طالبت بميراثها فقتلت في طولكرم.. من يحمي النساء ؟
رام الله –نساء FM-اية عبد الرحمن- أعادت جريمة مقتل سيدة في طولكرم، بعد مطالبتها بحقها في الميراث، فتح ملف العنف ضد النساء، وطرحت تساؤلات حول الأسباب التي تجعل مطالبة المرأة بحق شرعي وقانوني تتحول في بعض الحالات إلى تهديد لحياتها، وحول مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية في حماية النساء، في ظل استمرار حالات العنف والقتل ضدهن.
وفي حديث لإذاعة "نساء إف إم"، وصفت المديرة العامة لمؤسسة "سوا" لمناهضة العنف ضد النساء، أهيلة شومر، حادثة مقتل السيدة بأنها خبر مؤسف وحزين، معتبرة أنه من المؤسف استمرار سماع مثل هذه الأخبار واستمرار معاناة النساء من التمييز الذي وصفته بـ"القاتل"، والذي قد يصل إلى تعريض حياة المرأة للخطر وفقدانها حياتها.
وقالت شومر إن استمرار ارتفاع العنف والخطر على حياة النساء يستوجب وجود ضوابط قانونية واجتماعية توفر لهن الحماية والأمان، مؤكدة أنه لا يحق لأي شخص أن يتخذ قراراً بشأن حياة إنسان آخر.
العادات والتقاليد.. حين تتحول إلى أداة ضد المرأة
وأشارت شومر إلى أن النساء غالباً ما يكنّ الضحايا في ظل بعض العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية التي يحاول المجتمع ترسيخها، معتبرة أن هذه الممارسات ليست من سمات المجتمع الفلسطيني، وإنما نتيجة عدم العمل بما يكفي على تغيير هذه المفاهيم والقيم، والعودة إلى القيم والمفاهيم الأصيلة للمجتمع الفلسطيني التي تقوم على احترام المرأة وتكريمها ومنحها حقوقها.
وحذرت من أن استمرار غياب التغيير في هذه المفاهيم يؤدي إلى تفاقم المشكلة عاماً بعد عام، متوقعة استمرار ظهور حالات أخرى من العنف ضد النساء إذا لم تتم معالجة جذور المشكلة.
الميراث.. حق ثابت لا "منّة" من العائلة
وفي ملف الميراث تحديداً، أكدت شومر أن بعض الأسر لا تزال تتعامل مع ميراث المرأة وكأنه "منّة" من العائلة، وليس حقاً ثابتاً لها، موضحة أن النساء قد يدفعن أثماناً مختلفة بسبب حرمانهن من حقوقهن، ولا يقتصر الأمر على فقدان المال.
وأوضحت أن هناك أسراً قد تتخذ طابعاً إقطاعياً في التعامل مع النساء، فتمنع المرأة من الزواج خوفاً من انتقال الميراث إلى زوجها، وبذلك يتم اتخاذ قرار مصيري في حياة المرأة، يتعلق بحقها في الزواج وتكوين أسرة، فقط من أجل الحفاظ على الميراث داخل العائلة.
وأشارت شومر إلى أن نسبة النساء اللواتي لا يحصلن على حقوقهن الشرعية في الميراث في فلسطين، وفق ما ذكرته، لا تتجاوز نحو 8 أو 9%، مؤكدة أهمية الإشارة إلى أن هناك عدداً من النساء ما زلن محرومات من هذا الحق، رغم أنه حق شرعي ثابت.
الضغط الاجتماعي يدفع النساء إلى التنازل
وتطرقت شومر إلى الدور الذي يلعبه الضغط الاجتماعي في دفع المرأة إلى التنازل عن حقوقها، معتبرة أن المجتمع في كثير من الأحيان يشكل أداة ضغط على النساء بدلاً من أن يكون أداة لحمايتهن.
وتساءلت شومر عن سبب عدم ممارسة المجتمع الضغط على الرجال للتنازل عن التمسك بالحصول على كامل الميراث، ولماذا يتركز الضغط على المرأة، مؤكدة أن قضية الميراث ليست منفصلة عن قضية العنف ضد النساء، وإنما تمثل إحدى صوره وأشكاله.
