"حين يبدأ الخلاف صغيراً وينتهي بالثأر".. العشائر تدعو إلى الحوار والاحتكام للقانون
رام الله – نساء FM- شجارات تبدأ بكلمة أو خلاف عابر، لكنها قد تنتهي بالقتل أو الحرق أو الثأر، مشاهد باتت تتكرر في مناطق مختلفة من فلسطين، فيما تتسع في بعض الحالات دائرة الخلاف من أفراد إلى عائلات بأكملها، لتتحول المشكلة من حادثة محدودة إلى نزاع يصعب احتواؤه وتدفع ثمنه أحياناً عائلات وأشخاص لا علاقة لهم بأصل الخلاف.
ومع تكرار هذه المشاهد، تبرز أسئلة حول أسباب اتساع دائرة العنف، ودور الأسرة والعشيرة والمؤسسات الرسمية في منع الخلافات من الوصول إلى هذه المرحلة، والأهم، كيف يمكن التدخل في اللحظة المناسبة قبل أن يتحول الشجار إلى جريمة أو نزاع عائلي طويل الأمد.
من جهته، يؤكد عضو المجلس المركزي الفلسطيني ومنسق شؤون العشائر إياد العملة في حديث مع "نساء إف إم" أن معالجة الخلافات لا تقوم على إقصاء دور المؤسسات الرسمية أو تجاوز القانون، وإنما على تكامل الأدوار بين العشائر والمؤسسات، بحيث تسهم العشائر في تهدئة النزاعات واحتوائها، بينما يبقى القضاء والقانون المرجعية لحماية الحقوق وإنفاذ العدالة.
العشائر شريك للمؤسسات وليست بديلاً عنها
وقال العملة، إن العشائر تمثل شريكاً للمؤسسات الرسمية وليست بديلاً عنها، مشيراً إلى أن دورها يبرز بصورة خاصة في المراحل الأولى للخلاف، من خلال تهدئة النفوس والتدخل لاحتواء المشكلة ومنع انتقالها إلى مستويات أكثر تعقيداً.
وأوضح أن العشائر تساند الأجهزة الأمنية والقضاء والقانون، لكنها ليست جهة تنفيذية، مؤكداً أهمية توعية أبناء العائلات باحترام القانون واللجوء إلى القضاء للحصول على الحقوق، بدلاً من محاولة معالجة الخلافات بطرق قد تقود إلى العنف أو الثأر أو القطيعة.
ويشير هذا الدور إلى أهمية التدخل في الوقت المناسب، قبل أن تتجاوز المشكلة أطرافها الأساسيين، إذ إن الخلاف الذي يمكن احتواؤه بالحوار في بدايته قد يصبح أكثر تعقيداً عندما يدخل فيه أفراد آخرون أو تتحول المسؤولية فيه من أشخاص إلى عائلات بأكملها.
التدخل المبكر يمنع اتساع دائرة النزاع
ويرى العملة أن التدخل المبكر يمكن أن يحدث فارقاً كبيراً في مسار أي خلاف، فكلما جرى احتواء المشكلة في بدايتها، كانت فرص الوصول إلى حل هادئ أكبر، قبل أن تنتقل من خلاف بين أفراد إلى نزاع يمتد إلى أفراد آخرين وعائلات بأكملها.
ولا يرتبط احتواء النزاع، وفق هذا الطرح، فقط بإنهاء الخلاف القائم، وإنما بمنع تداعياته من التوسع، خصوصاً عندما يؤدي الانفعال أو التصعيد إلى إدخال أشخاص لا علاقة مباشرة لهم بالمشكلة في دائرة النزاع.
ويؤكد العملة أن بعض الخلافات قد تترك آثاراً اجتماعية وقانونية تتجاوز أطرافها الأساسيين، وهو ما يجعل التعامل معها في بدايتها أكثر فاعلية وأقل كلفة على الأفراد والعائلات والمجتمع.
الأسرة خط الدفاع الأول
ويشدد العملة على أن مسؤولية الوقاية من النزاعات لا تقع على رجال العشائر وحدهم، وإنما تبدأ أيضاً من داخل الأسرة، من خلال الحوار مع الأبناء وتوعيتهم بخطورة الانفعال واللجوء إلى القوة في التعامل مع الخلافات.
ويؤكد أن استخدام القوة أو محاولة استرداد الحقوق بعيداً عن القانون لا يؤدي بالضرورة إلى حل المشكلة، بل قد يفتح الباب أمام مشكلات جديدة، ويضع أشخاصاً في مواجهة تبعات اجتماعية وقانونية ربما لم يكونوا طرفاً فيها منذ البداية.
ومن هنا، تصبح الأسرة شريكاً أساسياً في الوقاية، من خلال ترسيخ مفهوم الحوار واحترام الآخر، وتعزيز قناعة لدى الأبناء بأن الخلاف، مهما كان حجمه، يمكن التعامل معه عبر وسائل سلمية وقانونية بدلاً من تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
من معالجة النزاع إلى الوقاية منه
ويشير العملة إلى أن التعامل مع النزاعات لا ينبغي أن يبدأ بعد وقوع المشكلة فقط، وإنما يتطلب بناء ثقافة مجتمعية للوقاية منها، من خلال دور رجال العشائر داخل عائلاتهم ومجتمعهم، وتوعية الأبناء بالسلوكيات التي قد تقود إلى زعزعة الأمن والاستقرار.
وتبرز هنا أهمية الدور الوقائي للعشائر، إلى جانب دور المؤسسات الرسمية، في الحد من انتقال الخلاف من مستوى فردي إلى مستوى جماعي، خصوصاً أن اتساع دائرة النزاع قد يجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة.
كما أن الوقاية تتطلب تعزيز الوعي بأن حماية الحقوق لا تنفصل عن احترام القانون، وأن معالجة الخلاف عبر الحوار لا تعني التنازل عن الحق، بل البحث عن الوسيلة التي تمنع تحول المطالبة به إلى سبب في نزاع جديد.
القانون مرجعية لحماية الحقوق
وأكد العملة أن اللجوء إلى القضاء والقانون يبقى الطريق لحماية الحقوق، داعياً أبناء المجتمع إلى عدم تحويل الخلافات إلى قطيعة أو ثأر، والاستفادة من الحوار ووسائل حل النزاعات السلمية قبل أن تتفاقم الأمور.
وأوضح أن دور العشائر في هذا السياق يتمثل في مساندة المؤسسات الرسمية والعمل على تهدئة الخلافات، وليس فرض نفسها بديلاً عن القضاء أو الأجهزة المختصة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على التوازن بين الدور الاجتماعي للعشائر والمرجعية القانونية للدولة، بحيث يسهم التدخل العشائري في منع التصعيد وتهيئة الظروف للحل، دون أن يتحول إلى مسار يتجاوز المؤسسات الرسمية أو ينتقص من حق أي طرف في اللجوء إلى القضاء.
مسؤولية مشتركة لحماية السلم الأهلي
ويؤكد العملة أن الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد والأسرة، وتمتد إلى العشيرة والمؤسسات الرسمية ومختلف مكونات المجتمع، داعياً إلى التعامل مع الخلافات باعتبارها قضايا يمكن احتواؤها قبل أن تتحول إلى نزاعات واسعة.
فاحتواء المشكلة في بدايتها لا يحمي طرفي الخلاف فقط، وإنما يمنع امتداد آثارها إلى أفراد وعائلات قد لا تكون لهم علاقة مباشرة بها، ويحد من احتمالات تحول الخلاف إلى عنف أو قطيعة أو ثأر.