل نحن اليوم حتى يكون لنا إسهام في تاريخ التكنولوجيا؟
ماذا سيقول عنا المستقبل؟
إذا كانت كتب كتبت قبل أكثر من ألف عام لا تزال تثير فضول الباحثين وتدفعهم إلى إعادة التفكير في مستوى المعرفة الذي بلغته الحضارات السابقة، فالسؤال الذي يطرحه الخطيب يمتد إلى المستقبل: ماذا ستقول الكتب التي ستكتب بعد مئة عام، أو ألف عام، عن عصرنا الحالي؟
وهل سنكون قد ساهمنا في صناعة التقنيات والمعارف التي ستشكل مستقبل البشرية، أم سنبقى مجرد مستهلكين لما ينتجه الآخرون؟
من بغداد وبيت الحكمة، مروراً بالخوارزمي والكندي وابن الهيثم وبني موسى، وصولاً إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية، تبدو قيمة استعادة التاريخ في أنه لا يمنحنا إجابات جاهزة بقدر ما يضع أمامنا سؤالاً للمستقبل: ماذا سنترك نحن للأجيال القادمة؟