وأوضحت أن المرأة التي تتعرض للعنف داخل الأسرة قد تتعرض في الوقت ذاته لضغوط تدفعها إلى الصمت والتحمل والمراعاة بحجة الحفاظ على مصلحة العائلة، مشيرة إلى أن المرأة غالباً ما تكون الطرف الذي يُطلب منه التنازل، سواء في الميراث أو في قضايا العنف بشكل عام.
وأكدت أن هذا الضغط يأتي خصوصاً من الأسرة الممتدة والرجال الموجودين فيها، داعية إلى تغيير هذا النمط من التعامل وتغيير التوجهات المجتمعية تجاه المرأة وحقوقها.
التربية وسيادة القانون في مواجهة العنف
وشددت شومر على أن تغيير هذه المفاهيم يبدأ من التربية والمدرسة، ومن تغيير الأفكار والقيم السائدة، إلى جانب تعزيز سيادة القانون واحترامه وتطبيقه في القضايا المتعلقة بالنساء.
وأكدت أن قضايا الميراث والعنف ضد المرأة لا ينبغي أن يتم التعامل معها فقط من خلال الحلول الاجتماعية أو التسويات أو ما يعرف بـ"السلم الأهلي"، وإنما يجب أن تكون هناك سيادة واضحة للقانون، وأن يتم تطبيق القانون في كل القضايا التي تخص النساء.
شومر تنتقد التساهل في التعامل مع شكاوى النساء
وفيما يتعلق بدور المؤسسات الرسمية ومؤسسات حماية النساء، انتقدت شومر ما وصفته بوجود تساهل في التعامل مع قضايا النساء، قائلة إن الاتجاه في بعض الأحيان يسير عكس المطلوب، بحيث بدلاً من وجود تشديد أكبر لحماية النساء، يحدث تساهل في التعامل مع الشكاوى وحياة النساء.
وأشارت إلى أن بعض القضايا التي تصل إلى الشرطة لا تصل إلى المحكمة، إذ يتم التعامل معها أو تداولها قبل وصولها إلى المسار القضائي، مؤكدة أن كل منفذي القانون، وفي جميع مراحله، مطالبون بأخذ أي بلاغ يصل إليهم على محمل الجد.
وشددت على أن المؤسسات الرسمية تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية أي مواطن، وبشكل خاص النساء، نظراً لما قد يواجهنه من مخاطر وضغوط داخل الأسرة والمجتمع.
رسالة إلى الأهل: الميراث حق للمرأة
وفي رسالتها إلى الأهل والآباء الذين يحرمون بناتهم من حقوقهن، وإلى النساء اللواتي يتعرضن للتهديد عند المطالبة بحقوقهن، أكدت شومر أن على العائلات احترام نسائها وبناتها، مشددة على أن المرأة لها حق في الميراث، وأن هذا الحق شرعي وثابت.
وأوضحت أن بعض العائلات تستخدم التهديد للضغط على النساء، وأن هناك نساء تنازلن عن ميراثهن وأصبحن لاحقاً بلا وسيلة كافية لتأمين قوت يومهن، بعدما حُرمن من مصدر دخل كان من الممكن أن يوفر لهن قدراً من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي.
وأكدت أن العائلة التي تحترم المرأة وتحترم بناتها تساهم في ترسيخ هذه المفاهيم لدى جميع أفراد الأسرة، بينما الأسرة التي لا تحترم نساءها تربي أبناءها على عدم احترام المرأة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة العنف ضد النساء.
التوعية في المدارس.. حماية تبدأ من التربية
ودعت شومر إلى تعزيز التوعية داخل المدارس بحق المرأة في الميراث وحقها في عدم التعرض للعنف، مؤكدة أن حماية المرأة تنعكس على سلامة جميع أفراد الأسرة، وأن التربية قادرة على صناعة جيل يحترم المرأة وينقلها إلى مستوى أكبر من المساواة، أو على العكس يمكن أن تنتج جيلاً يقلل من قيمة المرأة.
وشددت شومر على أن القضية لا تتعلق بالميراث وحده، وإنما بمنظومة كاملة من التربية والقيم والمفاهيم التي تنتقل من جيل إلى آخر، مؤكدة أن تغيير هذه القيم وتعزيز احترام المرأة وحقوقها، إلى جانب سيادة القانون وتطبيقه، يمثلان أساساً لمواجهة العنف ضد النساء وحمايتهن من التهديد والقتل والحرمان من الحقوق.